المهارات الحياتية والتعلم .. أي علاقة؟

المهارات الحياتية والتعلم .. أي علاقة؟
الخميس 11 شتنبر 2025 - 17:20

في ظل البيئة المعقدة التي نعيشها اليوم، والتي تتميز بكونها سريعة التغيير، ومليئة بالتحديات اليومية والمستجدات؛ برزت العديد من المصطلحات والمفاهيم، منها: المهارات الحياتية. فماذا نقصد بالمهارات الحياتية؟ وما أهميتها؟ وما دورها في المجال التربوي؟ وهل لدينا في المغرب استراتيجية واضحة للمهارات الحياتية؟ هذه الأسئلة، وغيرها، سأقاربها عبر المحاور التالية.

مفهوم المهارات الحياتية

ليس هناك مفهوم محدد للمهارات الحياتية؛ نظرًا لاتساع هذا المفهوم من ناحية، ومن ناحية أخرى لاختلاف المتخصصين والخبراء في هذا المجال، وتركيز كل منهم على جوانب معينة من المفهوم. وقد فضلت رأي منظمة الصحة العالمية التي عرفت المهارات الحياتية بأنها: (… قدرة الفرد على القيام بالسلوك الملائم الإيجابي الذي يمكنه من التعامل بفاعلية مع متطلبات الحياة اليومية وتحدياتها؛ وتشمل مجموعة الكفاءات النفسية والاجتماعية، والمهارات الشخصية الداخلية التي تساعد على اتخاذ قرارات مبنية على قاعدة صحيحة من المعلومات، وحل المشكلات، والتفكير الناقد والإبداعي، والتواصل بفاعلية، وبناء علاقة صحيحة، والتعاطف مع الآخرين، وتدبر أمور الحياة بأسلوب سوي…).

كما تختلف تصنيفات المهارات الحياتية؛ ومنها تصنيف يعود لمنظمة الصحة العالمية أيضًا، ويشتمل على عشر مهارات أساسية تعد من أهم مهارات الحياة بالنسبة للإنسان، وهي: مهارة اتخاذ القرار – مهارة حل المشكلات – مهارة التفكير الإبداعي – مهارة التفكير الناقد – مهارة التواصل الفعال – مهارة العلاقات الشخصية – مهارة الوعي بالذات – مهارة التعاطف – مهارة التعايش مع الضغوطات – مهارة التعايش مع الانفعالات.

أما على مستوى خصائص المهارات الحياتية، فأهمها: التنوع والشمولية: فالمهارات تشمل كل الجوانب المادية وغير المادية المرتبطة بأساليب إشباع الإنسان لاحتياجاته؛ كما أنها تختلف من مجتمع لآخر تبعًا لطبيعة كل مجتمع ودرجة تقدمه، وتختلف من فترة زمنية لأخرى، عطفًا على اعتمادها على الطبيعة التبادلية بين الفرد والمجتمع، وبين المجتمع والفرد، ودرجة تأثير كل منهما على الآخر؛ وتستهدف أيضًا مساعدة الفرد على التفاعل الناجح مع الحياة، وتطوير أساليب معايشته لها، وما يتبع ذلك من ضرورة التفاعل مع مواقف الحياة بأساليب جديدة ومتطورة.

المهارات الحياتية في المنظومة التربوية المغربية

يعد الاهتمام بالمهارات الحياتية من أهم الاتجاهات الحديثة في المجال التربوي؛ حيث أكد الخبراء على أهمية تضمين المهارات الحياتية في المناهج، باعتبارها من أهم مخرجات التعلم، والمطلوب إكسابها للمتعلمات والمتعلمين في جميع المستويات الدراسية؛ لأن الأطفال يحتاجون لهذه المهارات في جميع مراحل حياتهم، بل وفي جميع أمورهم الحياتية، من أجل تحقيق التنمية الشاملة. فما مدى اهتمام المجال التربوي المغربي بهذه المهارات؟ دعونا نقوم بحفريات تربوية.

في المنهاج الدراسي بالمغرب، الذي حرص على إدراج أنشطة المهارات الحياتية في سيرورة إعداد المتعلمات والمتعلمين بما يتماشى مع الغايات الكبرى للتربية والتكوين، ويعزز أدوار المدرسة المغربية الجديدة المنفتحة والدامجة؛ التي تمنح المتعلمات والمتعلمين فرص الاندماج الناجح في الحياة العملية. حيث جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين المادة 68 (المتعلقة باكتساب الكفايات الذاتية والتقنية والمهنية). كما نجد في الرؤية الاستراتيجية 2015/2030 في الرافعة 12 المتعلقة (بتطوير نموذج بيداغوجي قوامه الانفتاح والتنوع والابتكار)…

وإذا كانت المهارات الحياتية مفهوماً جديداً في المنظومة التربوية بالمغرب؛ فإن محتواه وبعض أنشطته نجده في الكفايات الخاصة بكل التعلمات – كما يقال: تعددت العناوين والمضمون واحد -.

وحتى يكون للمهارات الحياتية وقع أكبر، أطلقت مديرية المناهج بوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في إطار برنامج التعاون مع منظمة اليونيسيف، مشروع مهاراتي سنة 2016، وذلك قصد تمكين المتعلمات والمتعلمين من المهارات الحياتية بسلك التعليم الإعدادي والثانوي، عبر ملاءمة الأنشطة التعليمية التعلمية المتضمنة في مختلف المواد الدراسية؛ بالارتكاز على الأبعاد التعليمية الأربعة: البعد المعرفي: أتعلم لأعرف، والبعد الفعال: أتعلم لأعمل، والبعد الذاتي: أتعلم لأكون، والبعد الاجتماعي: أتعلم لأعيش مع الآخرين. والغاية من هذا المشروع: تمكين المتعلمات والمتعلمين من المهارات والقيم التي تعزز لديهم التميز، والانتماء الهوياتي والمهني، وتقوية التشبع بقيم المواطنة. لكن الملاحظ أن هذه المهارات الحياتية الضمنية خاصة بالإعدادي والثانوي؟ فما نصيب مرحلة التعليم الأولي من المهارات الحياتية؟

المهارات الحياتية وما قبل المدرسة

أجمع خبراء التربية على أن مرحلة الطفولة من أنسب المراحل لتنمية المهارات الحياتية، لما لها من دور فعال في تحقيق المبادئ التربوية، وتنمية الاستعدادات الفطرية للطفل. لذا سعت معظم المؤسسات التعليمية في كثير من دول العالم اليوم إلى وضع مناهج كاملة لتنمية المهارات الحياتية لدى أطفالها في مختلف المراحل التعليمية منذ مرحلة ما قبل المدرسة (الروض) وحتى نهاية المرحلة الجامعية، باعتبارها أساسًا للنمو السليم، وأداة مهمة تساعدهم على فهم أنفسهم، ونقاط قوتهم وضعفهم، وإدراك الفرص المتاحة أمامهم، والاستعداد لمواجهة مواقف الحياة وتحدياتها.

وقد أكدت نتائج العديد من الدراسات على أهمية برامج تنمية المهارات الحياتية لدى الأطفال في التعليم الأولي؛ لكنها لم تأخذ حظها من الاهتمام في العديد من الدول العربية في مرحلة روضات الأطفال – ومنها المغرب -، وكذلك ليست هناك استراتيجية واضحة للمهارات الحياتية في مرحلة ما قبل المدرسة؟ وهناك عوامل تؤثر في هذه المرحلة، منها: الإمكانات المتاحة – قدرة المربيات والمشرفين وتمكنهم، وخبراتهم، وتكوينهم في المفاهيم والأداءات المطلوبة منهم داخل الروض من خلال ممارسة الأنشطة التربوية عبر مواقف مثيرة ومشوقة للأطفال – قصص من أدب الطفل – لعب الأدوار، مسرحيات، أناشيد… فيدرك الأطفال من خلالها قيمة وأهمية المهارات، ودورها في الحياة.

وحتى نقف على مخرجات تنمية المهارات الحياتية في كل المراحل التعليمية، علينا قياس الأثر؛ فكيف ذلك؟

قياس المهارات الحياتية وتقييمها

من المهم تمكين الأطفال والشباب من تحقيق النجاح في التعليم، والتوظيف، والأهداف الشخصية عبر تعليم المهارات الحياتية وتعلمها؛ رغم ذلك فإن القليل من الأنظمة التعليمية هي التي أدمجت المهارات الحياتية في مناهجها التعليمية، لماذا؟ أحد أسباب ذلك نقص المعرفة حول كيفية قياس المهارات الحياتية وتقييمها.

ولتجاوز هذا النقص، وتذليل الصعوبات، قامت منظمة اليونيسيف والبنك الدولي بتطوير أداة قياس المهارات الحياتية، وتم إطلاق الأداة سنة 2018 من أجل إعداد الأطفال والشباب بشكل أفضل لإنتاج المعرفة، ومواجهة التحولات من مرحلة الطفولة حتى البلوغ، ومن مرحلة التعليم حتى العمل، ومن التنمية غير المدروسة إلى المواطنة المسؤولة والفعالة. وتم اختيار ثلاث دول للتجربة الميدانية (مصر – فلسطين – الأردن). والمهارات الحياتية المستهدفة بالقياس هي (الابتكار – حل المشكلات – التفاوض – اتخاذ القرارات – احترام التنوع – التعاطف – المشاركة). أما الأهداف من تطبيق أداة قياس المهارات الحياتية فهي: تحسين السياسات التعليمية، والتدخلات المحددة للأهداف، والتي تحتاج إلى فهم نتائج المهارات الحياتية لرؤية تجديدية للتعليم – دمج المهارات الحياتية في أنظمة التعليم من خلال محتوى التدريس، وعملية التعليم والتعلم – مراقبة اكتساب المهارات الحياتية، والتي تطلب التقييم المنتظم لنتائجها…

سؤال واستنتاج

لماذا تراجع المغرب عالميًا في مجال التعليم، وحل في الرتبة 110 من أصل 182 دولة في آخر تقرير صدر يوم 03 شتنبر 2025؟ لأن المناهج تقليدية، والتقويم تقليدي يعتمد على استرجاع المعارف فقط، والمهارات الحياتية مغيبة، وليست عندنا استراتيجية واضحة حولها؟ مثال: نجد المتعلم هو الأول في المواد المدرسة التلقينية؛ لكن إذا صادفه مشكل في الحياة اليومية لا يعرف الحل ولا يتخذ القرار. وقد شاركت في ورشة مع الشباب بالأردن فيها دراسة حالة حول المهارات الحياتية؛ فاكتشفت الفرق الشاسع بين المتعلمين عندنا وعندهم؟

إذن علينا إدراج المهارات الحياتية في المنظومة التعليمية، لأنها أساسية في تحقيق النجاح، والتعامل الفعال مع تحديات الحياة اليومية؛ فهي تساعدنا على التعامل مع الضغوط، وإدارة الوقت، وتساعد على التميز، وبناء الثقة بالنفس. تساعدنا على إعداد جيل من الأطفال والشباب، له القدرة على إنتاج أفكار جديدة ومبتكرة، والعثور على حلول فريدة غير تقليدية للتحديات، وحل المشاكل، والتفكير الخلاق خارج الصندوق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • MC
    الجمعة 12 شتنبر 2025 - 05:52

    “Education is what remains after one has forgotten what one has learned in school”

    “التعليم هو ما يتبقى بعد أن ينسى المرء ما تعلمه في المدرسة.”

    (Albert Einstein )

    أستاذتي،

    في مقالكم إضاءة مهمة على قضية محورية في حاضر ومستقبل التعليم، وهي العلاقة بين المهارات الحياتية والمنظومة التربوية. ففي عالم متغير ومعقد، لم يعد الهدف من التعليم هو مجرد حشو الأذهان بالمعلومات، بل أصبح إعداد الفرد ليكون قادراً على التفكير، والتعامل مع التحديات، وحل المشكلات بفاعلية.

    إن ما ذكرتموه من أمثلة واقعية، كالمقارنة بين المتعلمين في المغرب والأردن، يوضح الفجوة بين التعليم النظري وواقع الحياة. فالمتعلم الذي يتفوق في المواد الدراسية لكنه يعجز عن اتخاذ قرار بسيط أو حل مشكلة يومية هو نتاج لنظام تعليمي يغفل أهم المهارات التي يحتاجها الإنسان. مقالكم هو دعوة صريحة ومباشرة لإعادة النظر في أهدافنا التعليمية. فالنجاح الحقيقي ليس في الحصول على أعلى الدرجات، بل في القدرة على التكيف، والإبداع، والمساهمة الفاعلة في بناء المجتمع.

    “إن التعليم الذي لا يلامس الحياة اليومية يظل مجرد معلومات معلّقة في الهواء.”

    ALHOCEIMA

  • amaghrabi
    الجمعة 12 شتنبر 2025 - 14:46

    صراحة سيدتي أمينة المحترمة ,مقالك كاد أن يصبني الدوران وانا أقرأه لانني قرأته بامعان وافكر فيه خطوة خطوة لاكي اتجاوب مع محتواه لانه مقال يدعو الى التطبيق والى الاعتماد على العملي والابتعاد على النظري وبالتالي استنجت من خلال مقالك أننا ياليتنا نجعل جميع مدارسنا واعدادياتنا تعتد على الاوراش العملية ويا حبذا لو نجعل مدارسنا صباحا تعليما نظريا ومساء تعليما تطبيقيا يتعلم فيه اطفالنا كيف يطبقون وكيف يعملون في اليدان وهذه الطريقة من التعليم فتجعل مستقبل اولادنا مضمونا لان الجميع تعلم منذ نعومة اظفاره النظري والتطبيقي وبالتالي يجد ابناءنا بكل سهولة الاندماج في الحياة العملية التي هي الهدف الاساسي من تعليمنا

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 11

المنصوري تصل إلى موسكو

صوت وصورة
"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 11:36 5

"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