انقلب أنت وكن إنسانا

انقلب أنت وكن إنسانا
الإثنين 25 يوليوز 2016 - 13:13

إذا كنت تؤيد الانقلاب العسكري في أي مكان بالعالم فعليك مراجعة إنسانيتك ثم درجة فهمك للحياة، فأكيد هناك خلل، لأنك لا تود أن تكون مؤيدا لقاتل متسلسل.. فالعسكر إذا حكموا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، وكل التجارب الانقلابية في العالم تؤكد هذه الحقيقة البسيطة التي أستغرب كيف لبعض العقول أن لا تستوعبها..

العسكر مدربون على إلغاء الآخر، وهذا ينسجم مع دورهم التقليدي في حماية البلاد من الأخطار الخارجية تحديدا، لكن ذلك لا يتحقق أبدا إلا تحت سلطة مدنية..

أما تصدرهم للمشهد السياسي حتى لو ارتدى زعيمهم بدلة مدنية فهي الكارثة بكل المقاييس، لأن “رؤية” الحكم هي قائمة على الإقصاء والإلغاء وإصدار الأوامر وتنفيذها، والرفض مصيره “الإلغاء”..

وتحت حذاء العسكر، السياسة تتوقف، وكذلك الاقتصاد ومجالات التنمية، ثم تصير الحياة اليومية للمواطن قطعة من الذل والعذاب والفقر..

وبالمناسبة، وقوفك ضد الانقلاب لا علاقة له باتجاهك السياسي، ومرجعيتك الفكرية، بل له علاقة بآدميتك وقدرتك على تجاوز عبوديتك للأيديولوجيا والتوجه السياسي، والانطلاق نحو كرامة المبدأ وتنسم هواء الحرية الإنسانية العليل.

أمريكا اللاتينية ودولها العظيمة التي لها تاريخ طويل في الأدب والفكر والعلوم الإنسانية توقف مسار بعضها واضطرب مسار بعضها الآخر لأكثر من أربعين عاما عاما، وبالضبط من الستينيات وحتى بداية الألفية الثالثة بسبب انقلابات عسكرية شكلت الحليف التقليدي للعم سام..

في 1964 مثلا، كان يحكم البرازيل رئيس منتخب اسمه جواو غولار (كان عضوا بحزب العمال البرازيلي)، لكن العسكر وفي عز الحرب الباردة وحرب المواقع بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، سارع لإسقاط حكم غولار بالسلاح عوض الصندوق، وتم تنصيب صنم عسكري حليف لواشنطن، ثم ضاعت البرازيل وتوقف مسارها لعقود.. وإيراد تفاصيل القتل والتعذيب و”الإلغاء” في حق المعارضين مسألة مقززة..

والانقلاب تكرر بشكل أكثر نعومة مع ديلما روسيف، المناضلة ضد الانقلاب العسكري الذي ضرب بلادها سنوات قبل أن يحول سلفها لولا دا سيلفا البرازيل إلى مصاف الدول الناجحة اقتصاديا، وينقل المشعل إلى روسيلف، دا سيلفا نقل البرازيل إلى ساحة القوى الاقتصادية الكبرى، وأكملت المشوار روسيلف، لكن “القوى الكبرى” التي تحيط بالمنطقة لا تريد لهذه التجربة أن تستمر، ولأن الانقلاب العسكري لا يمكن أن يحدث شرعية في المنطقة في هذا التوقيت، فالألعاب السياسية تفيد في تحقيق الهدف نفسه..

أما تشيلي فكان يحكمها يساري يدعى سلفادور أليندي جاء عن طريق الانتخابات، لكن العسكر لم يمهلوه طويلا، فاستولوا على السلطة في شخص أوغستو بينوشيه الذي قتل وذبح وعذب آلاف اليساريين والمعارضين، وأوقف مسار تطور البلاد وجعل خيراتها وأراضيها نهبا وموطئا لـ “الآخر”، ثم لم انتهت وظيفته ألقى به الغرب إلى سلة المهملات..

أليندي ضرب مصالح أمريكا في الصميم بسياساته الاشتراكية، ولم يكن هناك مجال لمواجهته بشكل مباشر لأنه منتخب ديمقراطيا، فجاء بينوشيه وأدى المهمة حتى حين.

الأرجنتين كانت أسوأ حالا، إذ عاشت تجربة الانقلابات العسكرية ست مرات أعوام 1930 و1943 و1955 و1962 و1976، وعاشت البلاد ـ وخاصة في الانقلابين الأخيرين ـ مآس عديدة تمثلت في الاختطافات والاعتقالات والتعذيب… إلخ من التداعيات التقليدية لأي انقلاب عسكري لا سيادة فيه سوى للغة البندقية والدم.

فنزويلا هي الأخرى لم تكن أحسن حالا، ويمكن الاقتصار على انقلاب 2002 الذي أطاح برئيس منتخب اسمه هوغو تشافيز (أيا كان الموقف بشأنه) كان مناهضا لسياسات أمريكا والغرب، وتنصيب آخر موال للأسياد هو رجال الأعمال كارمونا، لكن لسوء حظ العسكر، خرجت الجماهير إلى الساحات وأعادت تشافيز إلى الحكم 48 ساعة بعد الإطاحة به.

وبالمناسبة العسكر دائما يشرعنون الانقلاب بمحاربة الفساد أو حماية البلاد وثرواتها أو تخليص المواطنين من خطر الديكتاتورية.. إلخ، فدائما سياسة الذئب وفروة الخروف هي التي يفضلها العسكر لأنها دائما تنجح مع البعض، وإن كانوا على الواقع ليسوا بحاجة لأي مبرر، لأن قوة السلاح معهم.

مصر في عهد الملكية كانت البلاد تنعم باستقرار وحياة سياسية وبرلمانية واقتصادية واقعية بالنظر إلى ظروف المنطقة، برغم وجود كوارث واضحة في توزيع الثروات وبلقنة المشهد السياسي.. في ظل هذه الصورة جاء انقلاب 1952، فضيع البلاد، وضيع غزة والضفة والقدس والجولان وفصل السودان، وجعل اقتصاد مصر في الحضيض، ووضع حرية الناس في الأصفاد ولفها في حكايات زوار الفجر، وفي هذا المشهد المظلم لا يمكن أن ترى بعض نقاط الضوء التي صنعها الظلم والتي يختلف الناس في تقدير قيمتها وحجمها وجدواها في سياق مسار التطور الطبيعي للنسق السياسي الداخلي والإقليمي.

وما عاشته مصر في عهود ناصر والسادات ثم مبارك مأساة على شتى المستويات، من الصعب تلخيصها في سطور قليلة.. المأساة أكبر من أن تحصر في كلام !

ثم جاء انقلاب السيسي في 2013 ليكمل المشهد بدموية فجة، وقُتل المصريون بالآلاف في مجازر الحرس الجمهوري ورابعة والنهضة، وجرفت أجساد الجرحى وحرقت في مأساة إنسانية لم توضع تحت المجهر بعد بسبب غمامة مركبة من الأدلجة والاستغلال السياسي والنزعة النفسية المشوهة البعيدة عن احترام إنسانية الإنسان..

التفاصيل كثيرة ولا يمكن جمعها في مقال واحد، لذلك ابحثوا واقرؤوا تجارب أمريكا اللاتينية تحديدا مع تجربة الانقلابات العسكرية بتفاصيلها الداخلية والخارجية لتفهموا أن الانقلاب العسكري حقيقة إذا حكم بلدة أفسدها وجعل أعزة أهلها أذلة.. وكذلك يفعلون دائما وأبدا !

*صحفي

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • ابن طنجة
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 18:24

    انقلب انت يا ابليس وكن انت ادميا فاول انقلاب وقع كان في الجنة قبيل هبوط ابليس بساعات قليلة الى الارض مطرودا من رحمة الله حس ابليس الخبيث بالمرارة والانتقام ممن كان السبب في اخراجه من نعيم واستقرار اي ادم عليه السلام فخطط ابليس ودبر باحكام خطة الانقلاب على الشرعية والخلافة التي جعلها الله في ادم دون غيره فنجح ابليس اللعين في الانقلاب فكان مصيرهما الهبوط الى الارض ويدوم الصراع بين الخير والشر الى ان يقع انقلاب اخر دموي اجرامي وقع فيه قتل قابيل اخاه هابيل بالغوكة الشرقية بدمشق بجبل كما ذكر الرحالة ابن بطوطة الطنجاوي الذي زار دمشق عام 1324م خلاصة القول ان الانقلابات دافعها الحسد والطمع والتعبية للاخر

  • عبد الله
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 18:40

    لهذا يحرم الإسلام الخروج عن طاعة ولاة الأمور .
    سلطان ظلوم خير من فتنة تدوم كما يقول السلف.
    و الذي أسقط تمثال صدام نادم عن فعلته….

  • أمزوغ
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 19:12

    الانقلابيون يستحيل ان يكونوا انسانيين , لانهم حينما يلجاون الى الانقلاب انما يفعلون ذلك من اجل فرض ارادتهم وبسط نفوذهم وتسلطهم وقمع واقصاء واعدام وسجن من يخالفهم( انظر ما يحدث في مصر بعد انقلاب السيسي )
    والصحيح ان يقال
    كن انسانا ولاتنقلب
    كن ديموقراطيا ولا تنقلب
    كن علمانيا ولا تنقلب

  • عن اي نخبة نتحدث؟
    الإثنين 25 يوليوز 2016 - 21:26

    الانقلابات اظهرت و بوضوح التشوه الفكري الدي تعاني منه الكثير من النخب العربية ان جاز تسميتها ينهي حيث نحت انسانيتها جانبا و المبادىء البراقة التي كانت تتغنى بها زورا و بهتانا و تتاجر بها لتنحاز للدبابة و الرشاش و ترقص على دماء الابرياء متخيلة ان الذي لم تستطع ان تناله بالصندوق ستناله اذا ركبت الدبابة في تصرف ينم عن ضحالة فكرها لانها لم تستوعب الدروس من تجارب عدة حيث لا احد يقوم بانقلاب عسكري لينصب غيره

    التجربة المصرية ماثلة امامنا كل النخب ان جاز تسميتها لنهب و التي ايدت انقلاب السيسي و لمحت للحصول على نصيبها من الكعكة تم التنكيل بها و الشبيبة قالها لهم صراحة "لا احد له دين عندي".

    مايجب الوقوف عنده هو ان بعضا ممن تسمي نفسها نخبة في المغرب ان جاز تسميتها بنخبة تعلن صراحة انحيازها للاستبداد و الانقلابات المتمثل في رموزه كالسيسي بدل الوقوف بجانب الالاف من ضحاياه و الدين يشاركونهم نفس التوجه الايديولوجي.

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24 2

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41 4

مباشر | نتائج انتخابات المغرب

صوت وصورة
بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:22 5

بنسعيد يتفاءل بالنتائج المؤقتة

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في الرباط
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:14

النتائج المؤقتة في الرباط