من زمن نفضت يدي من قراءة الروايات العربية وعدت إلى الأدب العالمي الكلاسيكي، لكني التفتت أخيرا إلى رواية “تغريبة القافر”، الرواية الخامسة في إبداع الروائي والشاعر العماني زهران القاسمي. وأخذتني الرواية تماما بتلك السلاسة واليسر والعمق والتأمل الفلسفي بلغة الشعر التي لا تجور على أصول السرد الأدبي.
يعرض لنا الكاتب حكاية “سالم بن عبد الله” التي بدأت بانتزاعه من رحم مريم أمه، بعد غرقها وموتها في بئر. ينمو سالم ويلازمه طوال الوقت إنصات ثابت مرهف إلى صوت الماء وخريره أينما تخفى الماء وراء الصخور أو في باطن الأرض، فيصبح دليلا يفتح أمام سكان القرية مغاليق المياه، ويكتسب لقب “القافـر”، أي من يقتفي أثر قنوات المياه السرية ويكشف منابعها.
ومن السطور الأولى، بمشهد مولد الطفل من رحم الموت، يسوقنا الكاتب للتأمل في أن الموت والحياة وجهان لحقيقة واحدة، تخرج الحياة من بطن الموت كما تخرج المياه من باطن الأرض. يقف “القافر” بين الرجال وبالحدس، أو المعجزة، يشير بإصبعه إلى موضع المياه الخفي وراء الصخور متمتما: “ماي .. هنا”. هل هي المعجزة؟ أم الأسطورة؟ أم على العكس من كل ذلك إشارة إلى قدرة الإنسان الواقعية على تحقيق المستحيل وتغيير الواقع بإشارة من يده؟.
على امتداد الرواية يفتش “القافر” عن مكامن المياه في الأراضي الجدباء، ويستدعونه في القرى الأخرى. لكن معنى البحث عن المياه يتسع في الرواية بحكايات أخرى فيصبح بحث الإنسان عن الوطن والكرامة والنماء، بل والحب أيضا. لهذا يمسي صوت خرير المياه الخفية صوت دقات قلب “نصرا”، محبوبة “القافر” التي تغدو زوجته. إنه الصوت نفسه. وينظر الكاتب إلى زاوية أخرى تماما، حين يشير إلى أن “القافر” تصور أن كل الأصوات التي يسمعها من مخيلته وليس لها أساس في الواقع، وكأن الروائي يقول لنا إن بحث “القافر” جزء من صميم أحلام البشر الباطنية، وأن هذه الأحلام والرؤى هي التي تقود كل إنسان إلى تحقيق الوجود، بل هي مغزى وجوده.
يستدعي القاسمي أساطير الجن والعوالم السفلى والحكايات الخرافية، فحينما اختفى “القافر” زمنا تردد في القرية أن أهل الأرض السفلية أخذوه وقيدوه في بلادهم. ويستعين الكاتب حتى بأسطورة بنيلوبي المعروفة، المرأة انتظرت رجوع زوجها أوديسيوس من حرب طروادة، ومع طول غيابه وإلحاح النبلاء عليها للزواج فإنها تتذرع بأنها تحيك كفنا لوالد زوجها، وما إن تنتهي منه حتى تختار زوجا، ولكي لا ينتهي النسيج ظلت كل ليلة تفك جزءا مما حاكته في النهار لتبقى في انتظار زوجها؛ وهو ما فعلته “نصرا” زوجة سالم “القافر” حين غاب عنها وألحوا عليها في الزواج، فتعللت بالحجة نفسها.
يراوح الكاتب في روايته الجميلة بين ما هو تاريخي وما هو أسطوري، وما هو واقعي ملموس في حياة القرى، ويحيل كل ذلك إلى أحداث وصور ظاهرة. وفي هذا السياق تلوح أضواء من ألف ليلة وليلة التي تتناسل فيها الحكايات، مثل حكاية ابن خلفون الذي خاصم أخاه بسبب خاتم فضي كان ملكا لوالدهما، وحكاية النبي سليمان الذي مر على عمان فوق بساط سحري ولما رآها جدباء أمر جنوده من الجن بحفر الأفلاج والقنوات لتروي الأرض.
في النهاية، نجح القاسمي فنيا في تحويل الأسطورة إلى واقع، وتحويل الواقع إلى أسطورة، بحيث لا ترى الحدود بينهما، وقدم كل ذلك بشعور دقيق بفن الإيجاز، وتقطير الشعر، والفكر، والتأمل العميق. مبارك للأدب العربي العمل الجميل.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.