بوصوف: الملك محمد السادس يقود "ثورة هادئة" في إفريقيا

بوصوف: الملك محمد السادس يقود "ثورة هادئة" في إفريقيا
الأربعاء 9 نونبر 2016 - 05:30

في زمن غياب زعماء إفريقيا الكبار كالمغفور له جلالة الملك محمد الخامس وجمال عبد الناصر ونيلسون مانديلا… في زمن أوشكت فيه إفريقيا على الاستسلام لقدرها المطبوع بالخضوع وتداعيات الحروب الأهلية والتقلبات المناخية والنزوح الجماعي وتفريغ القارة السمراء من سكانها نحو الشمال بعيدا عن العطش والجوع والعنف والإرهاب….

تستقبل إفريقيا اليوم جلالة الملك محمد السادس، كقائد جديد يحمل آمال شعوبها وحُلمها بمستقبل واعد، ويتقدمهم للدفاع عن مصالحهم… قائد وثقت فيه شعوب إفريقيا قبل قادتها، وأبان عن انشغاله بهموم تنمية القارة من خلال زيارته لمُدُنها ولقُراها ولأدغالها…

ومن ثم، فإن خطاب الذكرى الحادية والأربعين للمسيرة الخضراء من مدينة دكار عاصمة السينغال يحمل في شقه الأول سابقة تاريخية لملوك المغرب، وفي شقه الثاني أن الخطاب انطلاقا من السينغال ليس مدعاة للتعجب؛ بل هو أمر طبيعي نظرا لمواقف السينغال التاريخية الثابتة في مساندته لقضايا المغرب العادلة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية… بل حتى إن عبدو ضيوف، الرئيس السابق لهذا البلد الإفريقي، علق على خروج المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 بأنه “لا يُمكن تصور المنظمة بدون المغرب…”

وبالإضافة إلى الروابط التاريخية والروحية، فإن السينغال يُعدّ إحدى الدول الديمقراطية بإفريقيا، التي تحترم المؤسسات الدستورية وصناديق الاقتراع، وليست دولة انقلابات. كما تتمتع باستقرار سياسي واجتماعي ملحوظ… أما الرئيس ماكي صال فقد رأى في الحدث بأن جلالة الملك محمد السادس يريد أن يُخاطب إفريقيا والأفارقة…

استعمل جلالة الملك، في خطاب المسيرة الخضراء 6 نوفمبر 2016، أسلوبا مباشرا لا يحتاج لكثير عناء لشرح مراميه ذات البُعد القاري. وهذا ما يُبرر اتخاد خريطة إفريقيا كخلفية حملتْ أكثر من رسالة مباشرة بأن المغرب مكون إفريقي، وأن مستقبل المغرب في إفريقيا ومستقبل إفريقيا في المغرب…

وهو الانشغال نفسه الذي جعل المغرب يُوجه بوصلته الاقتصادية والسياسية نحو الجنوب في إطار علاقة جنوب – جنوب، مدعوما بمضمون “التصدير” الدستوري الذي “يُلزم المغرب بتقوية علاقات التعاون والتضامن مع الشعوب والبلدان الافريقية، ولا سيما مع بلدان الساحل وجنوب الصحراء”…

وهو ما شكل في حد ذاته ثورة هادئة قادها جلالة الملك من خلال تنويع زياراته من دول غرب إفريقيا الفرنكفونية إلى شرق إفريقيا الأنغلوفونية، وكانت مناسبة لشرح عدم كفاية العلاقات مع هذه الأخيرة ليس وليد التقصير أو الإهمال، بل هو فقط البعد الجغرافي والاختلاف اللغوي والموروث التاريخي…

ومن نتائج هذه الثورة الهادئة نجد تحقيق شراكات متعددة المجالات مع دول وازنة في شرق إفريقيا، كرواندا وتنزانيا…

لقد أسهم أيضا هجر المغرب لكرسيه داخل منظمة الوحدة الإفريقية سنة 1984 في عدم تكثيف علاقات التعاون والتضامن بين العديد من الدول الإفريقية، وفسح المجال لأعداء الوحدة بتسميم علاقات المغرب مع دول إفريقيا؛ وهو ما عجل برغبة المغرب في استعادة مكانه الطبيعي ضمن الأسرة الإفريقية بدورة كيغالي (2016، بعيدا عن أي منطق تكتيكي مجاني، فـ”البيت الإفريقي بيتنا جميعا ولا يحتاج فيه المغرب لاستئذان أحد للدخول”.

وبالمقابل، تضمن خطاب المسيرة إشارة ضمنية موجهة إلى أطراف يُزعجها رجوع المغرب إلى البيت الإفريقي بأن رجوع المغرب هو مسألة وقت فقط، لتوفر المغرب على أغلبية ساحقة من المؤيدين والمناصرين…

ليُعلن الخطاب، بعد ذلك، عن مضمون “دفتر تحملات” المغرب اتجاه شعوب ودول إفريقيا، وفي مقدمتها أن المغرب هو أحسن مدافع عن مصالح إفريقيا في المحافل الدولية، ومُستعد لتقاسم تجربته مع دول إفريقيا في مجالات الأمن ومحاربة التطرف والإرهاب، وأيضا مواصلة الجهود لمعالجة ظاهرة الهجرة وربطها بالتنمية وكرامة المهاجرين، وأيضا المحافظة على الاستقرار والأمن وحل الخلافات بالطرق السلمية..

أكثر من هذا، فإن المغرب سيجعل من قمة المناخ العالمية بمراكش (كوب 22) قمة من أجل إفريقيا؛ وذلك ببلورة رؤية موحدة للدفاع عن مطالب القارة السمراء، وخاصة في موضوعي التمويل ونقل التكنولوجيا…

استعادة المغرب لمكانه الطبيعي في إفريقيا هو مناسبة لتصحيح مُغالطات تبنتْها أطراف معادية للوحدة المغربية ولمغربية الصحراء الثابتة، خاصة داخل المطبخ الفعلي لقرارات منظمة الاتحاد الإفريقي أي مُفوضية الاتحاد…!!

لكل هذا، فالمغرب ونظرا لحساسية المرحلة يحتاج إلى حكومة جادة ومسؤولة، وأن تتبنى سياسات شاملة لكل دول إفريقيا والالتزام بتعهدات المغرب مع شركائه..

وهُنا، لمسنا نبرة عالية في مُخاطبة من كُلف بتكوين الحكومة بعد انتخابات 7 أكتوبر، خاصة أن مضمون الـ47 من الدستور يقول “بتعيين الملك لأعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها…”؛ وهو ما يعني أن للملك الحق في قبولها أو رفضها.. وهو ما جعله حريصا على تشكيل حكومة برامج وأولويات، وعلى رأسها إفريقيا، كما نبه إلى عدم تساهله في عدم تشكيل حكومة كفاءات مؤهلة باختصاصات قطاعية مضبوطة… بعيدا عن منطق الغنيمة الحزبية والانتخابية…!

الأمر يستدعي أيضا التفكير في خلق قطاع حكومي موجه إلى إفريقيا كوزارة منتدبة للشؤون الإفريقية في الفقرة المخصصة للحكومة.

خطاب المسيرة لسنة 2015 كان من مدينة العيون عاصمة الأقاليم الجنوبية، التي تتوفر على مقومات الاستقرار والأمن وبتعلق أبناء الأقاليم الجنوبية بمغربيتهم وبالنظام السياسي، وهو ما يُبرر ارتفاع نسبة مشاركتهم في كل الاستحقاقات الانتخابية… وبتوفرها على إمكانات مهمة لتكون محورا للتعاون الاقتصادي بين المغرب وبين عمقه الإفريقي..

المغرب نجح في قلب معادلات سياسية واقتصادية من خلال تنويع الشركاء مع احتفاظه بالشركاء التقليديين، كما أظهر نُضجا سياسيا بإعلانه الرغبة في استعادة مكانه الطبيعي داخل الأسرة الإفريقية…

الأكيد أن أعداء الوحدة الترابية يفقدون كل يوم مصداقية أطروحتهم أمام العالم، وهم يرون كيف تستقبل شعوب إفريقيا من شرقها إلى غربها جلالة الملك محمد السادس كقائد قاري جديد، قادر على التعبير عن آمالهم في التنمية والكرامة…

*الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • WARZAZAT
    الأربعاء 9 نونبر 2016 - 06:16

    في ظل فشل حلم مشروع المغرب الكبير تكون سوق شرق الأطلسي الفركوفوني بين دول غرب افريقيا المظلة على المحيط، يتبواء فيها المغرب مكانة خلف فرنسا، فكرة تجارية معتبرة.

    بامكاننا سمسرة القروض الاستهلاكية و العقارية و مشاريع الفلاحة و الطاقة و مصانع الاسمنت لفرنسا هناك و توفير يد عاملة من تقنيين صغار و ''كابرانات'' للسهر عليها.

    لكن مشكل الرباط و دكار ان بينهما الاف الكيلومترات من مياه و رمال تنعدم فيها الطرق البحرية و البرية من سفن و طرق معبدة و قطارات. زد عليها انهما بسبب اقتصاداتهم المتخلفة التي تعتمد على قطاعات صيدية و فلاحية بدائية لا يتكاملان بل يتنافسان. لا نصنع سيارات و هم لا يصنعون كمبيوترات….عندنا الشباب و السردين و الطماطم. عندهم الشباب والسردين و الطماطم.

    يبقى النموذج العقاري العبقري الذي اخترعته شركة ''الضحى'' المنتوج المغربي الوحيد الذي يتوفرعلى حظوظ كبيرة للتسويق بنجاح.

    كما أنه يمكننا أن تعاون أمنيا مع الكتائب الصلكانية الكلونيالية لتثبيت الأمن و السلام في المنطقة.

  • ابراهيم
    الأربعاء 9 نونبر 2016 - 06:38

    معظم الشعوب الافريقية لا تقيم اي وزن للسينغال ولم ترى لها اثر بارز في افريقيا منذ استقلالها ولا تعلم عنها الا انها كانت مصدرا للمرتزقة في الجيش الفرنسي في كل الحركات التحررية ضد الاستعمار الفرنسي حتى ان الجزائريين كانوا يسمونهم السليكان .لذلك لا غرابة ان يرى العالم اليوم هذه الدولة وهي تهان بهذه الطريقة وتنبطح هذا الانبطاح والا كيف نفسر القاء خطاب لحاكم دولة من دولة اخرى غير انه يتصورها ولاية من دولته ؟

  • hamid
    الأربعاء 9 نونبر 2016 - 06:41

    SALAM. Allah yahfad notre Roi et son Peuple .Nous devrions tous aider nos voisins Afriquains etne pas oublier les grands projets dans notre Sud Asfi Essaouira

  • احلام اليقظة
    الأربعاء 9 نونبر 2016 - 11:09

    المغرب يعيش الويلات و تصورونه على انه دولة عظيمة بقيادة حكيمة مقدسة. فما هذا الخوار

  • el hadouchi
    الأربعاء 9 نونبر 2016 - 12:23

    المشروع الافريقي حاليا لا يخدم مصلحة الشعب المغربي الذي يفقد قل سنة عدد هائل من المؤسسات التعليمية العمومية بالسياسة التي تتخذها الدولة بالرفع يدها على التعليم العمومي في الوقت الذي يتبوء المغرب المرتبة الاخيرة في هاذا المجال وتحويل اموال الشعب الى افريقيا يعتبر انقلاب على مصلحة الشعب لانه كان من الضروري اصلاح مجانية التعليم وتطوير جودته قيل التفكير في الاستثمار الخارجي بهاذا الحجم فمثلا الدولة المقدمة على الاستثمار في الخارج تكون قد اوفت بجميع التزماتها في الداخل وهاذ شيئ اجابي وضروري.

صوت وصورة
منتدى الأعمال الإماراتي المغربي
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 14:12

منتدى الأعمال الإماراتي المغربي

صوت وصورة
لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 13:22

لائحة أسود الأطلس للقاء النيجر

صوت وصورة
الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 12:30 11

الغلاء يتمكن من اللحوم الحمراء

صوت وصورة
رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:05 12

رفع سن ولوج التعليم إلى 40 سنة

صوت وصورة
الرجولة القاتلة
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 21:00

الرجولة القاتلة

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي
الثلاثاء 3 نونبر 2026 - 20:08 2

أبعاد استراتيجية | التكامل الاقتصادي