الاستثمار الثقافي بالمغرب

الاستثمار الثقافي بالمغرب
الخميس 8 يناير 2026 - 12:29

في المغرب، تُوظَّف كلمة “ثقافة” بشكل متكرر في الخطابات الرسمية وكأنها عصا سحرية يمكنها أن تغيّر المجتمع وتحوّل البلاد إلى مركز حضاري عالمي، بينما الواقع يكشف عن وجه آخر: ما نراه اليوم ليس استثمارًا ثقافيًا حقيقيًا، بل إنفاق موسمي واستعراض إعلامي على الثقافة، بلا خطة استراتيجية، بلا أثر مستدام، وبلا قدرة على تحويل الثقافة إلى رافعة معرفية أو اقتصادية حقيقية. ما يحدث هو مهرجانات لامعة في المدن الكبرى، دعم موسمي للإنتاج الفني، ترميمات للمآثر التاريخية، ومشاريع ذات صدى إعلامي، لكنها غالبًا لا تخدم المبدع المحلي، ولا تخلق فرص عمل حقيقية، ولا تتيح للمواطن أن يكون جزءًا فاعلًا في العملية الثقافية. المواطن في هذا النموذج مجرد متفرج سلبي، يستهلك الثقافة كمنتج جاهز، لا يشارك في إنتاجها أو تشكيلها.

الاستثمار الثقافي الحقيقي، الذي يهدف إلى تحويل الثقافة إلى قطاع إنتاجي مستدام، يكاد يكون غائبًا في المغرب. هذا الاستثمار يعني بناء صناعات ثقافية متكاملة تشمل السينما والمسرح والفنون التشكيلية والموسيقى والألعاب الرقمية، دعم سوق الإبداع المحلي، خلق شبكات توزيع قوية، ربط الثقافة بالتعليم والابتكار والسياحة، وبناء قاعدة معرفية تسمح للمواطن بالمشاركة والإبداع. في المقابل، ما نراه هو إنفاق موسمي على فعاليات محدودة، تركز على العرض الإعلامي والاستعراض الاحتفالي أكثر من كونها منصة إنتاجية مستمرة. مهرجان مثل موازين، رغم شعبيته الإعلامية والسياحية، يظل نموذجًا للثقافة الاستعراضية؛ الفنان المغربي ينتهي من العرض ثم يعود إلى واقع هش، بدون سوق مستمرة أو دعم طويل المدى، والفائدة الحقيقية لا تصل إلى المواطن العادي أو المجتمع المحلي خارج أسبوع المهرجان.

السينما المغربية تعاني من نفس الأزمة. يستضيف المغرب إنتاجات أجنبية في ورزازات ومراكش والجنوب، ويحصل المنتج الأجنبي على تسهيلات كبيرة، بينما يكافح المخرج المغربي للحصول على دعم إنتاج مشروعه المحلي، وغالبًا يجد نفسه أمام صعوبات في التوزيع حتى داخل المملكة. إذا كان الاستثمار الثقافي حقيقيًا، يجب أن يدعم المنتج المحلي ويخلق له سوقًا مستدامًا، ويجعل الثقافة صناعة قائمة بذاتها، لا مجرد خلفية لجذب إنتاج خارجي. لكننا نرى العكس تمامًا: إنتاجنا المحلي هش، يعاني من ضعف التمويل والتوزيع، والمبدع غالبًا يعتمد على الدعم الحكومي المؤقت، مما يحوّل الثقافة إلى سلعة موسمية ومصدر ضغط على الإعلام أكثر من كونها قوة إنتاجية حقيقية.

قطاع الكتاب والنشر هو مثال آخر على الفشل البنيوي. سوق القراءة في المغرب ضعيفة، التوزيع محدود، دعم الكتاب موسمي، والمبادرات الفردية لا تستطيع الصمود أمام ضعف البنية التحتية، غياب التسويق، وغياب سياسات واضحة لدعم القراءة. وزارة الثقافة والجهات المشرفة على المشهد الثقافي تُعلن عن مشاريع ومهرجانات، لكنها تتغاضى عن بناء قاعدة مستدامة للقراءة، وعن تشجيع الناشر المحلي، وعن ربط الكتاب بالتعليم والبحث. النتيجة أن الكتاب غالبًا يصبح منتجًا موسميًا يُستهلك ثم يُنسى، ولا يتحول إلى قوة معرفية أو أداة للتغيير الاجتماعي.

الفنون المسرحية والموسيقية تتكرر فيها نفس الظاهرة. مشاريع الدعم لا تستمر طوال السنة، والمهرجانات تُغطي على هشاشة السوق الثقافي، والفنان والمثقف يعيش حالة عدم استقرار مهني مستمرة، لا يستطيع أن يكون منتجًا مستقلًا، ولا يُسهم في صناعة ثقافة وطنية مستمرة. المواطن يحضر مرة أو مرتين في السنة، ويعود إلى الفراغ الثقافي، وتظل الثقافة مركزة في المدن الكبرى، ما يزيد الهوة بين المواطن والفعل الثقافي، ويهمش المناطق الداخلية والقرى، ويكرّس الثقافة النخبوية الحضرية، بدل أن تكون أداة شاملة للتنمية الاجتماعية والمعرفية.

هذا الواقع له آثار مباشرة وصادمة على المجتمع. المواطن محدود الوعي الثقافي، هش من الناحية الفكرية، غير قادر على المشاركة النقدية، والفنان يعيش على هامش الحياة الثقافية بلا فرص إنتاج حقيقية. الثقافة تُفرغ من دورها التحرري، وتصبح ترفيهًا موسميًا، ويُكرس الريع الثقافي لنفس الأسماء والمشاريع، بينما تختفي التجديدات والابتكارات. المشاريع لا تراكمية، ولا يُقاس أثرها، والدولة تعطيها مساحة ضيقة في النموذج التنموي، وتظل الثقافة ملفًا ثانويًا، بعيدًا عن الاقتصاد والتعليم والسياسات العامة.

الآفاق المستقبلية تتطلب جرأة حقيقية: يجب أن تتحول الثقافة من مجرد إنفاق موسمي وعرض إعلامي إلى استثمار ثقافي حقيقي طويل المدى. هذا يعني دعم المقاولات الثقافية، خلق أسواق إنتاج حقيقية، ربط الثقافة بالتعليم والابتكار والسياحة، تمكين المبدعين المحليين، وإتاحة الفرص للمواطن ليكون جزءًا فاعلًا في العملية الثقافية. عندما يحدث هذا، لن تصبح الثقافة مجرد احتفال موسمي أو صورة إعلامية جميلة، بل قوة إنتاجية، ورافعة للتنمية البشرية، ومصدر تمكين للمواطن، وأداة لبناء هوية معرفية قوية للمجتمع.

المغرب يمتلك إمكانيات ثقافية هائلة، لكنه لا يزال يعيش بين إنفاق شكلي على الثقافة واستعراض موسمي بلا أثر. المواطن مستهلك، المبدع هش، والمجتمع ضعيف المناعة الفكرية. المستقبل يحتاج إلى إرادة ثقافية وسياسية جريئة تجعل من الثقافة استثمارًا حقيقيًا في الإنسان والمجتمع، لا مجرد ملف يُستعرض عند المناسبات ويُنسى بعدها. بدون هذه الجرأة، ستظل الثقافة المغربية واجهة جميلة بلا روح، ومواطن مستهلك بلا قوة، ومبدع هش بلا استدامة، وستتكرر الأزمة نفسها من موسم ثقافي إلى آخر، كما لو أن الفرجة حلّت محل الإبداع والمعرفة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة