الملك يرسم ملامح "العقيدة السياسية" للمملكة في "خطاب دكار"

الملك يرسم ملامح "العقيدة السياسية" للمملكة في "خطاب دكار"
الثلاثاء 8 نونبر 2016 - 01:01

حمل الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى 41 للمسيرة الخضراء خمس رسائل رئيسية من الواضح أنها موجهة لعدة أطراف، سواء في الداخل أو الخارج، كما أنها جاءت لتقدم إجابات محددة على مجموعة من التحديات والتعقيدات التي ترتبط بملف الصحراء، في ظل السياقات الدولية والإقليمية الراهنة، ولتوجيه إشارات وتوضيحات حول السياسة الجديدة للمغرب تجاه عمقه الإفريقي.

وقبل الخوض في هذه الرسائل التي حملها الخطاب، لا بد من الإشارة إلى ملاحظتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بالتحول المسجل على مستوى البروتوكول المعتاد في الخطب الملكية خلال المناسبات الوطنية، إذ جرت العادة أن يخاطب الملك الشعب من داخل التراب الوطني، غير أن هذا الخطاب جاء لأول مرة من خارج البلاد، ووجه من قلب إفريقيا، كما جاء على لسان الملك من داخل دولة إفريقية حليفة، في سابقة من نوعها.

ربما قد يكون هذا التحول مرتبطا بالتغيرات الجوهرية التي باتت تعرفها “العقيدة السياسة” للمملكة على المستوى الدبلوماسي والخارجي تجاه القارة الإفريقية، ولاسيما أن الملك يقود ويشرف شخصيا في المرحلة الراهنة على جميع التحركات والمبادرات الميدانية الرامية إلى عودة المغرب إلى أسرته الإفريقية، الأمر الذي لن يتأتى إلا بمحاصرة مناورات خصوم وحدته الترابية، وذلك عبر نسج علاقات ثنائية في كافة المجالات الاقتصادية والتجارية والاجتماعية مع مختلف دول شرق وغرب ووسط إفريقيا.

هذا التحول الإستراتيجي في السياسة الخارجية ظهر بشكل جلي في الزيارة الملكية الأخيرة لبعض المعاقل التقليدية الموالية لأطروحة الانفصال، ومحاولة اختراقها، مثل روندا وتنزانيا. وكانت هناك زيارة مبرمجة إلى إثيوبيا، غير أن الوضع السياسي غير المستقر بهذا البلد أدى إلى تأجيلها.

كما تأتي هذه الزيارات في ظرفية خاصة، على اعتبار أنه لم يعد يفصلنا عن موعد البت في طلب المغرب العودة إلى منظمة الاتحاد الإفريقي سوى سبعة أشهر، وذلك بغية تفادي أي محاولة للتشويش وعرقلة العودة بشكل طبيعي إلى منظمة الاتحاد الإفريقي.

أما الملاحظة الثانية فتتعلق بمكان توجيه الخطاب، وهو دولة السنغال، إذ إن اختيار هذا القطر برمزيته وامتداده التاريخي والجغرافي يحمل عدة إشارات، من بينها الاعتراف بالعرفان والجميل، نظرا للمواقف الثابتة لهذا البلد واصطفافه إلى جانب المغرب في جميع المحطات. وهو كذلك تأكيد على ضرورة إعادة إحياء التاريخ المشترك وبناء جسور الوحدة والتماسك بين الشعبين التي مزقها الاستعمار، لاسيما أن المغرب الكبير كان يمتد من نهر السنيغال إلى تونس. كما أن السنغال تعتبر من ركائز المحور المدافع عن وحدة المغرب الترابية، بالإضافة إلى كوت ديفوار؛ لذلك فتوجيه الخطاب من هذا البلد يعكس رغبة المغرب في تقوية هذا المحور ويحمل رسائل مباشرة كذلك إلى الدول التي تدور في فلك المحور المعادي، غايتها التأكيد على وفاء وانصهار وتخندق المملكة مع أصدقائها وحلفائها الإفريقيين في بوتقة واحدة، وأن مصيرها ومستقبلها يرتبط بعمقها الإفريقي.

وبالعودة إلى مضمون الخطاب الملكي، فالرسالة الأولى التي تضمنها تتعلق بالتحولات السياسية الجديدة تجاه إفريقيا، إذ أكد الملك أن انفتاح وتوجهات المغرب لن تقتصر فقط على إفريقيا الغربية والوسطى، وإنما سيكون لها بعد قاري، وسوف تشمل كل مناطق إفريقيا، ما يؤشر على أن هذا التوجه الإستراتيجي تجاه مختلف دول إفريقيا يؤسس لمقاربة جديدة أو “عقيدة سياسية” مختلفة، تتجاوز التصور الكلاسيكي السابق الذي كان يحكم السياسة الخارجية المغربية.

أما الرسالة الثانية فمفادها أن المقاربة أو الإستراتيجية الجديدة تجاه دول شرق إفريقيا لا ترتبط بحسابات ظرفية بقدر ما ترتكز على الواقعية والبراغماتية، ولها أبعاد تضامنية، إذ أشار الملك إلى أن المغرب يسعى من خلال الزيارات الميدانية إلى إضفاء دينامية جديدة على العلاقات الاقتصادية والسياسية مع هذه البلدان، لما تمثله المنطقة من وزن سياسي، وما تتوفر عليه من طاقات اقتصادية ومؤهلات إستراتيجية.

والرسالة الثالثة موجهة بشكل مباشر إلى المحور المعادي للوحدة الترابية للمغرب داخل المنظمة الإفريقية، وجاءت بنبرة صريحة وواضحة لرفع الالتباس حول التأويلات والتفسيرات الخاطئة التي يحاول البعض الترويج لها بخصوص العودة إلى هذه المنظمة، إذ أكد الملك أن عودة المغرب إلى أسرته المؤسسية القارية لن تغير شيئا من المواقف الثابتة بخصوص مغربية الصحراء، بل الهدف منها الدفاع عن الحقوق المشروعة للمملكة من داخل الاتحاد، سواء من خلال تصحيح المغالطات التي يروج لها خصوم الوحدة الترابية أو من خلال التصدي لمناوراتهم وتحركاتهم.

أما الرسالة الرابعة فموجهة بشكل مباشر إلى القائمين على الأجهزة التقريرية داخل منظمة الاتحاد الإفريقي، وبالتحديد إلى الأطراف المنحازة إلى الطرح الانفصالي، والتي تعمل على عرقلة عودة المغرب إلى المنظمة، إذ أكد الملك بلهجة حادة أن المملكة لا تطلب الإذن من أحد، “فالمغرب راجع إلى مكانه الطبيعي، كيفما كان الحال، ويتوفر على الأغلبية الساحقة لشغل مقعده داخل الأسرة المؤسسية الإفريقية”، وهي رسالة يمكن ربطها بالبلاغ الملكي الأخير خلال الأسبوع الماضي الذي عبر فيه المغرب عن احتجاجه على تقصير مفوضية الاتحاد الأفريقي في توزيع مذكرته للانضمام إلى الاتحاد. وجاء في البلاغ: “إن زوما، وفي الواقع، كان ‏يتعين عليها، تطبيقا للميثاق المؤسس، ووفقا لمقتضيات عمل المنظمة، المبادرة بالتوزيع الفوري لهذا ‏الطلب على الدول الأعضاء”.

وأخيرا، تتعلق الرسالة الخامسة التي حملها الخطاب الملكي بالشأن الداخلي وبالسياق الراهن المتعلق بالمشاورات الجارية لتشكيل الحكومة، إذ إنه في معرض تطرق الملك إلى السياسة المستقبلية المفترضة للحكومة القادمة تجاه إفريقيا أشار بأسلوب لافت يحمل في طياته أكثر من دلالة إلى أن المغرب يحتاج إلى حكومة جادة ومسؤولة.. وبلغة صارمة أكد أن “الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية”.

والملك عندما يؤكد حرصه على أن يتم تشكيل الحكومة المقبلة وفق منهجية صارمة، فهو بذلك يمارس صلاحياته الدستورية من خلال توجيه رئيس الحكومة والأحزاب الراغبة في المشاركة في الائتلاف الحكومي إلى ضرورة تقديم كفاءات جديدة قادرة على التفاعل مع السياسات الجديدة والتحديات الراهنة، وبالتالي فالخروج عن هذا الإطار يعني ضمنيا إعمال بعض المقتضيات الدستورية التي تسمح له برفض الأسماء المقترحة. لذلك فإن تضمين الخطاب الملكي لهذا التوجيه الصارم وفق السياق الحالي المرتبط بتعثر المفاوضات يؤشر على أن ولادة الحكومة القادمة تظل عسيرة وتبقى محكومة بمدى قدرة الأحزاب على تقديم تنازلات تهم بالأساس استبعاد بعض الأسماء التي من الواضح أنها لا تحظى بموافقة وقبول المؤسسة الملكية.

* أستاذ للعلوم السياسية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 18

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب