بالتعليم نبدأ

بالتعليم نبدأ
الأربعاء 6 أبريل 2022 - 23:02

نعم بالتعليم والمعلم تُبنى مجتمعات واعية يعوّل على عقول أفرادها في بناء الأوطان وإحداث ثورات فكرية تنجم عنها نهضة ثقافية تنأى عن الصور النمطية المكرورة المقيتة إلى صور أخرى وضاءة مشرقة متجددة، حيث تتعزز الثقة بين الأفراد لنصبح أكثر إنتاجية ونمتلك القدرة على الابتكار في شتى الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وللمضي قدما نحو التقدم والازدهار ومواكبة آخر التطورات لتحقيق الرفاهية والحياة الكريمة ومواجهة التحديات والصعاب..

بالتعليم والمعلم تنتقل حضارات الشعوب وتراثها من جيل إلى آخر؛ فهو الذي يرسخ ثقافة المجتمعات ويحول دون ضياعها، ويحدث التكافل الاجتماعي والوعي بأهمية الأوطان والمؤسسات وحمايتها، مما يساهم في زيادة مسؤولية الفرد اتجاه وطنه عبر ترسيخ قيم المواطنة الحقة والمساهمة في التنمية المستدامة التي تعمل على الحد من الفقر والجهل، مما يؤثر إيجابا في تحسين مستوى عيش الأفراد والمجتمعات وتطوير الحياة الاجتماعية والزيادة في النمو الاقتصادي والاجتماعي.

ويشكل المواطنون المتعلمون المهرة عنصر الأمان في نجاح أي بلد وتقدمها، ولعل تقدم المجتمع الفنلندي إلى الصفوف الأولى بين أغنى دول العالم خلال النصف الثاني من القرن العشرين ثمرة سعي مواطنيها إلى الحصول على التعليم العام، ولاستثمار الدولة في مجال التعليم كذلك؛ فمنذ بداية القرن التاسع عشر، ألقت القرارات العليا البذور الأولى لنجاح نظام التعليم بصفة مستمرة، فقد قررت فنلندا توفير التعليم للأمة بأسرها وبهذه الطريقة، وتجنبت الدولة غياب التفاوتات الاجتماعية بين الصفوة المتعلمة والطبقة الدنيا من غير المتعلمين. كما أسهمت رغبة المواطنين في التعلم في ترسيخ الإيمان بالتعليم، فصار من المتوقع أن يظل الفنلنديون على اطلاع دائم على مجموعة كبيرة من القضايا والاهتمامات المجتمعية.

إن التعليم والمعلم، إذن، هما القلب والعقل النابضين في كيان الدولة ومجتمعه؛ فالدولة التي تريد أن تضمن لنفسها الرقي والرفاهية والقوة عليها أن تعمل على إصلاح الحلقات المتداخلة في هذا المجال الحيوي، من موارد بشرية وبنيات تحتية وكفاءات قادرة على مسايرة الإصلاح التربوي..

رغم أن السؤال الملح الذي يتبادر إلى الذهن هو هل شكلت المعرفة التربوية مادة أساسية في هذه المقاربة؟ وهل نجحنا في جلب واستقطاب الكفاءات التي تتوقف عملية نجاح هذه المقاربة على لمستها وجهودها المتميزة؟

للأسف، فإننا لم نوفق في إدراك هذا المستوى لأننا لم نرتق عمليا إلى ثقافة استغلال الكفاءات وما زلنا رهائن ثقافة إقصاء وتهميش الكفاءات عن قصد أو عن غير قصد… وهذا السلوك رغم أنه سلوك معزول لا يجوز تعميمه ولا تحميل الوزارة الوصية تبعاته إلا أن آثاره السلبية قد طغت على المشهد التربوي وشكلت أكبر عائق أمام تطوير المنظومة التربوية وجعلت الإصلاح التربوي مجرد عمل نظري لم يخرج بعد من التجربة النظرية إلى الممارسة العملية.

إن الإصلاح التربوي قد غرق في شكليات لا نعدها من الأولويات وليس لها تأثير إيجابي كبير على عملية تطوير المنظومة التربوية؛ فالإصلاح التربوي الحقيقي هو الإصلاح الذي يتجاوز الشكليات المتعلقة بالمحفظة المدرسية واللوحات الرقمية والصباغة وغيرها إلى الإشكاليات التربوية الحقيقية وخاصة الإشكالات المعرفية.

وأعتقد أننا ما زلنا بعيدين عن تحقيق هذه المقاصد بسبب استمرارنا في تكريس الإصلاح النظري الشكلي؛ لأن الإصلاح التربوي الحقيقي هو الإصلاح الذي يؤسس على تثمين العنصر المعرفي في المنظومة التربوية، فمن دونه لن يتحقق شيء ولو أنشأنا ألوفا مؤلفة من الفرق التربوية ووضعنا ما يضاهيها من المخططات التربوية وغيرها من الإشكالات المتعلقة بالمنظومة.

إن أساس تقدم الأمة المغربية العظيمة لا ولن يكون إلا عن طريق أبنائها ومؤسساتها؛ فالأمة السائدة هي التي تستثمر في عقول بناتها وأبنائها عبر منظومة تعليمية تستجيب لتطلعات الشعب المغربي، ما يجعلها تتبوأ مكانة عالية بين الأمم.

والأمم الناهضة بسلك التعليم تمنح المعلم حقه، وتعترفُ له بجهوده تزيد بذلك من فعاليته ونجاعته، فبدلا من أن يُدرس برتابة تجده يبدعُ مع تلاميذه، فيعشقون مادته، ويرتبطون ويتماهون مع العلم بصفة عامة وكم نحن في حاجة إلى العناية بالمتعلمين وفهمِ سلوكاتهم بتوفير مرشدين اجتماعيين لهم، يقفون عند أدق تفاصيلِ حياتهم الاجتماعيةِ والنفسية؛ فإذا تم التدرجُ مع نقاط التعليم نقطة نقطة، بداية من المعلم إلى العملية التعليمية بحد ذاتها، ونهاية بالتلميذ، الذي هو ثمرةُ هذه الجهود سنشهدُ استقرارا وتصاعدا في النتائج المُحصلة، وبالضرورة سيتخرجُ جيل إلى المجتمع يغير فيه تغييرا جذريا من حيث بعث قيمةِ العمل والعلم.

وباستطاعتنا أن نقفز قفزة هائلة نحو نظُم تستشرف المستقبل وتوفر تعليما ذا نوعية جيدة للجميع تكون نقطة انطلاق لبلوغ أهداف التنمية المستدامة.

ولتحقيق ذلك، نحن بحاجة إلى استثمار في محو الأمية والتسريع في الرقمنة وفي البنيات التحتية وتحول يتوجه بنا نحو تعلم كيفية تلقي العلم، وإلى تنشيط مبادرات التعلم مدى الحياة وعلينا أيضا أن نستعين بأساليب مرنة لتقديم الخدمات التعليمية وبتكنولوجيات رقمية ومناهج دراسية حديثة، مع العمل في الوقت نفسه على ضمان الدعم المستمر لنساء ورجال التعليم، حيث إننا في عالم يواجه مستوياتٍ غير مقبولة من اللامساواة نصبح بحاجة إلى التعليم الذي هو عامل التكافؤ أكثر من أي وقت مضى..

لا بد أن نتخذ خطواتٍ جريئة الآن، من أجل إنشاء نظُم تعليمية شاملة للجميع تتسم بالمرونة والجودة وتكون صالحة للمستقبل وتتماشى وخصوصيات أمتنا المغربية العظيمة الضاربة ثقافتها في أعماق التاريخ بمختلف تلاوينها الثقافية والاجتماعية والمجالية؛ لأن الأخير هو السبيل إلى التنمية الذاتية وهو طريق المستقبل لمجتمعنا المغربي فهو يطلق العنان لشتى الفرص ويحد من أوجه اللامساواة وهو حجر الأساس الذي تقوم عليه المجتمعات المستنيرة والمتسامِحة والمحرك الرئيسي للتنمية المستدامة.

وهذا ما أكده التقرير العالمي لرصد التعليم، حيث أكد أن للتعليم دورا رئيسيا في التحول المطلوب إلى مجتمعات أكثر استدامة، بالتنسيق مع كل المبادرات ومبادرات المجتمع المدني والقطاع الخاص؛ فالتعليم يصوغ القيم ووجهات النظر، ويساهم أيضا في تنمية وتطوير المهارات والمفاهيم والأدوات التي يمكن أن تستخدم في خفض أو إيقاف الممارسات غير المستدامة.

ولا ينحصر دور التعليم متعدد الأوجه في مجال الاستدامة في جانبه الإيجابي، إذ يمكن أن يعزز ممارسات غير مستدامة. ومن ذلك الاستهلاك المفرط للموارد، والإسراع في تآكل معارف السكان الأصليين وطرق عيشهم ذات الاستدامة النسبية.. لذلك، قد يتطلب الأمر تكييف التعليم وتحويله لضمان تأثيره الإيجابي على المجتمعات وعلى الأمة المغربية وثوابتها.

وهذا لن يتحقق إلا بإرادة قوية من الدولة كما أكد ذلك دوركايم على دور الدولة واختصاصاتها العمل على تطوير أنظمة التعليم وذلك لتكريس الوحدة الوطنية؛ لأن الهدف من التربية هو خلق ذلك الشعور الوطني لدى الطفل.. وبالتالي، أصبح التعليم حقا مقدسا لكل مواطن، لا تتمكن أية مؤسسة سوى الدولة من ضمان وحفظ هذا الحق لكافة المواطنين بغض النظر عن اختلاف طبقاتهم ونزاعاتهم وأوضاعهم المادية، “ومهمة الدولة هذه يجب أن تنطبق على جميع مراحل التعليم والتربية، إذ عليها يقع عبء السهر والمحافظة وزيادة جميع القيم الاجتماعية التي تؤلف الإرث الاجتماعي والوطني، وليست القيم الفكرية من هذه الناحية أقل قيمة من القيم الأخرى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

2
  • ــــــــ
    الثلاثاء 12 أبريل 2022 - 01:03

    انما يستجيب الذين يسمعون و الموتى يبعثهم الله ثم اليه يرجعون

  • reader
    الثلاثاء 12 أبريل 2022 - 06:34

    مقاربة جميلة وحلول جوهرية ولكن التطبيق يبقى هو الاشكال الوحيد الذي لن يكون له حل في ظل عقول همها الوحيد هو الاغتناء من مناصبها ليس الا

صوت وصورة
وزير الفلاحة والتنمية القروية
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:49

وزير الفلاحة والتنمية القروية

صوت وصورة
المحروقات تثقل كاهل السائقين
الإثنين 2 نونبر 2026 - 22:28 1

المحروقات تثقل كاهل السائقين

صوت وصورة
ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:16

ميطا 3 | غضب جماهيري وإقالات

صوت وصورة
أول الفهم | الإنسان القديم والهاتف الذكي
الإثنين 2 نونبر 2026 - 21:11

أول الفهم | الإنسان القديم والهاتف الذكي

صوت وصورة
فوضى ومشادات داخل مجلس أزمور
الإثنين 2 نونبر 2026 - 20:44 2

فوضى ومشادات داخل مجلس أزمور

صوت وصورة
بنعبد الله يحتفي بخديجة بومليك
الإثنين 2 نونبر 2026 - 19:21 2

بنعبد الله يحتفي بخديجة بومليك