ثمة أوقاتٌ تصبح فيها السياسة فنًّا قائمًا بذاته، لا لأنّها تُحْسِن دائمًا تدبير الواقع، وإنما لأنّها تُتْقِن، بمَهارة لافتة، إعادة صياغته بالكلمات. يكفي أن تقترب من موسم انتخابي حتى تشعر أن اللغة نفسها قد ارتدت بدلتها الرسمية، وربطتْ عنقها جيدًا، واستعدّت لإقناعنا بأن الغد لا يفصلنا عنه سوى خطابٍ بليغ ومنصّة مضاءة وصفّ من الكراسي المتحمِّسة.
ولأنني لم أشأ أن أبقى مجرد متفرّج في هذا الكرنفال البلاغي، قررت أن أدخل اللعبة بطريقتي: بقليل من الجدية، وكثير من السخرية التي لا تضرّ أحدًا.
برنامجٌ انتخابي لمْ يطلبْهُ أحَدٌ
بعد أن تعرّفتُ على الخطوط العريضة للبرامج الانتخابية للأحزاب، شعرتُ أنني تناولتُ وجبة سياسية دَسِمَة. وُعود بالجُملة، أرقامٌ تتكاثر كالأرانبِ، مشاريع تمتد من إصلاح المدرسة إلى إصلاح الطقس، وخُطط تجعلُ البَلد، على الوَرق، ينافسُ سويسرا صباحًا، سنغافورة بعدَ الظّهر، والدّول الإسكندنافية قبلَ العشاء.
أغلقتُ الأوراقَ قليلًا وقلتُ: لماذا أتركُ لهم وحدهم متعة كتابة البرامج؟ لماذا لا أكتبُ أنا أيضًا برنامجي الانتخابي؟ على الأقلّ سأعترفُ منذ البداية أنني أكتبه للتّسلية، ولن أطلبَ من أحَدٍ أن يصدّق أنني سأحوّلُ كلَّ مُواطن إلى مليونير في مئة يوم.
سأبدأ في برنامجي الانتخابي بأول إصلاح حقيقي: منْعُ استعمال عبارة “سنقُوم بـ ” أكثر من ثلاث مرات في الصفحة الواحدة. كل حزب يتجاوز الحصة يدفع غرامة عن كل وعْدٍ إضافي. ربما بهذه الطريقة نسدُّ جزءًا من عجْز الميزانية من كثرة الوُعود وحدها.
سأقترح أيضًا إنشاء وزارة جديدة اسمها “وزارة الوعود المفقودة”؛ مهمتها الوحيدة أن تجمع ما قيل في الحملات السابقة، وترتّبه حسب تاريخ الوفَاة السياسية، سيكون عندنا أرشيف ضخم: هنا وعْد بتوفير آلاف الوظائف، هناك وعد بإصلاح التعليم، وفي الرّف الأخير وعد قديم بتحسين الإدارة ما زال ينتظر دوره منذ أن كانت الملفات تُربط بالخَيْط الأحمر.
وسأفرض على كل مُرشّح يريد الحديث عن القدرة الشرائية أن يقضي أسبوعًا كاملًا براتب مواطن بسيط في إدارة نائية. يذهب إلى السوق بنفسه، يدفع فاتورة الكهرباء، يملأ خزان السيارة، يشتري دواءً، يحاول ادخار شيء آخر في نهاية الشهر.
بعد ذلك يمكنه أن يعود إلى التلفزيون ويشرح لنا نظرياته الاقتصادية؛ وإذا بقيت لديه القدرة على الابتسام، نمنحه خمس دقائق إضافية في المناظَرة التلفزية.
أما من يعِدُ بإصلاح التعليم، فسأرسله أولًا إلى مدرسة عمومية في صباح شتوي. يجلس في القسم، يسمع الجرس، يرى الاكتظاظ، يتحدّث مع المدرس، يحملُ محفظة تلميذ، ثم يكتب برنامجه. أريد برنامجًا خرجَ من القسم، لا من غُرفة مكيفة اجتمَع فيها عشرة خبراء أمام قناني الماء المعدنية.
ومن يعد بإصلاح الصّحة، سأطلب منه أن يحاول أخذ موعد طبي مثل أي مواطن. يدخل من الباب، يأخذ الرقم، وينتظر. عندها فقط سأستمع باهتمام إلى حديثه عن “المنظومة الصحية الجديدة”.
البرنامج الذي لن يفوز… لكنّه سيقولُ الحقيقة
سأخصّص في برنامجي الانتخابي فصلًا كاملًا لمحاربة “اللغة السّياسية الغامضة”. سأمنع عبارات مثل “تنزيل الرؤية”، “تعزيز الالتقائية”، “إرساء الحكامة”، “تسريع الدينامية”، ذلك أن المواطن يريد أن يعرف شيئًا بسيطًا:
ماذا ستفعل؟ متى؟ بكم؟ ومن سيحاسبك إذا لم تفعل؟ أما “تعزيز دينامية تنزيل الرؤية المندمجة”، فهذه جملة تستطيع أن تدخل بها إلى أي اجتماع رسمي وتخرج من دون أن يعرف أحد ماذا قلت.
سأُحْدِثُ كذلك “هيئة مستقلة لقياس المسافة بين الخطاب والواقع”. نضع المرشح أمام شاشة كبيرة، نشغّل له تصريحاته القديمة، ثم نطلب منه تفسير الفروق. إذا قال: “أُخرجَ كلامي من سياقه”، نعرض السياق كاملًا. إذا قال: “الظرفية تغيّرت”، نعرض له تصريحًا آخر قال فيه إنه مستعد لكل الظروف. وإذا قال: “لم أقل هذا”، نرفع الصوت قليلًا.
وفي برنامجي الانتخابي بنْدٌ خاصّ بالمناظرات الانتخابية. أي مرشح يقاطع منافسه عشر مرات، يتكلم الدقيقة الحادية عشرة وهو يرتدي سماعات تمنعُه من سماع صوته… لعل التجربة تساعده على اكتشاف ما يعانيه المشاهد منذ بداية الحلقة.
كما سأقترح توزيع كتيِّب صغير على المواطنين خلال الحملة عنوانُه: “كيف تعرف أن الانتخابات اقتربت؟”؛ من العلامات المعروفة أن السياسي يتذكر فجأة الأسواق والأحياء الشعبية، يكتشف المقاهي، يصافح الجميع بحرارة، يحمل طفلًا لا يعرف اسمه، يتذوَّق خبزة في السوق وكأنه اكتشف القمح لأوّل مرة، ثم ينظر إلى الكاميرا بنظرة رجل أمضى حياته كلها بين الباعة المتجوِّلين.
ولن أنسى ملفّ التشغيل. كلّ حزب يعِدُ بمئات آلاف الوظائف سيضع إلى جانب الرّقم جدولًا صغيرًا: أين؟ في أيّ قطاعات؟ بأيّ أجور؟ ومن أين سيأتي التّمويل؟ لن نقبل بعد اليوم الأرقام التي تهبطُ من السماء في موسم الانتخابات.
أما الضرائب، فسأجعل الحديث عنها صريحًا. من يريد خفضها يقول لنا ما الذي سيخفضه من النفقات. من يريد رفع الإنفاق يقول لنا من سيدفع. انتهى زمن البرنامج الذي يخفض الضرائب، يرفع الأجور، يزيد الدعم، يبني المستشفيات، يصلح المدارس، يضاعف الاستثمارات، ويحافظ في الوقت نفسه على ميزانية رشيقة تشبه عارضة أزياء.
من البرنامج الانتخابي إلى الأدب الخيالي
وفي نهاية برنامجي الانتخابي، سأضع مادة قانونية صغيرة من ابتكاري وصياغتي: كلُّ وعْد انتخابي يجبُ أن يحمل تاريخ انتهاء الصلاحية. إذا لم يتحقق في الموعد، ينتقل آليًا من خانة “البرنامج” إلى خانة “الأدب الخيالي”.
بعد كل هذا، اكتشفتُ أن برنامجي قد يكون غير واقعي هو الآخر. الفرق الوحيد أنني أعرف ذلك، وأعترفُ به، ولا أطلبُ من النّاس أن يصفِّقوا لي وأنا أشرحُ لهم كيف سأُصلحُ الاقتصاد والتعليم والصحة والإدارة والطرق والبطالة والمناخ في ولايةٍ واحدة.
أُصَارحُكمْ، أنّني كتبتُ هذا البرنامج فقط لأخفِّف عن نفسي ثقلَ الكلام السّياسي الجادّ. يبدو أن متابعة البرامج الانتخابية تحتاجُ بين الحِين والآخر إلى جُرعْة من التَّفَكّهِ حفاظًا على ضَغط الدّم، وعلى ما تبقّى من حُسن الظّنِّ.
على أنني لا أخشى، طبعا، كثرة الوعود بقدر ما أخشى سُهولة نِسْيانها. فالوُعُود الانتخابية كائناتٌ موْسميّة: تُولدُ تحت الأضواء، تكبرُ أمام الميكروفونات، ثمّ تختفي بهدوء بعد إغلاق صناديق الاقْتراع.
وحده المواطن يبقى في مكانه، يحملُ الفاتورة، ويبحثُ في ذاكرته عن جُملة سمعها ذات مساء تبدأ بـ”سنقوم بـ…”؛ وربما لهذا لا نحتاجُ في المواسم الانتخابية إلى مزيد من البرامج بقدر ما نحتاج إلى ذاكرةٍ أطوَلَ، وأسئلةٍ أقصرَ، وتصْفيقٍ أقلَّ.
هَذا بَرْنامَجي الانْتِخابي… أمّا الوَاقعُ، فلَهُ مِنّي أصْدقَ الاعْتِذار.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديثٍ آخر.
يضحكون على انفسهم وعلى المواطنين . لن يف اي حزب بوعوده لسبب واحد هو انه لن يحصل على أغلبية الأسواء وأكبر عدد من النواب يسمح له بتشكيل حكومة . التقطيع الانتخابي وكثرة الاحزاب تفرض تحالفات وحينذاك تنسى الاحزاب جميعها وعودها وتبحث عن حقائب وزارية
ها وجهي ها وجههم.أتحداهم أجمعين أن يستطيع حزب واحد فيهم الرفع من السميك والزيادة فيه،لأن ذاك يتطلب دراسة وإحصاء وتتبع وتقييم للميزانية وجمع عدد الأجراء والموظفين وتقسيم الميزانية المخصصة على عدد الحسابات البنكية،والتخلص أولا من المديونية التي أغرقت كاهل البلاد من طرف صندوق النقذ الدولي…!؟هذا يسمى استغباء وضحك على الدقون…كل واحد يلغي بلغاه.هناك من زاد في السميك 1000درهم وهناك من زاد2000درهم وهناك من زاد3000درهم….ههههههه.ياسلام.اللسان مافيه عظام!!!؟لكن الواقع من يزيح الضبابية على الأعين.اتقوا الله وباركة من لكذوب،وكفى من توزيع الاحلام الوردية على الطبقات الهشة،التي أنهكها الفقر،وجعلها تصدق كل كلام معسول.الله غالب الطالب.الاساس هو أن تكون النية الصافية الصادقة للتغيير والعمل بجد وبلا مراوغات وانتهازية وتحقيق المآرب الشخصية.اذا استطعنا تحقيقها،فالسميك سيزداد اوتوماتيكيا،وسيتحسن الدخل الفردي مباشرة…لاتزرعوا رؤوسكم في الرمال كالنعام وتظنون نفوسكم محميين.ان غدا لناظره قريب.!!!
بعدما شاهدنا اقبح حكومة في تاريخ البلد ها نحن نلاحظ اكفس حملة انتخابية في تاريخ السياسة في المغرب مستوى بئيس وضعف رهيب وعبث وبلادة وكذب ومحاولة نصب واختيال ووعود وهمية واحتقار للإنسان المغربي والتقليل من اعتباره
والله العظيم في هذ البرنامج الانتخابي أشياء زوينة تصلح للأحزاب يفكرو فيها أنا بعدا نصوت عليه عجبني بزاااف