المهدي المنجرة وكرة القدم

المهدي المنجرة وكرة القدم
السبت 18 يوليوز 2026 - 08:49

لا أحد يستطيع أن ينكر القيمة الفكرية للراحل المهدي المنجرة، ولا قدرته على قراءة التحولات الدولية قبل وقوعها. لكن احترام المفكر لا يعني تحويل أفكاره إلى نصوص مقدسة، بل يعني إعادة مناقشتها كلما تغير العالم.

من بين أكثر عباراته تداولًا قوله “أن تفوز على مصر أو الجزائر أو تونس لا يختلف كثيرًا… فنحن جميعًا متعادلون في التخلف”، وأن كرة القدم ليست مؤشرًا للتنمية، بل مجرد لعبة تلجأ إليها الشعوب المتخلفة لتنسى مشاكلها الحقيقية. ربما كان هذا التشخيص يحمل كثيرًا من الصحة في سياق تاريخي معين، حين كانت كرة القدم بالفعل وسيلة للهروب من الواقع، بينما كانت الدول تهمل التعليم والصحة والبحث العلمي.

لكن السؤال اليوم هو: هل ما زال العالم هو نفسه؟ الجواب، في تقديري، هو لا. كرة القدم في القرن الحادي والعشرين لم تعد مجرد تسعين دقيقة فوق المستطيل الأخضر. لقد تحولت إلى صناعة عالمية بمئات مليارات الدولارات، وإلى أداة دبلوماسية، وإلى وسيلة لجذب الاستثمارات، وتحسين صورة الدول، وتسريع مشاريع البنية التحتية، وخلق فرص الشغل، وتنشيط السياحة، وتطوير المدن. لقد أصبحت جزءًا مما يسمى اليوم القوة الناعمة، أي القدرة على التأثير في العالم عبر الثقافة والرياضة والصورة الدولية، وليس فقط عبر القوة العسكرية أو الاقتصادية. ولعل المغرب يقدم اليوم مثالًا واضحًا على هذا التحول. فما يجري ليس مجرد استثمار في منتخب وطني أو في تنظيم مباريات، بل رؤية تعتبر الرياضة جزءًا من مشروع تنموي متكامل.

فالملاعب الجديدة، وشبكات النقل، والطرق، والفنادق، والمطارات، ومراكز التكوين، كلها مشاريع ستظل قائمة بعد نهاية كأس العالم 2030، وستستفيد منها الأجيال المقبلة. إن الرهان الحقيقي ليس الفوز بكأس العالم، بل استغلال كأس العالم لتسريع التنمية. وهذا ليس اختراعًا مغربيًا. فالمكسيك، وإسبانيا، وكوريا الجنوبية، واليابان، وألمانيا، ودول أخرى عديدة، استفادت من التظاهرات الرياضية الكبرى لإعادة تأهيل بنيتها التحتية، وتحسين جاذبيتها الاقتصادية، وتعزيز مكانتها الدولية.

نجاح هذه التجارب لم يكن بسبب كرة القدم في حد ذاتها، بل بسبب حسن توظيفها داخل مشروع وطني. وهنا يكمن الفرق الجوهري. فالرياضة يمكن أن تكون أداة لتخدير الشعوب، كما يمكن أن تكون رافعة للتنمية. الأمر لا يتعلق بكرة القدم، بل بطريقة إدارتها. لو كانت الدولة تكتفي بالاحتفال بالانتصارات وتنسى التعليم والصحة والاقتصاد، لكان كلام المهدي المنجرة ما يزال صالحًا. أما حين تتحول كرة القدم إلى جزء من رؤية استراتيجية للاستثمار والبنية التحتية والقوة الناعمة، فإننا نكون أمام واقع مختلف تمامًا.

ربما لو كان المهدي المنجرة بيننا اليوم، وهو المعروف بقدرته على مراجعة الأفكار في ضوء التحولات، لأعاد النظر في هذه المقولة، ليس لأنها كانت خاطئة، بل لأن العالم الذي قيلت فيه لم يعد هو العالم الذي نعيش فيه اليوم. فالسؤال لم يعد: هل كرة القدم مجرد لعبة؟ بل أصبح: كيف يمكن تحويلها إلى رافعة للتنمية، وإلى أداة لتعزيز القوة الناعمة، وجذب الاستثمارات، وتسريع تحديث البنيات التحتية؟ هذا هو النقاش الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم في المغرب، خاصة ونحن نستعد لتنظيم كأس العالم 2030. فنجاح التجربة لن يقاس بعدد الملاعب التي ستُشيد، ولا بالنتائج التي سيحققها المنتخب الوطني، وإنما بقدرة هذه اللحظة التاريخية على ترك أثر اقتصادي واجتماعي وثقافي دائم. هنا بالضبط يصبح الحوار مع المهدي المنجرة ضروريًا. ليس لنقض أفكاره، وإنما لتطويرها في ضوء عالم تغيرت قواعده.

فإذا كانت كرة القدم في الماضي قد تُستعمل لتخدير الشعوب، فإن التحدي اليوم هو ألا تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قوة، ومجتمع أكثر ثقة، ودولة أكثر حضورًا في العالم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • رضوان
    السبت 18 يوليوز 2026 - 19:15

    أنا مع الكاتب في كل ما قاله.. كم تمنيت منذ سنين ان يحظى المغرب بتنظيم كأس العالم لأن دفتر التحملات ثقيل جدآ.. ما يدفع البلد المنظم لتحسين كل البنيات التحتية الرياضية طبعا والصحية والطرقية من مواصلات كالقطارات والمطارات والنقل الحضري…. أنا شخصياً وكمواطن عادي عمري ستين سنة استفدت كثيراً والحمدلله من القطار السريع ومن الطرق السيارة والمطارات… ومازال التطور آت ان شاءالله.. المغرب مقارنة مع دول بترولية تفوق بعدة سنوات ومع ذلك أقول باقي العمل لم يكتمل بعد… سافرت كثيرا في البلدان العربية والأوربية بالخصوص ليس هناك فرق كبير بين المغرب أوروبا او على الاقل ليس كما كان منذ عشرة أعوام… فمزيدا من العمل ليستفيد المواطن المغربي من هذه المنشأت ومزيدا من تحسين صورة المغرب واللهم احفظ المغرب والمغاربة وقنا شر الحاسدين آمين..عاش المغرب..

  • الملح الفاسد لا يداوَى!
    الإثنين 20 يوليوز 2026 - 20:03

    (( فإذا كانت كرة القدم في الماضي قد تُستعمل لتخدير الشعوب، فإن التحدي اليوم هو ألا تتحول إلى غاية في حد ذاتها، بل إلى وسيلة لبناء اقتصاد أكثر قوة، ومجتمع أكثر ثقة، ودولة أكثر حضورًا في العالم.))
    بل هي في نظري تلعب دور المنقذ الوقتي، فحين يكون المجتمع قلقا بسبب سوء تدبير حكومته وهي لا تجد حلولا.. بسبب انعدام تجربتها، تظهر كرة القدم كمنقذ للحكومة، لانها تغطي عن فشل الحكومة، وعلى الاقل للفترة التي تجري فيها تلك المباريات المفرِحة، لكن ما ان يسدل الستار عن صفارة النهاية النهائية تجد الحكومة ترتبك مجددا والمواطن يفكر مجددا في ضعف التعليم وسوء التطبيب وانعدام التشغيل كما كان عليه الامر قبل أيام الفراجة! فهل كرة القدم رغم دورها التنموي والاقتصادي، تدوم وتستمر وتعوض التنمية الاجتماعية التي كانت مفقودة أصلا!؟

  • القوة الناعمه
    الإثنين 3 غشت 2026 - 01:07

    لكل زمان و أهله..و أهله كما ترى..قول مأثور..السيد المهدي المنجرة رجل غني عن التعريف..شخص متثقف مختص في علم المستقبليات..عالم..لكن في عصرنا الحالي اضحت كرة القدم أكثر من مجرد لعبة بين منتخبين على رقعة مستطيل أخضر بل قوة ناعمة صاعدة..كما جاء في تقرير هيسبريس مشكورة على ذلك في توضيح الأمور..و تاريخيا كل الدول التي كانت تحتضن نهائيات كأس العالم كانت من قارتي أوربا و أمريكا اللاتينية بعدها أمريكا و آسيا فيما بعد كانت تلمع صورة هذا البلد المنظم فيما بعد سياسيا و اقتصاديا واجتماعيا ناخذ مثل إسبانيا التي نظمت كأس العالم 1982 كانت قبل ذلك بسنوات دولة هشة بالنسبة لكبار أوربا انذاك و إلى يومنا هذا..إذن الذين يبخسون تنظيم تظاهرات عالمية كبرى هم خارج منظومة العالم الجديد و العولمة الجديدة..

  • التخلف الفكري قطع اشواطا بعيدة في القرن الواحد والعشرين
    الإثنين 3 غشت 2026 - 01:29

    امر محزن؛ ما يغفله الكاتب المحترم هو ان التخلف الفكري قطع اشواطا بعيدة في القرن الواحد والعشرين وهذا المقال الذي يجمع بين هلامية الحجة وسطحية التحليل دليل على العمى الفكري و غياب البصيرة واصطفاف من يسمون انفسهم ب”المفكرين” في طوابير المداحين المطبلين . وهلم طرا.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 2

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''