تحديد المدارات الحضرية..

تحديد المدارات الحضرية..
الخميس 27 مارس 2025 - 09:21

يندرج تحديد المدارات الحضرية ضمن إطار أعم يتعلق بالأهمية المتزايدة لتعريف المجال وتحديده، لاعتبار ذلك ضرورة يمليها موقع المجال ضمن مختلف سياسات الدولة، سواء تعلق الأمر بالسياسات العمومية الخاصة بإعداد التراب أو التخطيط العمراني أو التدبير العقاري، أو بباقي السياسات العامة أو العمومية أو القطاعية.

إذ يشكل المجال الفضاء الذي تطبق فيه “السياسات العامة للدولة”، كتلك المتعلقة على سبيل المثال بتعزيز دسترة البعد الاجتماعي للدولة المغربية وفقا لدستور 2011، من خلال سعي البرامج الحكومية لتنزيل التوجهات المعتمدة بالمجالس الوزارية، كأن يتعلق الأمر بتسهيل ولوج المواطنين إلى مختلف الخدمات وعلى وجه التساوي، ومن ذلك حق الولوج إلى السكن مع ما رافقه من إقرار الدعم المباشر للدولة، وتكريس العدالة المجالية عبر مواصلة تنزيل الجهوية المتقدمة، وكذلك تفعيل برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية.

كما يشكل المجال الوعاء الذي تبنى عليه “السياسات العمومية” في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، كأن يتعلق الأمر بتفعيل ورش الجهوية المتقدمة باعتبارها دعامة أساسية للعدالة المجالية، مع ما واكبها من سن القوانين التنظيمية الخاصة بالجماعات الترابية، وكذا المرسوم بمثابة ميثاق وطني للاتمركز الإداري وغيرهما، وذلك في سياق من التوطين الترابي للسياسات العمومية، والذي يقتضي الأخذ بعين الاعتبار للخصوصيات الجهوية والإقليمية، مع ما يضمنه ذلك من التقائيتها وتجانسها وتكاملها على مستوى الجهات والعمالات والأقاليم، وتحقيق التعاضد في وسائل تنفيذها.

هذا فضلا عما تفترضه السياسات القطاعية باعتبارها سياسات مرتبطة بالقطاعات الحكومية المختلفة حسب الاختصاص، من الانسجام مع باقي السياسات في إطار من التضامن الحكومي، والتي تجعل المجال فضاء لتحقيق التنمية والاستجابة لتطلعات المواطنين، بالنظر لاعتبار الإطار الجهوي يشكل النموذج الأنسب الذي تنهجه الدول المعاصرة في إعداد المجال، لما يوفره من الأرضية اللازمة لإعداد وتنفيذ السياسات الحكومية، وبلورة انشغالات السكان على الصعيد المحلي، وإشراكهم في اتخاذ القرارات بما يناسب الإمكانيات الحقيقية لكل مجال، وبما يضمن من سبل تعزيز التنمية واستدامتها.

وفقا لذلك، يظهر المجال باعتباره عاملا محددا في إعداد السياسات المختلفة، ويرجع ذلك إلى أن هذه السياسات إنما تبنى في سياق مجالي يقتضي التفكير في شروط إعدادها، على اعتبار أنها نتاج بنى، أو نتاج تفاعلات، أو كليهما معا، وهو ما يستدعي في كل الأحوال ربطها بالشروط المجالية. ويعني هذا، أن المجال ليس معطى جامدا ينتمي إلى الطبيعة ومستقلا في وجوده عن الإنسان، بل إنه شرط الوجود الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وهو ما يعطي المجال دلالته الإنسانية المفترضة.

وهو ما يجعل من المقاربة القانونية في التفاعل مع المجال تنظر في العلاقة المركبة بين النظام القانوني والمجال الاجتماعي، وذلك بما يفترض تفعيل التفكير القانوني بوصفه المجال الذي يتوسل في اشتغالاته بمنطق القانون، من خلال الارتقاء من النص إلى المقصد الذي قاد إلى صياغة النص وساق إليه، والذي يعبر عنه بإرادة المشرع أو بمبدأ القانون نتاجا مجتمعيا، وهي العلاقة المركبة -بين القانوني والاجتماعي- التي من شأن تفعيلها الاستجابة لتحدي المواءمة في المنظومة التشريعية والتنظيمية والإجرائية التي تعد اختبار كفاية وكفاءة قانونية تتعدى أن تكون مسألة إخراج أو صياغة قانونية.

ضمن هذا السياق يمكن مقاربة المجال قانونيا من خلال القانون الدستوري والقانون الدولي العام، وفقا لاتفاقية مونتيفيديو لسنة 1933، حيث الإقليم باعتباره العنصر المادي للدولة يرادف معنى المجال الأقرب للمجال بمعناه القانوني في إطار إعداد التراب.

أما في مشروع قانون إعداد التراب رقم 13-50، فإنه يغيب التعريف الدقيق للمجال، إذ يَعتبر المجال هو سائر التراب الوطني، بمقوماته المادية الماثلة في الحيز الجغرافي الذي يمكن من تعزيز التنسيق بين مختلف السياسات والتدخلات، في إطار يتجاوز المقاربة القطاعية ويستهدف تكامل المجالات الترابية.

