النسوية المنحرفة

النسوية المنحرفة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 07:53

النسوية المنحرفة: محاولة في التعريف والنقد السوسيولوجي

أثرتُ في مقال سابق، نُشر في هسبريس تحت عنوان «نداء إلى ثورة فكرية: ضد انحرافات الخطاب النسوي»، قضية تستحق مزيداً من التوضيح والتدقيق، تتعلق بما أسميته «النسوية المنحرفة». ولأن المفاهيم لا تستمد قيمتها العلمية من قوتها التعبيرية أو وقعها السجالي، وإنما من دقة تعريفها وقدرتها على تفسير الوقائع، فإن الأمر يقتضي تحديد المقصود بهذا الوصف، والتمييز بين الدفاع المشروع عن حقوق النساء وبين تحويل ذلك الدفاع إلى تصور إيديولوجي مغلق للعلاقات بين الرجل والمرأة. فالنقد السوسيولوجي لا يستقيم بإدانة الأفكار لمجرد الاختلاف معها، وإنما بمساءلة افتراضاتها وحدودها التفسيرية وآثارها الاجتماعية.

لقد أسهمت الحركات النسوية، على اختلاف مرجعياتها وتياراتها، في مساءلة أشكال فعلية من التمييز والإقصاء، وفي توسيع النقاش حول حقوق النساء وحرياتهن ومشاركتهن في الحياة العامة. غير أن الاعتراف بهذه الإسهامات لا يمنع من نقد بعض الخطابات التي قد تنشأ داخل النسوية أو تنتسب إليها. وفي هذا السياق، أقترح استعمال مفهوم ”النسوية المنحرفة” للدلالة على نمط من الخطاب الذي يحوّل الاختلاف الجنسي إلى أساس لأحكام مسبقة على الأفراد، فينسب إليهم صفات أو مسؤوليات أو حقوقاً بحسب انتمائهم إلى جنس معين، بدل النظر إلى أفعالهم وأوضاعهم الاجتماعية. ويتجلى هذا الانحراف عندما تتحول المطالبة المشروعة بالعدالة إلى تبرير لإقصاء أحد الجنسين أو الانتقاص من حقوق أفراده، أو عندما تُفرض تفسيرات جاهزة على العلاقات الأسرية دون فحص الوقائع التي تؤيدها أو تنفيها. والانحراف هنا ليس حكماً أخلاقياً على الأشخاص، بل توصيف نقدي لخلل في بناء المعرفة وتصور الحقوق. وهو، بهذا المعنى، إلى حدود اليوم، مفهوم مقترح للنقاش، لا اسم لمدرسة نسوية محددة أو تصنيف علمي مستقر.

ويمكن تناول هذا الانحراف من خلال ثلاثة مستويات تحليلية، دون افتراض تلازمها في جميع الحالات. فعلى المستوى المعرفي، يظهر عندما تتحول الهيمنة الذكورية من مفهوم يساعد على فهم علاقات القوة إلى مسلّمة تفسر مسبقاً كل علاقة أو نزاع بين الرجل والمرأة. وعلى المستوى الحقوقي، يتجلى عندما يصبح الجنس معياراً لإسناد صفة الضحية أو المسؤولية، بدل الاحتكام إلى الأفعال والوقائع والضرر الفعلي. أما على المستوى السياسي، فيبرز حين تتحول قضايا النساء والأسرة إلى أدوات للاستقطاب الإيديولوجي، أو حين يُسعى إلى ترجمة أحكام مسبقة على أحد الجنسين إلى قواعد تشريعية أو اختيارات في السياسة العمومية. وليس مجرد نقد الهيمنة الذكورية أو المطالبة بتعديل التشريعات الأسرية دليلاً على هذا الانحراف؛ فالمعيار الحاسم هو طبيعة الأحكام التي يقوم عليها الخطاب، ومدى احترامها لحقوق الأفراد، وقابليتها للمراجعة في ضوء الوقائع.

وقد شهد تاريخ بعض الكتابات النسوية مواقف تكشف إمكان الانزلاق من خطاب التحرر إلى التصور الإقصائي. ففي بيان SCUM Manifesto، الذي كتبته فاليري سولاناس (Valerie Solanas) سنة 1967، قُدّم الرجل باعتباره كائناً ناقصاً بطبيعته، وتضمن النص دعوات صريحة إلى التخلص من الجنس الذكري. وفي سياق مختلف، اقترحت سالي ميلر غيرهارت (Sally Miller Gearhart)، في نص منشور سنة 1982 بعنوان ”المستقبل، إن كان ثمة مستقبل، فهو للنساء ” تصوراً لمستقبل تنخفض فيه نسبة الرجال إلى نحو عشرة في المائة من السكان، من خلال التحكم في أنماط الإنجاب. ولا يجوز مساواة الموقفين من حيث المضمون والوسائل، كما لا يصح تقديمهما باعتبارهما تعبيراً عن النسوية في مجموعها. غير أنهما يبرزان كيف يمكن أن يتحول الجنس، في بعض التصورات المتطرفة، من خاصية إنسانية إلى معيار لتحديد قيمة الفرد وموقعه في المجتمع. ولا تثبت هذه الأمثلة، بطبيعة الحال، أن مثل هذه التصورات تحكم الخطاب النسوي المغربي أو توجه سياساته.

أما في المغرب، فقد أثار النقاش حول العنف داخل العلاقات الأسرية مواقف تستحق المساءلة السوسيولوجية والحقوقية. ففي تصريح نشرته هسبريس بتاريخ 10 دجنبر 2023، اعتبرت بشرى عبدو، مديرة جمعية التحدي للمساواة والمواطنة، أن الدفاع عن الرجال المعنفين من طرف النساء أمر «غير مقبول وغير منطقي»، مع تأكيدها الطابع الاستثنائي للعنف ضد الرجال. وفي التصريح نفسه، أقرت بمعقولية وجود جمعية للدفاع عن حقوق الآباء، ودعت إلى قوانين عادلة تقوم على تقاسم السلطة بين الطرفين. ولذلك لا يجوز اقتطاع موقفها من سياقه أو اعتباره دليلاً على رفضها المطلق لحقوق الرجال. ومع ذلك، فإنه يثير سؤالاً مشروعاً: هل يمكن أن يؤدي التركيز على العنف الذي تتعرض له النساء، وهو عنف تؤكد الدراسات انتشاره وخطورته، إلى التقليل من أهمية حماية الرجال الذين يتعرضون بدورهم للعنف؟ إن اختلاف حجم الظاهرة لا يلغي المبدأ الحقوقي القاضي بحماية كل ضحية، رجلا كان أو امرأة، كما أن الاعتراف بالعنف ضد الرجال لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتقليل من العنف ضد النساء.

وتسمح هذه الأمثلة، على اختلاف سياقاتها، بتوضيح إشكال أعمق يتعلق بالعلاقة بين الفرد والجماعة. فالخطاب الذي يختزل الرجل في جنسه قد يعيد إنتاج المنطق التصنيفي نفسه الذي انتقدته الحركات النسوية عندما كانت المرأة تُختزل في جنسها وأدوارها المفترضة. وهنا يتراجع الفرد بوصفه ذاتاً مستقلة تتمتع بالحقوق وتتحمل المسؤوليات، ليصبح مجرد ممثل لجماعة يُفترض أنها مهيمنة أو مضطهدة. غير أن وجود علاقات بنيوية غير متكافئة بين النساء والرجال لا يعني بالضرورة تطابق مواقع جميع الأفراد داخلها؛ فقد تختلف أوضاعهم تبعاً للموارد الاقتصادية والمواقع الاجتماعية والظروف الأسرية والقدرة على اتخاذ القرار. ومن ثم، فإن فهم التفاوتات يقتضي الجمع بين تحليل البنيات الاجتماعية ودراسة التجارب الفردية، دون إلغاء أحد المستويين لصالح الآخر. فالفرد ليس مجرد انعكاس آلي لانتمائه الجنسي، مثلما أنه ليس منفصلاً عن الشروط الاجتماعية التي تؤثر في اختياراته.

وتتضح أهمية هذا التمييز بصورة أكبر داخل الأسرة. فهي، من منظور سوسيولوجي، ليست مجرد بنية للهيمنة، كما أنها ليست فضاءً مثالياً يخلو من علاقات القوة. إنها مؤسسة اجتماعية تتداخل فيها العاطفة والمصلحة والتضامن والنفوذ والتفاوض، وتنشأ داخلها نزاعات يومية ترتبط بتوزيع المسؤوليات وتدبير الموارد وتربية الأبناء واختلاف الانتظارات والحاجات الوجدانية. ولهذا ينبغي التمييز بين النزاع الأسري، باعتباره تفاعلاً قد ينشأ عن اختلاف المصالح أو صعوبات التواصل والتكيف مع تغير الأدوار، وبين علاقات الهيمنة التي قد تجعل أحد الأطراف أكثر قدرة على فرض إرادته، وبين الصراع الإيديولوجي الذي يسعى إلى تفسير تلك العلاقات وتوجيهها وفق تصور فكري أو سياسي معين. وهذه المستويات قد تتداخل، لكنها ليست متطابقة؛ فليس كل نزاع زوجي دليلاً على هيمنة ذكورية، كما أن وجود المودة والتضامن لا ينفي احتمال وقوع العنف أو التمييز. والخطأ المنهجي يبدأ عندما تتحول واقعة فردية إلى حكم جماعي، أو عندما يُستبدل البحث في الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والوجدانية بتفسير إيديولوجي جاهز.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً في المجتمع المغربي، حيث تعرف العلاقات الأسرية تحولات عميقة بفعل تمدرس النساء، وتوسع مشاركتهن الاقتصادية، والتحضر والهجرة، وتغير أنماط الزواج والإنجاب، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وتنامي تطلعات الأفراد إلى الاستقلال والاختيار. وتعيد هذه التحولات تشكيل الانتظارات المتبادلة بين النساء والرجال، وقد تنتج عنها نزاعات مرتبطة بإعادة توزيع الأدوار والمسؤوليات. كما أن تنوع المجالات والأوساط الاجتماعية والأجيال يقتضي دراسة الفروق المحتملة في أنماط العلاقات الأسرية، بدل افتراض وجود نموذج مغربي واحد. ومن هنا، فإن تفسير النزاعات الأسرية لا يستقيم بالاعتماد على ثنائية ثابتة بين رجل مهيمن وامرأة ضحية، مثلما لا يستقيم بإنكار التفاوتات الفعلية التي قد تكشفها البحوث الميدانية. إن الأسرة المغربية واقع اجتماعي متحول، وليست مجرد صورة ثابتة في خطاب محافظ أو نسوي.

ولا ينفصل هذا الإشكال عن طبيعة النقاش العمومي بالمغرب، حيث تتحول بعض القضايا الاجتماعية إلى موضوع للاستقطاب بين مرجعيات متعارضة، فتتراجع الأسئلة المعرفية أمام منطق الاصطفاف. ويزداد الأمر تعقيداً عندما تقترن هذه الاستقطابات بنزعة مركزية تميل إلى تصور المجتمع باعتباره وحدة متجانسة يمكن تدبيرها بنموذج تشريعي أو اجتماعي واحد. والحال أن وضع السياسات العمومية للأسرة يقتضي معرفة دقيقة بتنوع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وبالتحولات التي تعرفها العلاقات بين الأفراد داخل مختلف الأوساط. فالتشريع يضع قواعد عامة، لكن جودة تلك القواعد ترتبط بقدرتها على استيعاب تنوع الوقائع التي يُراد تنظيمها، دون التفريط في الحقوق الأساسية أو تكريس التمييز باسم الخصوصيات الاجتماعية.

ومن الضروري، في المقابل، ألا يتحول نقد النسوية المنحرفة إلى تبرير للخطابات الذكورية أو المحافظة التي تجعل تفوق الرجل قاعدة ثابتة، أو تختزل المرأة في أدوار محددة سلفاً. فهذه الخطابات تقع في الخطأ المعرفي والحقوقي نفسه، وإن اختلف اتجاهه، لأنها تنطلق من الجنس لتحديد موقع الفرد وحقوقه ومسؤولياته. ولا يمكن الدفاع عن العدالة الأسرية بمنطق يستبدل انحيازاً بانحياز مضاد، أو يعالج تمييزاً بإنتاج تمييز جديد. فالمعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه هو كرامة الإنسان وحقوقه وأفعاله ومسؤولياته، مع الاعتراف بالتفاوتات الاجتماعية التي تستدعي تدابير تصحيحية مبررة ومتناسبة. والعدالة، بهذا المعنى، لا تعني تجاهل الاختلافات الواقعية، ولا تحويلها إلى مبرر لامتيازات دائمة، وإنما ضمان الحقوق وتكافؤ الفرص والإنصاف في تحمل المسؤوليات.

إن النقاش حول مراجعة مدونة الأسرة والسياسات العمومية الموجهة إليها ينبغي أن ينطلق من هذا التمييز بين المرجعيات الإيديولوجية والمعرفة السوسيولوجية. فالمطلوب ليس تشريعاً ينتصر للرجال على النساء أو للنساء على الرجال، وإنما قواعد عادلة تحمي الأفراد من العنف والتمييز، وتضمن حقوق الأطفال، وتعزز المسؤولية المشتركة، وتطور آليات الوقاية والوساطة والمواكبة الاجتماعية والنفسية، دون أن تحل هذه الآليات محل الحماية القانونية الواجبة في حالات العنف. كما ينبغي ألا تتحول المطالب التشريعية إلى امتداد لأحكام مسبقة حول طبيعة الرجل أو المرأة، بل أن تخضع للنقاش والتقييم في ضوء آثارها المتوقعة على الأفراد والأسرة والمجتمع. فالسياسات العمومية ليست مجالاً لترجمة القناعات الإيديولوجية إلى التزامات جماعية دون تمحيص، وإنما مجال للتوفيق بين الحقوق والحاجات والمصالح المشروعة على أساس المسؤولية والمساءلة.

إن النسوية لا تنحرف لأنها تدافع عن حقوق النساء، أو تنتقد الهيمنة الذكورية، أو تطالب بإصلاح التشريعات؛ وإنما تنحرف، في بعض خطاباتها، عندما تجعل من الجنس أساساً لإدانة الإنسان أو إقصائه، ومن النزاع الأسري دليلاً تلقائياً على صراع دائم بين الرجل والمرأة، ومن العدالة ذريعة لتبرير أحكام مسبقة على الأفراد. وبهذا المعنى، فإن الرهان ليس أن تنتصر النسوية على الذكورية، أو أن تنتصر المحافظة على الحداثة، بل أن تنتصر المعرفة على الإيديولوجيا، والمسؤولية الفردية على التصنيف أو التمييز الجماعي. فالأسرة لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم، وإنما إلى أفراد أحرار ومسؤولين، وإلى سياسة عمومية تحمي حقوقهم وتستوعب اختلاف أوضاعهم وتحولات مجتمعهم.

-أستاذ السوسيولوجيا بجامعة القاضي عياض بمراكش

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول