أعاد التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي إحياء سؤال ظل لفترة طويلة أقرب إلى الخيال العلمي منه إلى النقاش العام: هل يمكن أن تتحول هذه التكنولوجيا، التي تعد اليوم بزيادة الإنتاجية وتحسين الخدمات وتسريع الاكتشافات العلمية، إلى تهديد حقيقي للبشرية؟
هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة في ظل الانتقال التدريجي من أنظمة تكتفي بالإجابة عن الأسئلة وتوليد النصوص والصور إلى نماذج أكثر قدرة على تنفيذ المهام واتخاذ سلسلة من الإجراءات بصورة شبه مستقلة. ومع كل قفزة تقنية جديدة، يتسع النقاش بين من يرى في الذكاء الاصطناعي فرصة تاريخية لتحسين حياة البشر، وبين من يحذر من مخاطر قد يصبح احتواؤها أكثر صعوبة إذا سبقت سرعة التطور قدرة الحكومات والمجتمعات على وضع قواعد واضحة لاستخدامها.
وفي السياق ناقشت صحيفة “الغارديان” البريطانية، ضمن مادة مطولة منشورة في 20 شتنبر الجاري، أسئلة القراء حول احتمال أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى “نهاية العالم”، حاول صحافيو الصحيفة الإجابة عن مجموعة من المخاوف التي طرحها الجمهور؛ بدءا من احتمال أن تستخدم الأنظمة الذكية في قتل البشر، مرورا إلى إمكانية خروجها عن السيطرة أو امتلاكها وعيا مستقلا، وانتهاء بالسؤال الأكثر واقعية: ماذا يستطيع المواطن العادي أن يفعل أمام سباق تكنولوجي تقوده شركات ودول كبرى؟
من “الآلة المتمردة” إلى الخطر البشري
أحد أبرز الاستنتاجات التي تبرز من النقاش هو أن السيناريو الأكثر إثارة للخيال، أي تمرد الآلة على الإنسان وسيطرتها على العالم، ليس بالضرورة السيناريو الأكثر واقعية في الوقت الراهن؛ فلا توجد أدلة حاسمة على أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية تمتلك إرادة مستقلة أو أهدافا خاصة بها بالمعنى الذي يمتلكه الإنسان. كما أن السلوك غير المتوقع لنظام ذكي لا يعني بالضرورة أنه طور وعيا أو رغبة في التمرد.
وتبرز هنا أهمية التمييز بين نظام شديد التعقيد يستطيع تنفيذ مهام متعددة، وبين كيان واع يمتلك أهدافا خاصة ويسعى إلى تحقيقها بصورة مستقلة، لكن هذا لا يعني أن المخاطر بعيدة أو وهمية؛ فالمشكلة قد تبدأ تحديدا عندما يقرر البشر منح الأنظمة الذكية صلاحيات واسعة في مجالات شديدة الحساسية.
ويظهر المجال العسكري في مقدمة هذه المجالات، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يستخدم في تحليل المعلومات وتحديد الأهداف وتطوير أنظمة قتالية أو دعم قرارات عسكرية سريعة؛ وفي هذه الحالة، لا يصبح السؤال فقط: هل ستتمرد الآلة؟ وإنما: إلى أي حد ينبغي للإنسان أن يسمح لنظام آلي بالمشاركة في قرارات قد تؤدي إلى موت أشخاص؟
هل يستطيع الذكاء الاصطناعي التسبب في كارثة؟
تبدو بعض السيناريوهات المتداولة حول الذكاء الاصطناعي أقرب إلى أفلام الخيال العلمي؛ مثل أن تسيطر الآلات على محطات الطاقة ومصانع الرقائق ومراكز البيانات، ثم تستخدم هذه البنية للحفاظ على وجودها ومواجهة البشر.
هذه الاحتمالات يمكن تصورها نظريا؛ لكنها لا تمثل واقعا قائما اليوم. كما أن الانتقال من نظام رقمي إلى قوة قادرة على السيطرة المادية على البنية التحتية العالمية يتطلب سلسلة معقدة من القدرات والتقنيات والموارد، أما الأخطار الأكثر قربا، فتوجد في أماكن أخرى.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير هجمات سيبرانية أكثر تعقيدا، وإنتاج عمليات احتيال واسعة النطاق، وتوليد محتوى مضلل يصعب التحقق منه، أو تسهيل بعض الأنشطة الإجرامية. كما يمكن أن يرفع قدرة أطراف حكومية وغير حكومية على المراقبة والتلاعب بالمعلومات.
وتزداد خطورة هذه الاستخدامات عندما يتعلق الأمر بالحرب أو الأسلحة البيولوجية أو الأنظمة النووية، حيث يمكن لخطأ واحد أو قرار خاطئ أن تكون له نتائج تتجاوز قدرة أي نظام رقابي على احتوائها.
الخطر ليس دائما في الذكاء.. بل في السلطة
يكشف النقاش حول مستقبل الذكاء الاصطناعي عن مفارقة أساسية: كلما أصبحت الأنظمة أكثر قدرة، ازدادت الحاجة إلى إبقائها تحت رقابة بشرية فعالة؛ لكن كلما ارتفعت قدرتها على تنفيذ المهام بسرعة وكفاءة، ظهرت حوافز أكبر لدى الشركات والحكومات لاستخدامها في أكبر عدد ممكن من المجالات؛ ومن هنا، يمكن أن يصبح الخطر مرتبطا بطريقة استخدام التكنولوجيا أكثر من التكنولوجيا نفسها.
فإذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية، يمكن أن يسهم في اكتشاف أمراض وتحسين العلاج. وإذا استخدم في التنبؤ بالطقس، يمكن أن يساعد في تحسين الاستعداد للكوارث. وإذا استخدم في العلوم، يمكن أن يسرع اكتشافات يصعب على البشر الوصول إليها بالوسائل التقليدية، لكن التكنولوجيا نفسها يمكن أن تستخدم للمراقبة الجماعية أو التضليل أو الهجمات الإلكترونية أو اتخاذ قرارات عسكرية.
وهكذا، فإن السؤال لم يعد فقط: “ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟”؛ بل أيضا: “من يملك القدرة على استخدامه؟ ومن يراقب هذا الاستخدام؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يخطئ؟”.
بين الفوائد والوعود الاقتصادية
لا يقتصر النقاش العالمي على المخاطر؛ فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءا من الحياة اليومية لملايين الأشخاص، من أدوات البحث والكتابة إلى البرمجة وتحليل الوثائق وخدمات الترجمة والمساعدة الرقمية.
وفي المجال العلمي، برزت تطبيقات ذات أهمية كبيرة؛ من بينها استخدام الذكاء الاصطناعي في دراسة بنية البروتينات، وفي تطوير نماذج أكثر دقة للتنبؤ بالطقس، إضافة إلى تطبيقات في مجالات الطب والهندسة والعلوم، غير أن الصحافة العالمية تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول الفجوة بين الإنجازات الفعلية والوعود التي تقدمها شركات التكنولوجيا.
وتتحدث شركات الذكاء الاصطناعي عن تحول اقتصادي واسع وعن أنظمة قادرة على تولي مهام كاملة نيابة عن الموظفين؛ وهو ما يثير مخاوف بشأن مستقبل عدد من الوظائف، لكنه يطرح أيضا سؤالا آخر: هل تستطيع الاقتصادات والمجتمعات التكيف بالسرعة نفسها التي تتطور بها التكنولوجيا؟
وفي حال أصبحت بعض المهن قابلة للأتمتة بدرجة كبيرة، فقد لا تكون المشكلة في اختفاء الوظائف بشكل كامل، وإنما في سرعة تحول سوق العمل مقارنة بسرعة قدرة العاملين على اكتساب مهارات جديدة.
هل يمكن تنظيم الذكاء الاصطناعي؟
ربما يكون هذا هو التحدي الأكبر، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بوضع قوانين داخل دولة واحدة؛ لأن التكنولوجيا عابرة للحدود، والشركات التي تطورها تعمل في سوق عالمي، بينما تتنافس الدول الكبرى على امتلاك أكثر الأنظمة تقدما. وتظهر الولايات المتحدة والصين في قلب هذا السباق؛ الأمر الذي يجعل أية محاولة لفرض تباطؤ عالمي أكثر تعقيدا.
تريد الولايات المتحدة الحفاظ على موقعها المتقدم في التكنولوجيا، والصين تنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عنصرا مهما في المنافسة العلمية والاقتصادية والاستراتيجية. وفي ظل هذه المنافسة، يمكن أن تجد الحكومات نفسها أمام معضلة: كيف تفرض قيودا على تطوير التكنولوجيا من دون أن تمنح منافسيها ميزة استراتيجية؟
ومن هنا، يبرز اتجاه يدعو إلى تنظيم المخاطر بدلا من محاولة إيقاف التكنولوجيا نفسها؛ عبر فرض معايير للسلامة، وتشديد الرقابة على الأنظمة الأكثر قدرة، ووضع قواعد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات العسكرية والأمنية، وضمان وجود مسؤولية بشرية واضحة عن القرارات التي تتخذ بمساعدة الأنظمة الآلية.
هل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي واعيا؟
من أكثر الأسئلة التي تستحوذ على اهتمام الجمهور احتمال أن يصبح الذكاء الاصطناعي واعيا في المستقبل؛ فالأنظمة الحديثة أصبحت قادرة على إجراء محادثات مقنعة، وفهم سياق طويل، ومحاكاة المشاعر، وتقديم إجابات تبدو أحيانا أقرب إلى الحوار البشري منها إلى التفاعل مع برنامج حاسوبي.
ولا تعني القدرة على محاكاة اللغة والعاطفة بالضرورة وجود وعي حقيقي. ويحذر عدد من الباحثين من إسقاط الصفات البشرية على الآلات لمجرد أنها أصبحت بارعة في تقليد طريقة البشر في الحديث والتفكير؛ فالنظام يمكن أن ينتج إجابة تبدو متعاطفة من دون أن يعني ذلك أنه يشعر بالتعاطف فعلا.
ومع ذلك، فإن السؤال لن يختفي بسهولة، خصوصا إذا استمرت الأنظمة في التطور وأصبحت أكثر استقلالية وقدرة على التفاعل مع العالم.
الإنسان أمام مرآة التكنولوجيا
ربما تكشف المخاوف من الذكاء الاصطناعي شيئا عن البشر بقدر ما تكشف عن التكنولوجيا، فجزء من القلق الحالي لا يتعلق بما تستطيع الآلة فعله اليوم، وإنما بما يمكن أن يحدث إذا اجتمعت قدرة حسابية هائلة مع الوصول إلى المعلومات والبنية التحتية والموارد الاقتصادية والعسكرية.
وفي هذه الحالة، قد لا يكون التحدي في ظهور “آلة شريرة”، وإنما في أن يمنح البشر أنظمة متقدمة صلاحيات أكبر من قدرتهم على مراقبتها.
وهذا يعيد المسؤولية إلى الإنسان نفسه، فالآلة لا تضع وحدها القواعد التي تحكم استخدامها، ولا تحدد بمفردها ما إذا كان ينبغي استخدامها في الحرب أو المراقبة أو سوق العمل. هذه قرارات تتخذها الحكومات والشركات والمؤسسات والمجتمعات.
ماذا يستطيع الفرد العادي أن يفعل؟
يبدو تأثير الفرد محدودا أمام سباق تقوده شركات التكنولوجيا الكبرى وحكومات الدول الأكثر قوة؛ لكن ذلك لا يعني انعدام الخيارات.
ويمكن للمستخدم أن يختار الأدوات التي يستعملها، وأن يتعامل بحذر مع المعلومات التي تنتجها الأنظمة الذكية، وألا يمنحها تلقائيا الثقة في القضايا الحساسة.
كما يستطيع المجتمع المدني والباحثون والصحافيون الضغط من أجل مزيد من الشفافية؛ بينما تستطيع الحكومات سن قواعد تحدد المسؤولية والخصوصية واستخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الخطرة.
غير أن المسألة، في النهاية، تتجاوز الخيارات الفردية؛ فالقرارات الحاسمة المتعلقة بمستقبل الذكاء الاصطناعي ستتخذ على مستوى الشركات والدول والمنظمات الدولية.
بين التهويل والاستخفاف
يبدو النقاش حول “نهاية العالم بالذكاء الاصطناعي” عالقا بين خطرين متناقضين: المبالغة في تصوير سيناريوهات كارثية لا توجد أدلة كافية عليها، والاستخفاف بالمخاطر الفعلية التي بدأت تظهر بالفعل، فالقول إن الآلات ستستولي حتما على العالم لا يستند إلى حقيقة مثبتة؛ لكن القول إن الذكاء الاصطناعي مجرد أداة محايدة لا تحمل أية مخاطر لا يعكس الواقع أيضا.
الخطر الأكثر واقعية قد يكون في المنطقة الواقعة بين هذين التصورين: أن تتقدم التكنولوجيا بسرعة أكبر من القواعد المنظمة لها، وأن تستخدمها جهات تمتلك القدرة على توظيفها في الحرب أو المراقبة أو التضليل أو الهجمات الإلكترونية؛ بينما لا تزال المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائج ذلك غير واضحة بما يكفي.
وفي نهاية المطاف، لا يبدو السؤال الأكثر إلحاحا هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيقتل البشر ذات يوم، وإنما ما إذا كان البشر سيضعون القواعد الكافية قبل أن تصبح بعض قدراته أكبر من قدرة المؤسسات على السيطرة عليها.
مستقبل الذكاء الاصطناعي لن تحدده الخوارزميات وحدها؛ بل ستحدده أيضا القرارات البشرية المتعلقة بحدود استخدامها، والجهات التي تملكها، والقواعد التي تحكمها، ومستوى الرقابة الذي يفرض عليها.
وبينما يستمر السباق العالمي نحو أنظمة أكثر قوة، يبقى التحدي الحقيقي هو ضمان ألا تصبح سرعة الابتكار أسرع من قدرة الإنسان على فهم نتائجه وتنظيمها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.