أما في ما يخص قوانين التعمير، فإنها تعتبر المجال نطاقا لتطبيق قوانين التعمير، وذلك عندما يتعلق الأمر باختيار التكتلات العمرانية المعنية بالتغطية بوثائق التعمير. وهنا يمكن الإحالة أساسا إن لم يكن حصرا على المواد 1، 4، 11 من قانون 12.90 المتعلق بالتعمير. فيما حدد ظهير 1960 بشأن توسيع نطاق العمارات القروية المجال-النطاق المكاني، في كل العمارات والنطاقات الترابية خارج تحديد المادة الأولى من القانون 90.12. كما أنه، وبالنظر للغموض الذي يعتري تحديد النطاق المكاني، فقد حدد المنشور الوزيري المؤرخ في 29 مارس 1979 معايير اختيار المراكز القروية، وذلك بما يدفع إلى قناعة مفادها أن النطاق الترابي المشمول بتصاميم التنمية يدور ضيقا أو اتساعا تبعا لارتقاء الكتل العمرانية القروية إلى درجة المركز المحدد الخاضع لتصاميم التهيئة المؤطرة بالقانون 90.12، وفقا لما يمكن التعبير عنه بأن العالم الحضري يتوسع على حساب المناطق القروية، وبالموازاة مع ذلك يتوسع فضاء قانون التعمير.

وإلى جانب معايير التمييز بين المجال الحضري والقروي، والتي تتحدد في المعيار الديمغرافي-الإحصائي، حيث أنه على قدر الكثافة السكانية يتم تحديد المجال كونه حضريا أو قرويا، أو في معيار طبيعة النشاط الاقتصادي السائد، أو في المعيار الإداري الذي يترجم سياسة الدولة وتنظيمها الإداري، وفقا لما اشترطته المديرية الوطنية للإحصاء من نسبة معينة من التجهيزات والمرافق العمومية ونسبة 50% من الساكنة النشيطة، فإن قانونا كقانون التقطيع الترابي، وذلك من خلال مجموعة من النصوص التنظيمية التي لها صلة مباشرة بالتقسيم الترابي، يعد المجال مجموعة من الوحدات الإدارية التي تتشكل داخل الفضاء الترابي. ومن ذلك ما نص عليه الباب التاسع-الفصل 135 من الدستور، وكذا القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية.

فيما يقسم قانون الانتخابات المجال، من خلال القانون التنظيمي رقم 59.11، المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، وفقا للكثافة السكانية، حيث يقسَّم المجال إلى أنماط الاقتراع وفقا لعدد المقاعد المخصصة لكل حيز مكاني ومجالي على حدة.

وفي إطار من التفصيل الذي يعكس أهمية القانون 131.12 المتعلق بمبادئ تحديد الدوائر الترابية للجماعات الترابية – في علاقة بموضوعنا – والذي تنص المادة الأولى منه على أن هذا القانون “يهدف وفقا لأحكام الفصل 71 من الدستور، والذي ينص بدوره على أنه يختص القانون 131.12، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة، بالتشريع في ميادين النظام الانتخابي للجماعات الترابية ومبادئ تقطيع الدوائر الانتخابية، إلى وضع مبادئ تحديد الدوائر الترابية للجهات والعمالات والأقاليم والجماعات، قصد إحداث جماعات ترابية قابلة للدوام والاستمرار، بالنظر إلى مؤهلاتها ومكوناتها الترابية، بغية إقامة تنظيم ترابي لامركزي قائم على جهوية متقدمة في إطار الدولة الموحدة”.

كما تنص المادة السابعة من القانون نفسه (131.12)، على “إحداث الجماعات وتحديد تسمياتها بمرسوم يتخذ باقتراح من وزير الداخلية. وتعين بقرار لوزير الداخلية، الحدود الترابية للجماعات، وعند الاقتصاد، مراكزها. كما يحدد داخل كل جماعة معنية، بقرار لوزير الداخلية، مدار حضري يشمل كليا أو جزئيا النفوذ الترابي للجماعة، ويعتبر الجزء الباقي من تراب الجماعة قرويا”.

وفي صلة بذلك، يمكن الإشارة إلى الدورية المشتركة بتاريخ أبريل 2022، حول منح شهادة عدم الصبغة الفلاحية كاختصاص حصري للجن الجهوية الموحدة للاستثمار بموجب القانون رقم 47.18، المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار وبإحداث اللجان الجهوية للاستثمار، وكذا المرسوم رقم 683-04-2 دجنبر 2000، المتعلق باللجنة الجهوية المكلفة ببعض العمليات العقارية، وذلك في سياق من إقرار التوازن بين توفير حد معقول من السيادة العقارية على الأراضي الفلاحية وبخاصة ذات المؤهلات العالية وبين تشجيع الاستثمار.

وارتباطا بتحديد المجال، ساهمت الدورية من جهتها في مواءمة المنظومة التشريعية والتنظيمية والإجرائية المتعلقة بهذا التحديد، وذلك بالحسم في اختلاف التفسير بين عدم حجية المنح والإدلاء بالشهادة في المناطق المشمولة بوثيقة تعمير، أو بتجزئات سكنية مرخصة ومسلمة ومفرزة الرسوم العقارية، أو مشاريع مندمجة مرخصة تنزع عنها الصبغة الفلاحية من جهة، ووجوب الحصول على الشهادة عند طلب اقتناء العقارات الفلاحية الواقعة كلا أو جزءا خارج المدار الحضري من جهة أخرى. وكنتيجة لذلك، تتحدث الدورية عن التسليم التلقائي للشهادة، وعلى وجه الوجوب، بالنسبة للعقارات الواقعة خارج المجال الحضري.

على هذا النحو، فإن اعتماد التغطية بوثيقة التعمير يعد معيارا معتبرا لتحديد المجالات الحضرية والقروية بالتبع – كما أشارت إلى ذلك الدورية المذكورة – ومن ثمة فإن تحديد المدارات الحضرية كما القروية وفقا لمقتضيات القانون المشار إليه سلفا رقم 131.12، والذي ينص في الفقرة الثالثة من مادته السابعة على أنه “يحدد داخل كل جماعة معنية، بقرار لوزير الداخلية، مدار حضري يشمل كليا أو جزئيا النفوذ الترابي للجماعة، ويعتبر الجزء الباقي من تراب الجماعة قرويا”، إنما يفهم في سياقه المتعلق بمواكبة التنظيم الإداري والترابي لمشروع الجهوية المتقدمة واللامركزية الموسعة، وكذا للاستحقاقات الانتخابية المتواترة، والتي تستدعي في غير ما مرة إلى هيكلة نواحي من التنظيم الإداري على مستوى تحديد الحدود الترابية للجماعات بناء على قرارات وزير الداخلية، ومنها القرار المشار إليه، والذي يحمل رقم 2354.12، الصادر بتاريخ 23 يونيو 2015 ضمن سياق:

– تبني المغرب لتقسيم ترابي جديد قلص من عدد جهات المملكة لتنتقل من 16 إلى 12 جهة، وذلك وفق المرسوم رقم 2.15.40 الصادر بتاريخ 20 فبراير 2015، والذي يحدد عدد الجهات وتسمياتها ومراكزها والعمالات والأقاليم المكونة لها؛

– صدور القوانين التنظيمية الثلاثة المتعلقة بالجماعات الترابية بتاريخ 07 يوليو 2015، وذلك – بعد 13 يوما من تاريخ صدور القرار المذكور –
– صدور الظهير الشريف رقم 1.15.90 بتاريخ 16 يوليوز 2015 بتنفيذ القانون 59.11 المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية، وذلك في ما يفهم من مضمون الظهير وتاريخه – بعد 22 يوما من تاريخ صدور القرار المذكور – أن الأمر يتعلق بتنظيم الانتخابات؛

– ولا أدل على ذلك من استناد القرار المذكور لوزير الداخلية في جزء من ديباجته على المرسوم رقم 2.15.402 الصادر – بيوم واحد قبل تاريخ صدور القرار المذكور – وذلك بتاريخ 22 يونيو 2015، المحددة بموجبه، بحسب العمالات والأقاليم، قائمة الدوائر والقيادات والجماعات بالمملكة وعدد الأعضاء الواجب انتخابهم في مجلس كل جماعة.

ومن ثمة، تظهر ضرورة فهم القرار المذكور، في جزئه الخاص بتحديد المدارات الحضرية، في تكامل مع مسطرة تحديد دوائر الجماعات الحضرية والمراكز المحددة وتغييرها، وفقا للقانون رقم 12.90 المتعلق بالتعمير، والمرسوم الصادر بتطبيقه، وكذا الدورية عدد 245 بتاريخ 25 أكتوبر 1994 المتعلقة بتحديد أو تغيير دوائر الجماعات الحضرية والمراكز المحددة. إذ يعتبر تحديد دوائر الجماعات الحضرية والمراكز المحددة الأساس لإعداد وثائق التعمير، كما يمكن الإدارة من مراقبة عمليات البناء والتجزيء والتقسيم، وكذا التعرف على حجم المداخيل الضريبية.

وتتأكد هذه الضرورة سيما وأن الأمر يتعلق بقرار وزاري أدنى في التراتبية القانونية من الإطار المنظم لمسطرة تحديد المدارات الحضرية والذي يشمل – إلى جانب ما سلف ذكره – الظهير الشريف رقم 1.59.351 الصادر في 2 ديجنبر 1959 بشأن التقسيم الإداري للمملكة، كما وقع تغييره وتتميمه. هذا فضلا عن كون المصادقة على مشروع تحديد المدار الحضري وتغييره تتم بموجب مرسوم يتخذ باقتراح من السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير، بعد استطلاع الآراء المختلفة التي تشمل وجوبا رأي وزير الداخلية، وذلك سواء تعلق الأمر بمركز محدد أو بجماعة حضرية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 15

المنصوري تصل إلى موسكو

صوت وصورة
"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 11:36 5

"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث