المغرب في سياقه المتغير.. قراءة في الفرص والتحديات

المغرب في سياقه المتغير.. قراءة في الفرص والتحديات
صورة: هسبريس
الثلاثاء 6 دجنبر 2022 - 11:11

تروم هذه المقالة تفكيك المنجز والمؤجل في المشهد العام المغربي انطلاقا من تأطير زمني يغطي فصول السنة الجارية. وعليه، يمكن القول إن سنة 2022، وهي تشارف على نهايتها، تعتبر سنة ذات خصوصية متفردة في التاريخ السياسي والاقتصادي المغربي؛ وهو ما يتيح لنا مشروعية تقديم قرأة في تفاصيلها ومتغيراتها، بناء على مجموعة من الأحداث والقرارات والمؤشرات التي ميزت هذه السنة. كما يمكن إدراج هذه المقالة في إطار التمارين الفكرية التي تتوخى المساهمة في إغناء النقاش العمومي وتقديم قراءات متنوعة للمشهد السياسي والاقتصادي المغربي.

إن سنة 2022 تعتبر سنة فاصلة بين زمنين مغربيين شكل فيهما سؤال النهوض واستعادة وتيرة الإيقاع لما كان عليه قبل جائحة كوفيد وتثبيت مقومات التعافي سؤالا مؤرقا للفاعل السياسي والاقتصادي على حد السواء. بمعنى آخر، هناك تصور لمغرب أمام حالة اللايقين الناتجة عن تأثيرات كوفيد والحرب الروسية الأوكرانية وما خلفته من تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي ومعه الاقتصاد المغربي. وتصور ثان لمغرب يتطلع إلى أفق مستقبلي يسعى من خلاله إلى تجاوز كل عوامل الشد والكبح التي تميز السياق العالمي الجديد؛ وهو ما يستدعي الانخراط في ديناميات متسارعة في سياق متغير لا يوجد فيه متسعا كافيا من الوقت للدول من أجل التقرير بأريحية في الخيارات المتاحة.

لقد وجد المغرب نفسه كفاعل جهوي وإقليمي في قلب سياق دولي متغير وبأبعاد دولية متضاربة فرضت عليه التعاطي البراغماتي مع مؤشراته، وفي نفس ضرورة الحفاظ على الخيط الناظم لتحالفاته وشراكاته الدولية حتى لا تتأثر بهذه الارتدادات الجانبية الناتجة عنها؛ بل الاستثمار الأمثل للفرص التي أتاحتها هذه السياقات المستجدة وجعلها في خدمة استراتيجية الاستيقاظ/ النهوض واستعادة السيطرة والتحكم في مجموعة من الشبكات والعلاقات التي نسجها المغرب طيلة عقود. وهو ما تؤشر عليه الخطب الملكية في جميع المناسبات التي شهدتها هذه السنة باعتبارها إطارا زمنيا لهذه المقالة التحليلية (خطاب العرش، وخطاب 20 غشت، وخطاب الملك بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية، وأخيرا خطاب المسيرة الخضراء في ذكراها السابعة والأربعين)، ثم العروض والإحاطات التي يتقدم بها رئيس الحكومة أمام البرلمان (أجوبة الحكومة حول السياسات العمومية الشهرية، الحصيلة الحكومية بعد سنة من اشتغال الحكومة، وأخيرا تقديم قانون المالية 2023 أمام البرلمان). كما أن هذا السياق يتقاطع فيه ما هو داخلي وما هو خارجي بشكل يجعل التأثير متبادلا وجدليا بينهما. ويبقى الفارق هو فلسفة ومنهجية التعاطي مع هذه المتغيرات التي تحمل في طياتها تحديات وفرصا تحتاج إلى نفس استشرافي ومهارات تحليلية لتحويلها إلى مكاسب تعزز المكانة الدولية للمغرب في هذا السياق الدولي المتغير.

وفي قراءة منصفة لما حفلت به هذه السنة من تحولات وانعطافات نكون أمام مستويين من التحليل من خلالهما يمكن تقديم صورة تركيبية للمشهد السياسي والاقتصادي المغربي في سنة مفصلية، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.

فعلى المستوى الأول – الداخلي – كانت هناك مجموعة من الفرص والتحديات تتمثل في:

حكومة جديدة: وهي تجربة فريدة في المشهد السياسي المغربي المعاصر، حيث شكلت نتائج انتخابات الثامن من شتنبر 2021 لحظة تاريخية بإفراز مشهد سياسي واضح تمخض عنه تشكيل حكومة منسجمة وقوية من تحالف الأحزاب الثلاثة الأولى؛ وهي حزب التجمع الوطني الأحرار، وحزب الاستقلال، وحزب الأصالة والمعاصرة. ليمتد تأثير هذه النتائج إلى المجال الترابي من جهات وعمالات وأقاليم وجماعات محلية، حيث ساهمت هذه النتائج في فرز خريطة سياسية منسجمة ومترابطة أفقيا وعموديا؛ وهو ما مثل فرصا حقيقية لتحديث الممارسة السياسية وتجويدها وإعادة الثقة إلى المواطن في المشاركة السياسية، غير أن هذه الفرصة التاريخية التي أضحت في خدمة الفاعل الحزبي / السياسي رافقها نقاش عميق حول المنتظر منها. وهذا هو التحدي الذي يشكل الوجه الآخر لهذه الفرصة، حيث من المفروض أن تنعكس آثارها الإيجابية على المواطن وعلى التنمية المحلية والمجالية طالما هنالك انسجام بين الفاعل السياسي المحلي والفاعل السياسي الوطني؛ فالمؤشرات المحققة طيلة هذه السنة يمكن القول إنها ما زالت دون انتظارات المواطن، وما زالت ثمار هذا الانسجام السياسي لم تنعكس اقتصاديا واجتماعيا على الواقع المعيش اليومي.

تحديات خارجة عن السيطرة: استنادا إلى التصريح الحكومي والنقاشات العمومية حول السياسات العامة للحكومة طيلة هذه السنة، يتضح أن هناك إرادة قوية لتنزيل برامج الدولة ومشاريعها التنموية. كما يبدو الالتزام القوي بتفعيل البرامج الاجتماعية والسوسيو -اقتصادية والدفع بالمخططات القطاعية سواء في المجال الصناعي، الفلاحي، جذب الاستثمار الخارجي، إنعاش التشغيل …

هذه الإرادة السياسية الواضحة تتخذ شكل فرص متاحة للفاعل الاقتصادي الوطني والأجنبي؛ غير أنها وفي ظل السياق الدولي المتغير تتحول إلى تحديات تحتاج إلى تدبير عقلاني للحد من تأثيرها والحفاظ على المكتسبات المحققة، حيث إن الظرفية الاقتصادية العالمية أصبحت عامل وعنصر تشويش على القرار الاقتصادي مع ما يشكله من ضبابية وعدم اليقين في المؤشرات الاقتصادية وتوجهات الأسواق الدولية، مما يجعل من المجهودات المبذولة وطنيا تصطدم بهذا السياق والواقع المتغير؛ وهو ما يستوجب المزيد من اليقظة والتكيف مع هذه المنعطفات لبلوغ بر الاستقرار. كما أن الجفاف كمعطى غير متحكم فيه شكل عبئا إضافيا كبيرا خارجا عن السيطرة استلزم التفكير الاستعجالي في بدائل مبتكرة بغية التخفيف من حدة هذا المستجد الطبيعي، مع ما يشكله من عبء مالي كبير على الدولة؛ وهو تحدّ لا يمكن التنبؤ بمآلاته في المستقبل. غير أنه يجب أن يحظى بحيز كبير ومهم في استراتيجيات الدولة في السنوات المقبلة.

محيط دولي ضاغط في اتجاه الداخل: شكلت سنة 2022 سنة اقتصادية صعبة، والشاهد عليها هو هذا التباطؤ الواضح في مؤشرات النمو العالمي، وخصوصا في الاقتصاديات العالمية الكبرى. ورغم ذلك فقد استطاعت المالية العمومية الصمود والحفاظ على توازن المؤشرات الماكرو اقتصادية. كما أنه ورغم الارتفاع الحاد في أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية فإن الميزانية العامة صمدت ولم يتم اللجوء إلى قانون مالية تعديلي. غير أن هذا المحيط الدولي كان ضاغطا على المالية العمومية وعلى القدرة الشرائية للمواطن بالنتيجة. ويبقى السؤال: إلى أي حد يمكن فيه للمالية العمومية الصمود؟ وما مدى تأثير هذا الصمود على المواطن وعلى قدرته التحملية في مواجهته للغلاء وارتفاع الأسعار؟.

على المستوى الثاني – الخارجي- تميزت سنة 2022 بمجموعة من الخاصيات تراوحت بين ثنائية الفرص والتحديات، حيث شكلت مجموعة من الملفات والقضايا جوهر أجندة اشتغال الدولة خلال هذه السنة. ويمكن التوقف عند أهمها كما يلي:

ملف الوحدة الترابية: لقد كان لافتا خلال هذه السنة تلك المكتسبات التي تحققت على مستوى القضية الوطنية الأولى، وهي قضية الوحدة الترابية التي شكلت قطب الرحى في دوائر اشتغال الدبلوماسية المغربية؛ فقد كان القرار 2602 فرصة وتحديا للدبلوماسية المغربية: فرصة لأنه يثمن الموقف المغربي ويعزز مكتسباته في موضوع النزاع المفتعل، وبالموازاة مع ذلك شكل تحديا من حيث مواصلة التعبئة والرفع من وتيرة الاشتغال. وهو ما كسبه المغرب من خلال القرار رقم 2654 الصادر في أكتوبر 2022. فإذا كان هذا القرار الأخير انتصارا للرؤية المغربية لطي هذا النزاع على أساس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية المغربية، فإنه يشكل تحديا للمغرب من أجل المضي قدما في تعزيز توجهه المبني على المنظور الشامل لتسوية هذا النزاع؛ وهو منظور يزاوج بين البعد السياسي والدبلوماسي والبعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه الربوع من أرض الوطن.

تحديات التموقع الدولي (المكانة الدولية والتنافسية): في سياق دولي تحكمه التنافسية والتدافع بين القوى الدولية وما يشكله أحيانا هذا التدافع من تعارض وتضارب للمصالح فإن تحدي الحفاظ على نقاط تماس متوازنة بين هذه الأطراف يصبح تحديا كبيرا على عاتق الدولة. وفي هذا الإطار، فإن المكتسبات التي حققها المغرب طيلة العقدين الماضيين شهدت هذه السنة ظهور نتائجها على مستوى العلاقات الدولية للمغرب، حيث ترسخت في كثير من المحطات تلك المكانة الدولية للمغرب خصوصا في علاقاته الاستراتيجية مع القوى الدولية الكبرى. كما تعززت شبكة واسعة من هذه العلاقات مع قوى دولية جديدة، خصوصا في القارة الأمريكية اللاتينية والعمق الإفريقي. كما أن تنافسية المغرب على الصعيد الاقتصادي تعززت بفعل الاستثمارات الكبرى في البنيات التحتية الطاقية واللوجيستيكية والاندماج في السلاسل الدولية للتوزيع من خلال صعوده كمنصة إقليمية ذات ربط قاري ودولي في الجغرافية الاقتصادية والتجارية الدولية. وأمام هذه المكتسبات الظاهرة والمحققة فإن رهان الاستثمار فيها بالمزيد من التطوير والتجويد يشكل تحديا للدولة، خصوصا إذا ما استحضرنا الصراع الخفي الذي تقوده مجموعة من الدول التي تعتبر هذا الصعود للمغرب يشكل عنصرا تنافسيا لمصالحها. وخير مثال على ذلك هو ما يتعرض له مشروع الربط الطاقي عبر أنبوب الغاز نيجيريا المغرب من تشويش. وأيضا المقاومة التي يشهدها طلب انضمام المغرب إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (سيدياو).

تعزيز دوائر الانتماء الدولي: شكلت سنة 2022 سنة لترسيخ وتعزيز الشراكات الاستراتيجية للمغرب في دوائر انتمائه الدولي. كما شكل الدعم الذي يحظى به المغرب في دفاعه على مصالحه الوطنية العليا طفرات نوعية كبيرة. وفي هذا الإطار، نشير إلى الدعم والمكانة التي يحظى بها المغرب في إطار انتمائه العربي، حيث شكلت مواقف العديد من الدول العربية وخصوصا الخليجية سندا قويا للمغرب في المحافل الدولية خلال هذه السنة. كما شكلت الصفة التي يحظى بها المغرب كشريك متقدم مع الاتحاد الأوربي والتحالفات التي تم نسجها مع القوى الفاعلة في هذا الاتحاد كألمانيا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا بولونيا … ظهور بوادر بناء دائرة انتماء إقليمي / قاري قيد التشكل تلعب فيه المصالح المشتركة وتبادل المنافع بصيغة رابح رابح كبوصلة للتوجيه والتخطيط لمستقبل واعد. هذا دون إغفال الانتماء الإفريقي الذي بات يحكم العديد من الاستراتيجيات المستقبلية للمغرب على اعتباره دائرة انتماء تاريخية وجغرافية، تستوجب المزيد من الاشتغال والاستثمار على جميع الأصعدة. وأمام هذه المكتسبات والفرص التي تتيحها هذه الدوائر فإن تحدي الحفاظ على استقرارها ضمن سياقات دولية متغيرة والرقي بها إلى آفاق جديدة. يعتبر محكا وتحديا بالغ الأهمية والتعقيد يستوجب إدراجه ضمن جدول الأولويات الاستراتيجية للفاعل السياسي بمنظور استباقي لكل ما من شأنه التشويش على هذه المكتسبات المحققة.

وعليه، فإن هذه النظرة العامة لبعض التفاصيل الكبرى التي ميزت سنة 2022 يبدو معها أن العلاقات الدولية والدينامية السياسية والاقتصادية الوطنية أصبحت ثنائية ترابطية وجدلية، وهي التي تحكم منطق اشتغال الدولة الحديثة والمغرب ليس بمعزل عن هذه المعادلة وتأثيراتها؛ فالفرص تصاحبها في كل الأحوال تحديات، والفاعل الدولتي هو المؤهل لضبط إيقاعات هذه المتغيرات وتحولات السياق المحيط من خلال الاعتماد على لوحة قيادة تستدمج كل العناصر الفاعلة هذا السياق المتغير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • فروق الهام
    الثلاثاء 6 دجنبر 2022 - 21:15

    تحليل سياسي شامل استطاع الدكتور جمال ان يغطي فيه محطات مهمة عرفها المغرب خلال سنة 2022 مزيد من التألق والنجاح

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42 3

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55 1

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32 3

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين