مرآة الضفتين

مرآة الضفتين
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 09:27

ماذا قال المغرب لإسبانيا في 9 أكتوبر ؟

ليس البحر المتوسط مجرد فاصل مائي بين المغرب وإسبانيا، بل هو “مرآة الضفتين” التي يرى فيها الجاران ذواتهما. فإسبانيا ترى في المغرب مرآتها الجنوبية، بوابة العمق الإفريقي، والمغرب يرى في إسبانيا مرآته الشمالية، جسرا نحو العمق الأوروبي. معادلة جيوسياسية كرستها الجغرافية وأكدها التاريخ.

وحقيقة هذه المرأة هي ما عكسته الصحافة الاسبانية منذ 9 أكتوبر 2026، التي لا تتحدث عن أي شيء آخر غير خطاب جلالة الملك أمام البرلمان. ليس لأنه خطاب ذو لهجة حادة، بل لأنه أول خطاب يؤسس بوضوح لمنطق جديد في الشراكة: الاحترام المتبادل والالتزام المتبادل.

فالعقل الاستراتيجي في مدريد اختزل لعقود الجار الجنوبي في معادلة أمنية صرفه: المغرب يساوي ملف الهجرة، زائد ملف الإرهاب، زائد ملف سبتة ومليلية. معادلة تختزل الجار الجنوبي في مصدر للقلق، لا في شريك للمستقبل.

جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس ليضع حدا نهائيا لهذه المعادلة، ويستبدلها بثلاث حقائق لا تقبل التأويل:

الحقيقة الأولى: “النموذج الحالي أصبح متجاوزا”

قال الملك أمام البرلمان: “المقاربة المتوازنة التي اعتمدها المغرب في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة، لكن، يجب أن نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون، في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك”.

الصحيفة الأقرب للحكومة الإسبانية الباييس El País، فهمت الرسالة فورا، واعتبرت أن الملك دشن مرحلة “عقلنة العلاقات الثنائية” ونهاية حقبة التفاهمات التلقائية.

ما معنى “متجاوز”؟ معناه أن دور “الدركي” قد انتهى. فالمغرب الذي أنقذ آلاف الأرواح ومنع عشرات العمليات الإرهابية، لم يعد يقبل أن يُكافأ بمنطق الشك في وحدته الترابية. فمن يحفظ أمن الضفتين لا يمكن أن يُعامل كخطر على إحداهما.

الحقيقة الثانية: عندما سمى الخطاب الملكي العلة باسمها

الخطاب الملكي لم يكتف بالتشخيص العام، بل سمى العلة بالاسم: “هذا التعاون يواجه اليوم تحديات كبيرة، مرتبطة ببعض المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع، التي تحول، مع الأسف، دون ترحيل الأطفال القاصرين، والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية”.

وهذا هو جوهر الحقيقة.

موقع El Español الرقمي توقف طويلا عند هذه النقطة، معتبرا أن الملك ينتقد مباشرة العقبات القانونية الإسبانية والأوروبية التي تعرقل حسم ملف القاصرين غير المرافقين.

مدريد تطلب من الرباط استعادة 2000 قاصر، لكن قاضيا في مدريد يرفض ترحيل قاصر واحد باسم “المصلحة الفضلى للطفل”. فالازدواجية هنا قانونية وأخلاقية؛ فالمغرب مستعد لتحمل مسؤوليته، لكن ليس كحل ترقيعي لفشل منظومة استقبال إسبانية ترفض هي نفسها احترام اتفاقياتها. كما أن إسبانيا تطالب المغرب بمحاربة شبكات التهريب، لكن شبكات اللجوء الوهمي تعمل علنا في أراضيها. هذه هي الحقيقة التي قرر المغرب قولها.

الحقيقة الثالثة: ” الشراكة هي اختيار سيادي “

هنا كان القطع النهائي. قال الملك: “أمام التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية، نقول بأن الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز.” وعليه، فالشراكة المستقبلية بين البلدين يجب أن تقوم على الندية لا على المساومة.

إذاعة كادينا سير (Cadena SER) ، الأكثر استماعا في إسبانيا، وضعت هذه الجملة كعنوان رئيسي، واعتبرت أن الخطاب الملكي كان حاسما: لا مكان للضغوط السياسية في شراكة الأنداد.

والرسالة الملكية كانت بثلاثة عناوين واضحة: إلى مدريد لتأكيد أن زمن الغموض والازدواجية قد انتهى، وأن المغرب شريك استراتيجي كامل وليس مجرد حارس لحدودها الجنوبية؛ وإلى بروكسل لتأكيد أن أمن واستقرار المتوسط يمر حتما عبر الرباط وليس عبر الالتفاف عليها. وإلى العالم، بأن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس. إنه بلد تحول إلى قوة صاعدة، واثقة من نفسها، لا تقبل الإملاءات ولا تقايض سيادتها.

الوجه الأخر للخطاب: وثيقة المستقبل

المغرب لم يترك إسبانيا أمام مرآة مكسورة. بل قدم لها المخرج. فحين أعلن جلالة الملك أن “المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية واضحة وعملية تؤسس لتوجه جديد، يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي”، كان يرسم الوجه الآخر للخطاب. هذا الوجه ليس وجه القطيعة كما حاولت بعض المنابر الإعلامية الاسبانية تصويره منذ 9 أكتوبر، بل هو وجه البناء والمستقبل.

فالوثيقة الموعودة ليست مجرد مذكرة دبلوماسية، بل هي عقد جديد ينهي زمن الضبابية. عقد ينتقل بالعلاقة من منطق المساعدات والتدبير الأمني الظرفي لملفات الهجرة والإرهاب، إلى منطق التوجه الجديد الذي تحدث عنه جلالته: “تنمية مشتركة وتنافسية اقتصادية حقيقية”. بمعنى أن المغرب لم يعد يقبل أن يكون مجرد حارس للحدود الجنوبية لأوروبا، بل شريك اقتصادي كامل يقتسم مع إسبانيا والاتحاد الأوربي سلاسل القيمة والاستثمار والطاقم البشري، ويضمن معهما استقرارا إقليميا لا يمكن أن يبنى إلا على وضوح الموقف من وحدته الترابية بمعناها الشامل، وجوهرها اليوم قضية الصحراء المغربية.

خلاصة: اختاري يا إسبانيا

إسبانيا اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في مقاربة قانونية وقضائية تعرقل الحلول، أو الانتقال إلى مقاربة استراتيجية واقتصادية تخلق الحلول.

خطاب 9 أكتوبر لم يهاجم إسبانيا ولم يكن خطاب قطيعة مع إسبانيا، بل كان خطاب وضوح. ودعوة صريحة لإعادة تعريف الشراكة على أساس الندية والمسؤولية المشتركة.

باختصار، لم يعد الأمر تدبير حاضر مضطرب، بل استثمار في مستقبل مشترك.

-أستاذ التعليم العالي- الرباط

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تصوير الخيول في معرض الفرس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 23:24

تصوير الخيول في معرض الفرس

صوت وصورة
هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:31 1

هلال: مجلس الأمن قبَر الاستفتاء

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 19:00 1

أبعاد استراتيجية | استراتيجية جديدة للهجرة

صوت وصورة
التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 18:22 8

التويزي رئيسا جديدا لمجلس النواب

صوت وصورة
النواب يشرعون في انتخاب الرئيس
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 15:51 1

النواب يشرعون في انتخاب الرئيس

صوت وصورة
الرقمنة في خدمة مربي الخيول
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 - 13:42

الرقمنة في خدمة مربي الخيول