بين الرائدة والخصوصي

بين الرائدة والخصوصي
السبت 4 يوليوز 2026 - 00:03

كلما أطلّ إصلاح تربوي جديد على الساحة، انبثقت معه أسئلة تبدو للوهلة الأولى عادية، لكنها حين تتأملها مليًا تجد فيها ما هو أعمق بكثير مما يوحي به سطحها. ومن أكثر الأسئلة التي تتردد في هذا السياق ذلك الذي يطرحه المهتمون بشؤون التعليم: إن كانت المدرسة الرائدة تُحقق فعلًا ما يُقال عنها، فلماذا لا يُلزَم بها التعليم الخصوصي أيضًا؟

وأنا هنا لا أرى في هذا السؤال طعنًا في المشروع، ولا موقفًا مسبقًا من التعليم الخصوصي. أراه في الحقيقة سؤالًا مشروعًا ينبع من رغبة حقيقية في فهم كيف تشتغل منظومتنا التعليمية، وما طبيعة العلاقة بين قطاعيها العام والخاص، وأين تقف صلاحيات الدولة في التدخل وأين تتوقف.

المدرسة المغربية عاشت على مدى عقود طويلة موجات متتالية من الإصلاح، كل واحدة منها تحمل في يدها مفتاح الجودة وترفع شعار رفع مستوى التلاميذ. وفي هذا السياق جاء مشروع المدارس الرائدة ليرسو على بعض الأسس التي يراها قاعدة لتجديد المدرسة العمومية: أساليب تدريس أكثر تجاوبًا مع الواقع، ومتابعة أقرب للتلميذ بشكل فردي، وأدوات تقييم أكثر دقة، وجعل المتعلم محور العملية لا هامشها.

وبغض النظر عن الآراء المتباينة حول هذا المشروع، يبقى شيء واحد راسخًا: الدولة لم تتعامل معه كمجرد إعلان نوايا، بل ضخّت فيه موارد مالية وبشرية وتنظيمية حقيقية، انطلاقًا من قناعة مفادها أن المدرسة لا تتغير بالخطاب وحده، بل تحتاج إلى نماذج ملموسة قابلة للاختبار والتطوير. ولذلك فإن التساؤل عن سبب عدم فرض هذا النموذج على التعليم الخصوصي يستحق أن يُناقش بهدوء، بعيدًا عن التشنج الذي كثيرًا ما يلوّن مثل هذه النقاشات.

والحقيقة أن ثمة فارقًا جوهريًا بين طبيعة القطاعين لا يمكن تجاهله. فالدولة تُدير المدرسة العمومية مباشرة، وهي من تعيّن معلميها وتضع مناهجها وتُشرف على كل تفصيل من تفاصيل اشتغالها. أما التعليم الخصوصي، فرغم خضوعه للقانون واحترامه للمناهج الرسمية والأهداف الكبرى التي تحددها الوزارة، فإنه يحتفظ بهامش من الاستقلالية في الاختيارات البيداغوجية وأساليب التدبير. وهذا ليس شذوذًا مغربيًا، بل نمط عالمي: الدولة ترسم الإطار العام، والمؤسسة الخاصة تملأه بما تراه مناسبًا ضمن حدود هذا الإطار.

من هذه الزاوية يتضح جزء كبير من الإجابة. فعدم فرض نموذج المدرسة الرائدة على الخصوصي ليس دليلًا على فشل المشروع، ولا هو رفض ضمني من القطاع الخاص. قد يكون ببساطة انعكاسًا للطبيعة القانونية والتنظيمية التي تحكم العلاقة بين الدولة والمؤسسات الخاصة، وللفلسفة العامة التي تقبل بتنوع أساليب العمل في التعليم ما دامت الغايات الكبرى محترمة.

يُضاف إلى ذلك أن المشروع نفسه ما زال في مرحلة التوسع داخل المدرسة العمومية. والإصلاحات الحقيقية لا تُقرأ نتائجها في السنوات الأولى، بل تحتاج إلى وقت كافٍ حتى يتبيّن أثرها الفعلي على ما يتعلمه التلاميذ وعلى مستواهم الحقيقي. فكيف يمكن الحديث عن تعميم نموذج ما زلنا نقيّم أداءه ونراكم حوله المعطيات؟

وثمة حقيقة أخرى ينبغي أخذها بعين الاعتبار: نجاح نموذج بعينه لا يعني أنه الطريق الوحيد. التجارب التعليمية المتميزة في العالم تُخبرنا أن الأهداف ذاتها يمكن بلوغها بطرق مختلفة. مدرسة تنجح بنهج معين، وأخرى تبلغ القمة بمقاربة مختلفة تمامًا. ما يهم في آخر المطاف هو ما يخرج به التلميذ من تعلمات حقيقية ومهارات تنفعه، لا ما يحمله المشروع من اسم أو ما تحمله اللافتة من بريق.

والخطأ الكبير هو أن نرى في المدرسة العمومية والمدرسة الخصوصية خصمين يتنافسان على شيء ما. كلاهما يؤدي رسالة وطنية واحدة: تعليم أبناء المغاربة وتهيئتهم لمستقبلهم. والتجربة أثبتت مرارًا أن المنظومة لا تربح حين ينتصر قطاع على آخر، بل حين تتكامل الأدوار وتتبادل الخبرات. والتعليم الخصوصي بدوره يراكم ممارسات وتجارب في مجالات عديدة، قد تكون المدرسة العمومية في حاجة إلى الاستفادة منها هي الأخرى.

لكن ما يجعل هذا السؤال أعمق من مجرد نقاش عن نموذج بعينه هو أنه يشير إلى إشكالية أوسع: كيف نُقيّم الإصلاحات التعليمية في المغرب؟ النقاش العمومي لدينا ينشغل كثيرًا بالحكم السريع: نجح أم فشل، صح أم أخطأ. وكان الأحرى أن ينشغل بسؤال أهم: ما الشروط التي تجعل أي إصلاح يصمد ويؤتي ثماره فعلًا؟ لأن الإصلاح التربوي ليس قرارًا يصدر من مكتب ويُطبَّق بمذكرة، بل هو عملية متشعبة تتقاطع فيها كفاءة المعلمين ومستوى تكوينهم، وجاهزية البنية التحتية، وثقافة المؤسسة نفسها، وانخراط الأسر، ودافعية التلاميذ قبل كل شيء.

لذلك ربما يكون الأجدى الآن، بدلًا من الانشغال بسؤال الفرض من عدمه، هو متابعة ما تُفضي إليه تجربة المدارس الرائدة على المدى البعيد، والنظر بصدق وموضوعية في ما تحقق فعلًا وما لم يتحقق. فإذا أثبتت الأيام أن ممارسات بعينها تنتج نتائج حقيقية ومستقرة، فلن تحتاج إلى قرار لكي تنتشر. الأفكار الناجحة تجد طريقها عادةً بالإقناع لا بالإكراه، حين يقتنع بها الناس ويرون بأعينهم ما تُحدثه من فرق.

أخيراً، ليس المعيار الأهم هو ما إذا كان نموذج ما مفروضًا على الجميع. المعيار الحقيقي هو شيء أبسط وأعمق في الوقت ذاته: هل تُعلّم مدارسنا جيدًا؟ هل تمنح أبناء المغاربة فرصًا متكافئة للتعلم والنجاح؟ هل تُعيد إلى الأسرة المغربية ثقتها في قدرة التعليم على صناعة مستقبل أفضل لأبنائها؟ حين تنجح المدرسة في كل هذا، أيًّا كان اسمها ولافتتها وقطاعها، يكون الرابح الحقيقي هو التلميذ المغربي. وهذا هو الهدف الذي ينبغي أن يظل راسخًا فوق كل جدل.

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي
كاتب ومدون

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ذكرى رحيل الحسن الثاني
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 12:04 2

ذكرى رحيل الحسن الثاني

صوت وصورة
نادية فتاح والرفع من الأجور
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 11:44 6

نادية فتاح والرفع من الأجور

صوت وصورة
البواري ودعم الفلاحين
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 08:42 2

البواري ودعم الفلاحين

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30 2

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 5

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09 1

شوكي: المواطن والمغرب العميق