تحولات الخريطة الحزبية

تحولات الخريطة الحزبية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:02

تحولات الخريطة الحزبية في المغرب: من التصويت العقابي إلى إعادة تركيب الاصطفافات السياسية

تعيش الخريطة الحزبية في المغرب تحولات يمكن وصفها، مجازًا، بأنها “تكتونية”؛ ليس فقط بسبب انتقال الصدارة من حزب إلى آخر، وإنما لأن هذه التحولات تكشف عن إعادة تركيب تدريجية للعلاقة بين الناخب والحزب والمرشح، وبين المستوى الوطني للمنافسة السياسية والمستوى المحلي الذي تلعب فيه شبكات الوساطة والنخب الانتخابية دورًا حاسمًا.

فالخريطة الحزبية لا تتشكل باعتبارها انعكاسًا آليًا لإرادة الناخبين، وإنما تنتج عن تفاعل معقد بين الهندسة الانتخابية، وسلوك الناخبين، والأداء الحكومي، والقدرات التنظيمية للأحزاب، وشبكات النخب المحلية، والموارد الاقتصادية والاجتماعية، والتحولات التي يعرفها المجال السياسي.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى انتخابات 2021 و2026 بوصفهما مجرد محطتين لتسجيل عدد المقاعد التي حصل عليها كل حزب، وإنما باعتبارهما لحظتين كاشفتين عن ديناميات أعمق: العقوبة الانتخابية، والتقلب الانتخابي، والتصويت الاستراتيجي، والوساطة المحلية، والزبونية، وإعادة بناء الهوية الحزبية.

وتفيد الأدبيات المقارنة بأن النظام الحزبي لا يتحدد بالانتخابات وحدها، بل يتأثر كذلك بقواعد المنافسة الانتخابية وبالروابط التي تنشأ بين الأحزاب والناخبين. فـNorris تؤكد أن الهندسة الانتخابية تؤثر في أنماط المنافسة الحزبية والتمثيل، بينما يميز Kitschelt بين الروابط البرامجية والزبونية والشخصانية التي يمكن أن تربط السياسيين بالناخبين.

ومن هنا يمكن صياغة الإشكالية المركزية على النحو الآتي: إلى أي حد تعكس التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية المغربية منذ 2021 تغيرًا في تفضيلات الناخبين، وإلى أي حد تنتج عن إعادة تشكيل قواعد المنافسة الانتخابية وشبكات الوساطة والنخب المحلية واستراتيجيات الأحزاب؟

1: الهندسة الانتخابية وإعادة توزيع التمثيل

يمثل النظام الانتخابي نقطة الانطلاق لفهم الخريطة الحزبية، لأن الانتخابات لا تعمل في فراغ مؤسسي؛ فالقواعد التي تحدد كيفية تحويل الأصوات إلى مقاعد تؤثر بصورة مباشرة في فرص الأحزاب وفي طبيعة المنافسة بينها. وتؤكد مقاربة الهندسة الانتخابية عند Pippa Norris أن القواعد الانتخابية لا تقتصر آثارها على توزيع المقاعد، وإنما تؤثر في سلوك الأحزاب والناخبين وفي طبيعة النظام الحزبي نفسه.

وفي الحالة المغربية، شكل اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات الصحيحة في انتخابات 2021 تحولًا مهمًا في آلية توزيع المقاعد. وقد أدى ذلك إلى إعادة صياغة العلاقة بين حجم التصويت وحجم التمثيل، وقلل من إمكانية تحويل التفوق النسبي في الأصوات إلى هيمنة مماثلة على المقاعد. غير أن القراءة السوسيولوجية لهذا التعديل تقتضي تجاوز التفسير التقني. فالقانون الانتخابي لا يحدد وحده من يفوز، وإنما يعيد توزيع قيمة الأصوات والحوافز الاستراتيجية للأحزاب والمرشحين.

وهنا تلتقي الهندسة الانتخابية مع مفهوم التصويت الاستراتيجي. فالناخب لا يختار دائمًا الحزب الذي يمثل تفضيله الأول، وإنما قد يختار الحزب الذي يراه أكثر قدرة على الفوز أو على تحقيق نتيجة عملية في دائرته. وقد أظهرت دراسات تطبيقية على المغرب أن قواعد النظام الانتخابي يمكن أن تؤثر في الحوافز التي تدفع الناخبين والأحزاب إلى سلوك استراتيجي، خصوصًا في ظل تجزؤ المنافسة الحزبية.

وبذلك يصبح الناخب المغربي أمام حساب مزدوج: “من أفضّل؟” و”من يستطيع أن يفوز؟”. وهذا الانتقال من التصويت التفضيلي إلى التصويت الاستراتيجي يمثل أحد مفاتيح فهم بعض التحولات في الخريطة الانتخابية.

2: من التصويت العقابي إلى الناخب بوصفه فاعلاً تقويمياً

إذا كانت الهندسة الانتخابية تحدد جزءًا من شروط المنافسة، فإن التصويت العقابي يفسر جزءًا من حركة الناخب داخل هذه المنافسة. ويقصد بالتصويت العقابي أن يستخدم الناخب الانتخابات لتوجيه رسالة سلبية إلى الحزب الحاكم أو إلى النخبة السياسية التي يعتبرها مسؤولة عن تدهور أوضاع اقتصادية واجتماعية معينة.

وتقدم انتخابات 2021 مثالًا بارزًا على هذه الآلية، إذ عرف حزب العدالة والتنمية تراجعًا انتخابيًا حادًا بعد عقد من المشاركة في قيادة الحكومة. ولا يعني ذلك أن كل ناخبي الحزب السابقين انتقلوا إلى حزب واحد، وإنما يمكن فهم التحول بوصفه تفككًا لائتلاف انتخابي كان يجمع دوافع أيديولوجية وأخلاقية واجتماعية وسياسية مختلفة. وهنا يصبح مفهوم التقلب الانتخابي Electoral Volatility أكثر دقة من الحديث عن “انهيار حزبي” مجرد.

فـPedersen اقترح قياس التقلب الانتخابي باعتباره صافي التغير في حصص الأحزاب بين انتخابين متتاليين، وهو مفهوم يسمح بتمييز النظام الحزبي المستقر عن النظام الذي تعرف قواعده الانتخابية انتقالات واسعة بين الأحزاب.

وبهذا المعنى، يمكن التعامل مع انتقال حزب العدالة والتنمية من 125 مقعدًا سنة 2016 إلى 13 مقعدًا سنة 2021 بوصفه انهيارًا انتخابيًا شديدًا، وليس مجرد خسارة انتخابية عادية. غير أن العودة اللاحقة، وفق معطيات 2026 المعتمدة في هذا المقال، تفرض إعادة النظر في مفهوم الانهيار ذاته: هل كان انهيارًا نهائيًا للقاعدة الاجتماعية للحزب، أم مجرد إعادة توزيع مؤقت للولاءات الانتخابية؟

هذه النقطة بالذات تجعل تجربة العدالة والتنمية ذات أهمية سوسيولوجية؛ إذ يبدو أن جزءًا من الناخبين لم يتخلَّ نهائيًا عن الحزب، بل أعاد تعريف العلاقة معه في ضوء موقعه الجديد في المعارضة.

3: هل نحن أمام “إعادة اصطفاف حزبي”؟

يفترض مفهوم إعادة الاصطفاف الحزبي Partisan Realignment حدوث تحول يتجاوز انتقال الأصوات في انتخابات واحدة؛ أي تغيرًا أكثر دوامًا في علاقة قطاعات اجتماعية معينة بالأحزاب وفي بنية المنافسة السياسية. وتعود جذور هذا التصور إلى أدبيات Key ثم إلى المقاربات التاريخية-السوسيولوجية عند Lipset وRokkan. فقد ربط Lipset وRokkan استقرار الأنظمة الحزبية الأوروبية ببنى الانقسام الاجتتماعي والسياسي، معتبرين أن أنظمة الأحزاب تتجذر في صراعات اجتماعية وتاريخية طويلة الأمد.

لكن تطبيق هذه المقاربة على المغرب يتطلب الحذر؛ إذ لا يمكن افتراض وجود الانقسامات الطبقية أو الدينية أو الأيديولوجية نفسها التي أنتجت أنظمة الأحزاب الأوروبية. لذلك، قد يكون الأدق الحديث عن “إعادة تركيب الاصطفافات الانتخابية” بدل “إعادة اصطفاف حزبي مكتملة”.

فما نلاحظه منذ 2021 هو انتقال جزء من الناخبين بين أحزاب مختلفة، وتراجع الولاءات الحزبية الثابتة، وتزايد أهمية تقييم الأداء الحكومي، إلى جانب استمرار أثر الروابط المحلية والشخصانية. وبالتالي، فإن الخريطة الجديدة قد لا تكون قد استقرت بعد؛ وإنما توجد في حالة “سيولة انتخابية” (Electoral Fluidity) تعبر عنن حالة عدم الاستقرار أو التقلب في خيارات الناخبين ومواقفهم السياسية قبل بدء الاقتراع . ويعني ذلك أن شريحة واسعة من الكتلة الناخبة لا تملك ولاءً حزبيّاً ثابتاً، وتظل مترددة أو قابلة لتغيير رأيها بسرعة بناءً على مجريات الحملات الانتخابية) تسمح بانتقال القوة من حزب إلى آخر دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيرًا عميقًا ودائمًا في البنية الاجتماعية للناخبين.

4: التنظيم الحزبي وإعادة بناء القاعدة الانتخابية

لا يمكن فهم التحولات الانتخابية فقط من خلال الناخب؛ فالحزب نفسه فاعل استراتيجي يعيد بناء خطابه وتنظيمه وتحالفاته. وهنا تفيد أعمال Herbert Kitschelt في مفهوم روابط الحزب بالناخبين. فهو يميز بين ثلاثة أنماط رئيسية: الروابط البرامجية، والروابط الزبونية، والروابط الشخصية/الكاريزمية. كما يؤكد أن هذه الروابط يمكن أن تتعايش داخل النظام السياسي نفسه بدل أن تكون متعارضة بالضرورة.

وتسمح هذه المقاربة بفهم التحول الذي يطرأ على الحزب عندما ينتقل من الحكومة إلى المعارضة. فالحزب الحكومي يعتمد بدرجة أكبر على الإنجاز والسياسات العمومية لتبرير شرعيته الانتخابية، بينما يستطيع الحزب المعارض إعادة بناء علاقته بالناخب عبر النقد والمساءلة والاحتجاج. ومن هنا يمكن قراءة عودة حزب العدالة والتنمية، وفق معطيات 2026 المعتمدة، باعتبارها محاولة لإعادة تفعيل الرابطة الهوياتية والتنظيمية التي تضررت خلال سنوات الحكم. فالانتقال إلى المعارضة لا يعني فقط فقدان السلطة؛ وإنما يمكن أن يعيد للحزب وظيفة سياسية كان قد فقد جزءًا منها أثناء ممارسة الحكم: وظيفة الاعتراض والمساءلة والتعبئة.

5: الأعيان والوساطة الانتخابية: حين يصبح المرشح أهم من الحزب

إذا كانت الأدبيات الكلاسيكية تفترض أن الأحزاب هي الوسيط الرئيسي بين المواطن والدولة، فإن الواقع الانتخابي المغربي يكشف عن استمرار أهمية الوساطة المحلية. وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات: الحزب الوطني، والمرشح المحلي، والوسيط الانتخابي.

فقد يمتلك الحزب خطابًا وطنيًا وبرنامجًا سياسيًا، لكن المرشح المحلي قد يمتلك بدوره شبكة علاقات أكثر تأثيرًا في القرار الانتخابي داخل الدائرة. وقد تناولت دراسات حول المغرب دور الأعيان والنخب المحلية والزبونية والعلاقات الشخصية في المنافسة الانتخابية، معتبرة أن هذه الشبكات لا تزال عنصرًا مهمًا في إنتاج الدعم والتمثيل السياسي.

وتزداد أهمية هذه الفكرة في ضوء الدراسات الحديثة حول انتخابات المغرب، التي تميز بين قدرة الحزب على إنتاج خطاب وطني، وقدرة المرشح على بناء شبكة محلية، وقدرة التنظيم على تحويل الموارد المتاحة إلى أصوات يوم الاقتراع. وبذلك فإن الوساطة الانتخابية لا تعني بالضرورة شراء الأصوات؛ فقد تكون في صورة تسهيل الوصول إلى الإدارة، أو حل مشكلات فردية، أو توفير خدمات، أو بناء علاقات شخصية مستمرة.

6: من الوساطة إلى الزبونية السياسية

هنا تظهر أهمية مفهوم الزبونية السياسية Clientelism. فالزبونية لا تعني ببساطة وجود علاقة شخصية بين المرشح والناخب، وإنما تشير إلى علاقة تبادلية غير متكافئة نسبيًا، تقوم على تقديم منافع أو خدمات انتقائية مقابل دعم سياسي.

وقد طور Kitschelt هذا المفهوم ضمن إطار أوسع هو روابط المواطن–السياسي، مميزًا بين التمثيل البرنامجي والتبادل الزبوني والحضور الشخصي للزعيم. أما Javier Auyero فقد قدم مقاربة أكثر سوسيولوجية للزبونية، إذ لم ينظر إليها فقط باعتبارها “شراء أصوات”، بل باعتبارها شبكات اجتماعية لحل المشكلات، تتداخل فيها الموارد والمعلومات والعلاقات اليومية. وهذه النقطة مهمة جدًا بالنسبة إلى الحالة المغربية؛ إذ ينبغي ألا نختزل الزبونية في المال الانتخابي فقط. فقد تتخذ الوساطة شكل:

خدمات فردية؛

تسهيل الولوج إلى موارد أو مؤسسات؛

تشغيل أو وعود بالتشغيل؛

الوساطة لدى الإدارة؛

المساعدة الاجتماعية؛

التعبئة العائلية أو المجالية؛

وأحيانًا شراء الأصوات بصورة مباشرة.

وتدعم دراسات حديثة حول المغرب وجود شبكات زبونية وممارسات شراء أصوات في بعض السياقات الانتخابية، مع التأكيد على ضرورة عدم اختزال العملية الانتخابية برمتها في هذه الممارسات.

7: التصويت الاستراتيجي والناخب البراغماتي

يضيف مفهوم التصويت الاستراتيجي بعدًا آخر للتحليل. فالناخب قد لا يصوت للحزب الذي يفضله أيديولوجيًا، بل للحزب الذي يعتقد أنه:

قادر على الفوز؛

قادر على منع حزب آخر من الفوز؛

قادر على تمثيل مصالح دائرته؛

أو قادر على إنتاج منفعة ملموسة.

وتزداد أهمية هذا السلوك في الأنظمة الحزبية المجزأة، حيث تصبح احتمالات فوز الأحزاب المختلفة جزءًا من حسابات الناخب. وقد أظهرت دراسات حول المغرب أن طبيعة النظام الانتخابي والعتبات الانتخابية يمكن أن تنتج حوافز للتصويت الاستراتيجي، بل إن عدم وضوح القوة الانتخابية للأحزاب وضعف برمجتها السياسية قد يدفع الناخبين والمرشحين إلى مزيد من الحسابات التكتيكية. وهنا يتحول الناخب من “تابع حزبي” إلى فاعل حسابي وبراغماتي.

8: نحو نموذج تفسيري مركب للسلوك الانتخابي المغربي

تكشف المقارنة بين هذه المفاهيم أن أي تفسير أحادي للسلوك الانتخابي المغربي سيكون قاصرًا. فلا يمكن القول إن الناخب يصوت دائمًا على أساس البرنامج، ولا إنه يصوت دائمًا بسبب المال أو الوساطة، ولا إنه دائمًا يعاقب الحكومة. الأرجح أننا أمام نظام متعدد الروابط الانتخابية، تتعايش داخله آليات مختلفة:

وبذلك يصبح السلوك الانتخابي المغربي سلوكًا متعدد الدوافع، تتقاطع فيه الاعتبارات الوطنية والمحلية، والبرامجية والشخصانية، والأيديولوجية والبراغماتية.

9: من “انهيار الأحزاب” إلى “سيولة الخريطة الحزبية”

يسمح هذا المنظور بإعادة تفسير التحولات الكبرى التي عرفتها الخريطة الحزبية. فانهيار حزب العدالة والتنمية سنة 2021 لا يعني بالضرورة اختفاء قاعدته الاجتماعية، كما أن صعود التجمع الوطني للأحرار لا يعني امتلاكه تلقائيًا قاعدة انتخابية مستقرة، وكذلك فإن صعود حزب الاصالة والمعاصرة في انتخابات 2026 لا ينبغي أن يقرأ باعتباره انتقالًا نهائيًا إلى نظام حزبي جديد قبل اختبار استمرارية هذا التحول في الانتخابات اللاحقة.

وهنا يمكن الاستفادة من مفهوم التقلب الانتخابي عند Pedersen بدل اكتفاءنا بوصف النتائج. فالمطلوب ليس فقط معرفة من ربح ومن خسر، وإنما قياس حجم انتقال القوة الانتخابية بين الأحزاب. وعلى هذا الأساس، يمكننا طرح فرضية أخرى : إن الخريطة الحزبية المغربية تنتقل تدريجيًا من نموذج يقوم على الولاءات الانتخابية الأكثر استقرارًا إلى نموذج أكثر سيولة، تتفاعل فيه العقوبة الانتخابية والتصويت الاستراتيجي والوساطة المحلية والقدرة التنظيمية للأحزاب. لكن هذه الفرضية تحتاج منا إلى القيام باختبار كمي من خلال مقارنة نتائج 2016 و2021 و2026 على مستوى الأصوات والمقاعد ونسب المشاركة والتوزيع المجالي.
10: تركيب نظري للحالة المغربية

يمكننا في النهاية، بناء نموذج تحليلي للحالة المغربية يقوم على 6 حلقات مترابطة:

الهندسة الانتخابية / تحدد حوافز المنافسة وتوزيع المقاعد

القدرة التنظيمية للحزب / تحدد قدرته على تحويل الموارد إلى تعبئة

الوساطة والنخب المحلية / تربط المرشح بالناخب في المجال المحلي

الأداء الحكومي / ينتج المكافأة أو العقوبة الانتخابية

التصويت الاستراتيجي والبراغماتي / يعيد توزيع الأصوات بين الأحزاب

التقلب الانتخابي وإعادة تركيب الاصطفافات / ينتجان الخريطة الحزبية الجديدة

ومن ثم فإن التحول الحزبي المغربي لا يمكن اختزاله في عبارة “الناخب عاقب الحزب الحاكم”، لأن هذه العبارة تفسر جزءًا فقط من الظاهرة. والأدق سوسيولوجيًا هو ان نقول إن الناخب المغربي يتحرك داخل سوق سياسية متعددة المستويات، تتنافس فيه البرامج، والأشخاص، والشبكات المحلية، والموارد، والرموز، والرهانات الاستراتيجية.

خاتمة

تكشف التحولات التي عرفتها الخريطة الحزبية المغربية عن انتقال تدريجي من نموذج يمكن تفسيره بالولاءات الحزبية المستقرة إلى نموذج أكثر سيولة وتعددًا في محددات الاختيار الانتخابي. فالهندسة الانتخابية تحدد قواعد اللعبة، لكن الناخب يعيد تفسير هذه القواعد من خلال التصويت الاستراتيجي؛ والأداء الحكومي ينتج آليات للتصويت العقابي؛ بينما تسمح المعارضة بإعادة بناء بعض الأحزاب لرصيدها السياسي؛ وتظل شبكات الأعيان والوسطاء والنخب المحلية قادرة على التأثير في المنافسة داخل الدوائر.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي النظر إلى التصويت العقابي، والتصويت الاستراتيجي، والزبونية، والوساطة، والتقلب الانتخابي باعتبارها تفسيرات متنافسة، بل باعتبارها آليات يمكن أن تتفاعل داخل الانتخابات نفسها. وتكمن خصوصية الحالة المغربية في أن الروابط البرامجية لا تلغي الروابط الشخصية والمحلية، كما أن التحديث الانتخابي لا يلغي الوساطة، وأن ارتفاع مستوى التنافس الحزبي لا يعني بالضرورة استقرار الولاءات الحزبية. لذلك فإن السؤال الأكثر أهمية لم يعد: “أي حزب فاز؟”، وإنما: “كيف انتقلت الأصوات من حزب إلى آخر؟ ولماذا؟ وعبر أي شبكات؟ وتحت أي قواعد انتخابية؟ وهل يعكس هذا الانتقال تحولًا دائمًا في الاصطفافات الاجتماعية والسياسية، أم مجرد موجة انتخابية عابرة ؟”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 22:05

مشاركة وازنة للإمارات بمعرض مراكش

صوت وصورة
أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 21:36

أول دورة وطنية للقراءة بالفرنسية

صوت وصورة
مقر الطيران العربي بالرباط
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 19:31

مقر الطيران العربي بالرباط

صوت وصورة
طريق متهالكة تعرقل التمدرس
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 15:15 3

طريق متهالكة تعرقل التمدرس

صوت وصورة
الأباتشي في عرض جوي بمراكش
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 12:43 7

الأباتشي في عرض جوي بمراكش

صوت وصورة
سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة
الخميس 8 أكتوبر 2026 - 09:15 10

سيارات الأجرة والزيادة في التعريفة