بوصوف يسائل اليمين المتطرف على هامش انتخابات الرئاسة في فرنسا

بوصوف يسائل اليمين المتطرف على هامش انتخابات الرئاسة في فرنسا
صورة: أرشيف
الأحد 30 يناير 2022 - 00:00

شاهدت فيلم “J’accuse” أو “الضابط والجاسوس” لمخرجه رومان بولانسكي، وقرأت أنه فاز بجوائز مهمة في مهرجانات سينمائية عالمية. وبعيدا عن جوانب تقنيات العمل السينمائي التي لا أفقه فيها، فإنني أسجل إعجابي ببراعة الممثلين والموسيقى والملابس، كما أسجل إعجابي بتناول “قضية دريفوس Dreyfus” 1894-1906..التي هزت أركان الجمهورية الفرنسية الثالثة ولعب فيها المقال الشهير “أنا أتهم..” لإيميل زولا سنة 1898 دورا محوريا لـدى الرأي العام الفرنسي وإعادة فتح التحقيق في قضية الضابط الفرنسي “دريفوس” ذي الأصول اليهودية (من منطقة الألزاس)، مع اتهامه بالخيانة العظمى بالتخابر لصالح الجيش البروسي (الألماني)… وانقسام المجتمع الفرنسي بين “أنصار دريفوس”، وأغلبهم من المثقفين والجمهوريين واليسار الراديكالي والاشتراكيين (Bloc des gauches ) من جهة، و”معارضي دريفوس”، وأغلبهم من أنصار الملكية ورابطة الوطنيين والكاثوليك المحافظين والضباط ومعادو السامية…من جهة ثانية.

هذا مع عدم إغفال توقيت إنتاج الفيلم، أي سنة 2019، الذي أعاد قراءة أحداث “قضية دريفوس” وتداعياتها العميقة على المستوى الفكري والسياسي والعسكري والعقائدي والحقوقي…في وقت يكرس تأجيج الصراع حول الأفكار والخلفيات الأيديولوجية نفسها، لكن بوتيرة أقوى وأسرع…وفي وقت مازال يفضل اليمين المتطرف الفرنسي العزف على الأوتار نفسها، أي العرق والدين ورفض الفردانية والتعددية..وإقصاء الآخـر لأسباب عـرقية وعنصرية…

ولأن المناسبة شرط فإننا ندعو إلى مشاركة البحث عن حقيقة اليمين المتطرف، سواء في فرنسا أو في أوروبا..خاصة وأننا على مشارف رئاسيات فرنسية في أبريل 2022، مع ضرورة الاستئناس بأبحاث سابقة، وعلى رأسها كتاب المؤرخ الفرنسي Rene Remond “اليمين في فرنسا من 1815 إلى أيامنا الحالية”، الذي نشر سنة 1954، إذ قسم فيه اليمين في فرنسا إلى ثلاث فئات:Droites légitimiste ; Orleantiste ; Bonapartiste.

فالبحث عن الحقيقة هو الذي دفع “إيميل زولا” إلى صرخته الشهيرة “أنا أتهم” في قضية دريفوس، وحُكِم عليه بالسجن لمدة سنة واحدة بتهمة “التشهير”. ومن أجل الحقيقة تـم إبعاد ضابط المخابرات العسكرية “جورج بيكار” بعد كشفه براءة دريفوس إلى شمال إفريقيا…لكن الأول حُمِل على الأكتاف بعد براءة دريفوس، في حين تمت ترقيت الثاني إلى رتبة جنرال وأصبح وزير الدفاع الفرنسي..

لكن لا بأس من التذكير بأن اليمين المتطرف الفرنسي كان حاضرا منذ الثورة الفرنسية سنة 1789 وانقسام الجمعية العمومية بين أنصار الثورة وأنصار الملكية أو معارضي الثورة؛ وكل ما حملتـه تلك الثورة من مشاريع أفكار في كل المجالات، وما عرفته من صراع فكري / نخبوي بين مفكري وفلاسفة المرحلة، سواء مع أو ضد الثورة، هو ما جعلنا أمام فرنسا بوجهين أو اتجاهين؛ يميني بتصور محافظ وضد التطور ومع العصرنة، واتجاه لبرالي مدافع عن الحقوق المدنية ومفتوح على الشعب…مرورا بتراكمات مرحلة نابوليون الثالث ودستور 1875، وقضية دريفوس، والتعاون مع حكومة فيشي في عهد ألمانيا النازية، ثم سنوات الخمسينيات من القرن الماضي وما عرفته من ركوب اليمين المتطرف على قوانين الضرائب، وخاصة التجار والفلاحين، مع Pierre Poujade أو ما عُـرف بـ”البوجاديزم”؛ كما لعبوا ورقة معارضة الجمهورية الفرنسية الرابعة ومعارضة معاهدة روما والسياسات الغربية…

ومع ميلاد الجمهورية الخامسة وعودة الجنرال ديغول وإعلان دستور 1958 سيختفي حزب Poujade وسينتقل الضابط السابق في الجيش الفرنسي “جون ماري لوبان” إلى اليمين الراديكالي بعد نجاحه في انتخابات سنة 1956 باسم حزب بوجاد…

وخلال كل هذه المراحل بقيت الحركات السياسية لليمين المتطرف وفية لمبادئها القائمة على نوستالجيا التاريخ والاقتيات من الإنتاجات الفكرية ذات النزعة العنصرية والانتصار لعرق دون آخـر؛ مع اعتمادها بمناسبة كل استحقاق سياسي شعارات “شعبوية”، وبأنها حزب “الفرنسيين” وليست حزب “السياسيين”، وهي في هذا تستغل أخطاء سياسية للخصوم وتسعى إلى اصطياد “تصويت عقابي” لصالحها عند كل مناسبة انتخابية…

وإعلان “جون ماري لوبان” عن تأسيس حزب الجبهة الوطنية في فبراير 1972 لم يكن إلا تجسيدا جديدا لحركات سياسية سابقة لليمين المتطرف، كـ Ordre Nouveau سنة 1969 برئاسة Galvaire، الذي تم حله سنة 1973، وخلق حزب “القوات الجديدة” سنة 1974..

لكن أغلب الأدبيات السياسية اعتبرت أن حزب الجبهة الوطنية F.N هو الوريث السياسي، لكن ليس الوحيد، لكل تلك التيارات الفكرية والحركات السياسية لليمين المتطرف…ويرجع الفضل لرئيسه “ماري لوبان”، ضابط الجيش الفرنسي المشارك في حروب لاندوشين والعدوان الثلاثي والحرب الجزائرية، والمتهم بتعذيب المعتقلين بالجزائر الشقيقة. وهو ما جعل من التحريض على الإسلام والمسلمين والهجرة الملفات الأكثر أهمية في أجندة “ماري لوبان” على رأس حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف..

وقد سارت على نهج لوبان وريثـته السياسية ابنته “مارين لوبان”، وكل حركات اليمين المتطرف، كحركة “جيل الهوية” Génération Identetaire التي تأسست سنة 2012، والتي تم حلها بقرار من وزير الداخلية “جيرار دارمانان” في مارس 2021، وأيــده قرار مجلس الدولة الفرنسي في شهر ماي من السنة نفسها، مُـعللا ذلك بأن الحركة تشجع على الكراهية والعنف ضد المسلمين، وتهـدد الأمن والنظام العام…

كما شهدت سنة 2003 حركة سياسية تابعة لليمين المتطرف تحت اسم Bloc Identetaire..

إننا نعتقد أن كراهية اليمين المتطرف لكل ما هو أجنبي (مهاجر)، ولكل ما هو خارج عن الكاثوليكية (اليهود أولا ثم المسلمون ثانيا…)، يــدخل في خانة تصفية الحسابات السياسية بين اليمين المتطرف كفكــر وكممارسة سياسية من جهة، والمهاجرين وخاصة المسلمين منهم من جهة أخرى… وانتقاما من مشاركة شعوب المستعمرات الفرنسية في الدول العربية المسلمة والإفريقية في حملات عسكرية لـتحرير أوروبا من الفكر والاضطهاد النازي والفاشي أثناء الحرب العالمية الثانية…

لأنه في وقت انقسم اليمين المتطرف الفرنسي بين مـؤيـد لقرارات حكومة فيشي المعادية للسامية من جهة، ومتعاون مع المستعمر الألماني من جهة ثانية… فقد تخندقت شعوب المستعمرات الفرنسية (الإفريقية والعربية المسلمة …) في صف الحرية إلى جانب جيوش الحلفاء سواء في مونتي كاسينو أو صقلية أو مارسيليا أو بلجيكا أو جبال الآلب وغيرها…

وفي وقت كان الضابط “جون ماري لوبان ” يُحارب من أجل إخضاع المستعمرات في لاندوشين والجزائر الشقيقة والعدوان الثلاثي، فقد تجرع هو ومن معه من المنتسبين للفكر اليميني العنصري الهزائم والانتكاسات السياسية والمتابعات القضائية في دعاوى تعذيب المعتقلين والسجناء…

كما نعتقد أن حرب البترول لسنة 1973 زادت من حقد اليمين المتطرف على الشعوب العربية والمسلمة، لأنها مَـستْـه في عقـدة “الـتفـوق” كعقيدة له، مقابل انفتاح الحكومات الأوروبية على الدين الإسلامي والسماح بفضاءات جديدة للعبادة لفائدة المسلمين بأوروبا.

لذلك نميل إلي الاعتقاد بأن “جون ماري لوبان” وكل ورثة اليمين المتطرف الفرنسي، وعلى رأسهم مارين لوبان وأريك زمور… قــد رهنوا سبب وجودهم السياسي داخل أسوار حزب الجبهة الوطنية (سياسيين ومثقفين..) بـالدفع بشعارات كراهية المسلمين واليهود، وبرفع شعارات السيادة الوطنية والتاريخ المجيد…ضد الأجانب والتضييق عليهم وتـقـليـم حقوقهم المكتسبة من شرعية مواثيق الحقوق المدنية الكونية، ومن شرعية دفاع أجدادهم عن حرية شعوب أوروبا وتخليصها من الأنظمة النازية والفاشية…

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • hassia
    الأحد 30 يناير 2022 - 00:08

    Boussof Pose la question Au Gouvernement marocain pourquoi les rme ne peuvent s,exprimer et ne votent pas comme marocains

  • مواطن وجدي
    الأحد 30 يناير 2022 - 00:24

    ا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لّا يَعْقِلُونَ .
    (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ) : يعني عندما يتحارب الكفار في مابينهم يكون بأسهم بينهم شديدا وهدا ماشهدناه في الحربين العالميتين الأولى والثانية عندما دهب ضحية الحربين عشرات الملايين من البشر ،فهل سيحدث نفس الشيء في الحرب التي يتم الإعداد لها على قدم وساق . قد يقول قائل لن تكون هناك حرب فقط مجرد تحركات عسكرية من هنا أو هناك للضغط على هدا أو داك ، لاكن ولله العلم ستقوم حرب ضارية وستنتشر الحرب كالنار في الهشيم إلى عدة أنحاء عبر العالم وستكون لها تداعيات على العالم باسره وستقط معها أنضمة ومايثير العجب أن الصحف المغربية لاتتكلم على هاته الحرب المتوقعة ومدا ثأثيرها على المغرب وكيف سيتصرف المغرب مع هاته الحرب في حال نشوبها .

  • hassia
    الأحد 30 يناير 2022 - 01:16

    Une guerre de nos jours est impossible et seront tous perdants avec ou sans Bombe atomique on manque d,uhmanisme et
    non solidarite

  • رأي
    الأحد 30 يناير 2022 - 02:21

    سامحني سيدي صاحب التعليق رقم 2 يبدوا انك تفسر الاية خارج سياقها وتتحدث خارج كوكب الارض وخارج سياق الموضوع.
    فالموضوع يروم تنبيه المغاربة واليهود والمسلمين الذين لهم الجنسية الفرنسية من خطورة التصويت على اليمين المتطرف في الانتخابات الفرنسية وما يمكن ان يلحق ذلك من اضرار بخقوقهم في اوربا من جهة وببلدهم الام المغرب من جهة اخرى، فنحن كبلد يرحب بالمهاجرين الافارقة نشكل نقيضا لافكار اليمين المتطرف المعادي لكل ما هو غير تقليدي.

  • التاريخ يكتبه المنتصرون ـــــ قضية دريفوس ليست استثناء
    الأحد 30 يناير 2022 - 03:57

    كتابة التاريخ سلاح سياسي و إديولوجي!لذلك من الصعب الحديث عن حقيقة تاريخية؛بل عن حقائق تاريخية منشطرة ومتشضية!الحقيقة التاريخية مثل أجزاء المرآة المنكسرة الغير قابلة لإعادة التركيب!دم التاريخ يتفرق بين فرقائه وفاعليه!كل واحد منهم يحصل على نصيبه منه و يخفي منه الجانب الذي قد يزعجه أو الذي قد لا يخدم مصالحه!لذلك المعنى الإتيمولوجي لكلمة”إِسْطُورْيَا”و”إِسْطْوَاغْ” هو “أُوْنْكِيطْ” بمعنى التحقيق!من الأحسن الحديث عن تأويلات تاريخية و ليس عن كتابات تاريخية!كتابة التاريخ هي قراءة تأويلية و تفسيرية لوقائع تاريخية مختارة من زوايا سياسية،مصلحية وإديولوجية!التاريخ حقل مليئ بالألغام!لذلك في حقل الألغام،لا نبحث عن حقيقتها،بل عن الخروج منها بسلام!الذين يصنعون نفس الحدث التاريخي لا يعيشونه و يصنعونه بنفس المحفزات،بنفس الطريقة،الدرجة;لنفس الغاية!لذلك لا يمكن أن يجتمع المؤرخون على نفس الحقيقة التاريخية!التاريخ موجود ليختلف بشأنه صناعه والمؤرخون!

  • rme1974
    الأحد 30 يناير 2022 - 07:27

    les français savent que zemmour est d origine kabyle et arabe et il ne mettront au pouvoir un arabe .car ils savent qu un pays gouverné par un arabe est destiné à la guerre et le désordre regardez autour de vous .guerres de partout chez les arabes Syrie lybie Irak Yémen soudan et les autres ne sont pas loin .je vis depuis 1974 en France et je sais de quoi je parle

  • ملاحظ//
    الأحد 30 يناير 2022 - 08:26

    مكاين لا تحريض على الاسلام وعلى .المسلمين في فرنسا ولا هم يحزنون.
    المشكل ان المسلمين لديهم مشكل تعايش سلمي مع باقي اصحاب الديانات الكونيه الاخرى في القارات الخمس سواء كانو اغلبيه او اقليه او مهاجرين. لا يقبلون بالمختلف.. عقليتهم ومعتقدهم يوحي لهم انهم ذو اصحاب الحقيقه الخالصه والباقي كفار وفي ضلال مبين لا يجب احترامهم . هنا يكمن لب المشكل.
    اما من ناحيه التجنيس بجنسيات الاخرين واخذ مساعدات الاجتماعيه من الكنائس وما شابهها فنراهم دائما في مقدمه الصفوف.. أمور غريبه وعجيبه.

  • الغفاري
    الأحد 30 يناير 2022 - 12:39

    إلى ملاحظ رقم 7
    ” من ناحيه التجنيس بجنسيات الاخرين واخذ مساعدات الاجتماعيه من الكنائس وما شابهها فنراهم دائما في مقدمه الصفوف.. أمور غريبه وعجيبه. ”
    إذا كنت ترى المسلمين دائما في مقدمة صفوف المساعدات من الكنائس كما تقول فأنت إذن دائما متواجد في مقدمة المقدمة في الصف.
    أليس كذلك !؟
    أمرك عجيب غريب!

  • حميد الزوغي
    الثلاثاء 1 فبراير 2022 - 05:24

    عسى أن يحكم اليمين المتطرف أوروبا حتى يضع حدا لسارقي الحقوق الاجتماعية والعملة الصعبة وهم غير مستحقين لها.

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 6

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح

صوت وصورة
المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية
الخميس 24 شتنبر 2026 - 15:48 11

المنصوري: العلاقة مع إسبانيا ضرورية

صوت وصورة
بوعياش: ضعف المشاركة إنذار
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:37 8

بوعياش: ضعف المشاركة إنذار

صوت وصورة
ندوة حزب الأصالة والمعاصرة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 14:33 11

ندوة حزب الأصالة والمعاصرة

صوت وصورة
"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى
الخميس 24 شتنبر 2026 - 09:00

"بنك أوف أفريكا" يحقق حلم سلمى

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31 8

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات