تيفلت.. مدينة واعدة تختنق بعطش الصيف

تيفلت.. مدينة واعدة تختنق بعطش الصيف
الإثنين 23 يونيو 2025 - 23:54

كانت السنة الأولى لي في مدينة تيفلت بداية حلم جميل؛ مدينة هادئة، ذات طابع عمراني حديث، وساكنة طيبة وودودة. تيفلت، أو “تيفليت” باللغة الأمازيغية، ليست فقط قريبة من العاصمة الرباط، بل تتفوق على جارتها الخميسات من حيث البنية التحتية، والنظافة، والتنظيم. مدينة تنمو بسرعة، وتستقطب كبريات الشركات العالمية، ما يجعل منها قطبًا اقتصاديًا صاعدًا بكل المقاييس.

تيفلت اليوم تعرف طفرة عمرانية هائلة، والأسعار العقارية ترتفع، ما يدل على الإقبال المتزايد على السكن فيها. ومع ذلك، تفتقر المدينة إلى بعض المرافق الأساسية، خاصة في مجال التسوق والترفيه العائلي، الأمر الذي يدفع الساكنة أحيانًا إلى التنقل نحو مدن أخرى.

ورغم غياب المحلات الليلية وبيع الخمور، ما يجعلها مدينة “مقدسة” في نظر البعض، وتسجيل نسبة شبه منعدمة في الجرائم والعنف، إلا أن هذه الصورة الوردية تصطدم بحقيقة موجعة ومريرة: انقطاع الماء، وفي بعض الأحيان الكهرباء، خاصة في فصل الصيف، وبشكل مفاجئ ودون سابق إنذار.

أزمة الماء… عطش في زمن الوفرة

كيف لمدينة بهذا الزخم والتوسع والعمران أن تعاني من انقطاع الماء لساعات طويلة، وأحيانًا ليومين كاملين؟ كيف يُعقل ألّا يصدر أي بلاغ رسمي يوضح أسباب الانقطاع أو يطمئن الساكنة؟

الماء ليس رفاهية، بل حق أساسي وضروري للحياة: للاستحمام، لتنظيف المنازل، لغسل الأواني، لسقي الحدائق… وانقطاعه بهذه الطريقة المفاجئة يُدخل الأسر في دوامة من المعاناة اليومية.

صحيح أن المغرب يعرف أزمة مائية، لكننا اليوم لسنا في ذروة الجفاف. لقد عرفت المملكة تساقطات مهمة في الفترة الأخيرة، ما يجعل استمرار هذا الوضع أمرًا غير مبرَّر، بل ومثيرًا للقلق.

الكهرباء… تعتيم لا يقتصر على المصابيح

أما انقطاع الكهرباء، فله تبعاته الخطيرة، خاصة في عالم معتمد كليًا على التكنولوجيا: تلف الثلاجات، تعطل أجهزة التلفاز، توقف المضخات المائية، إفساد الأدوية والأطعمة… كل هذا دون أي تدخل أو حتى اعتراف من الجهات المسؤولة.

والأخطر من ذلك: لا تواصل، لا توضيح، لا محاسبة. المواطن يدفع فواتيره شهريًا بانتظام، فهل جزاؤه أن يُعامل بهذا الإهمال وهذا الصمت؟

في الدول التي تحترم مواطنيها، يُسبق أي انقطاع مبرمج بإشعار واضح، ورسائل نصية، ونشرات في الصفحات الرسمية. أما في تيفلت، فالغياب التام للمعلومة زاد الطين بلة، وكأن المواطن لا يستحق حتى تبريرًا لانقطاع الماء أو الكهرباء.

رسالة إلى من يهمهم الأمر

إذا كنا نتحدث عن “المغرب الجديد”، بقيادة سيدنا ومولانا صاحب الجلالة الملك محمد السادس، وعن الجهوية المتقدمة، وعن الإنصات لانشغالات المواطن، فإن أول خطوة يجب أن تبدأ من احترام المواطن البسيط، الذي يريد فقط أن يشرب، أن يستحم، أن يطهو، أن يحيا بكرامة.

تيفلت مدينة واعدة تستحق الأفضل. ولا يمكن لأي مدينة أن تتطور وسط هذا الصمت المطبق، وسط هذه الأعطاب التي لا تجد من يعترف بها أو يتحرك لإصلاحها.

الماء حياة، والكهرباء ضرورة، والصمت الرسمي في مواجهة هذه الأزمات هو قمة الاستهتار بمشاعر الساكنة.

لقد آن الأوان ليُفتح النقاش العمومي حول هذه المشاكل، آن الأوان لخلق قنوات للتواصل مع الساكنة، آن الأوان لأن يُحاسب المسؤولون عن هذا الإهمال.

مدينة تيفلت لا تستحق أن تختنق بالعطش… وهي في قلب المغرب النابض.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    الثلاثاء 24 يونيو 2025 - 05:21

    “الماء ليس فقط حياة بل هو لغةُ الطبيعة حين تُحب، ودمعةُ الأرض حين تُعاني.”

    السيد الكاتب الكريم،
    شكراً لك على طرحك الواعي والقوي لقضية تعاني منها مدينة تيفلت، والتي تعاني منها أيضاً مدن مغربية أخرى، وهي حق المواطن في الحصول على الماء والكهرباء داخل بيته.
    إن الماء، كما ذكرت، ليس رفاهية بل هو أساس الحياة، وهو من أوضح الحقوق التي نصت عليها الشرائع السماوية والقوانين الوضعية. ويضاف إليه اليوم الكهرباء، التي أصبحت ضرورة لا غنى عنها في الحياة اليومية، وغيابها يعني تعطيل الحياة برمتها. يقول الله تعالى في سورة الأنبياء: “وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ” (الآية 30)، فالماء هو سر الحياة، وهو حق لكل إنسان، ومن واجب الدولة والمجتمع تأمينه للمواطنين.
    إن غياب التواصل مع الساكنة، وعدم وجود محاسبة للمسؤولين، يزيد من معاناة المواطن البسيط الذي يدفع مستحقاته بانتظام، وهو ما يتنافى مع روح العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها ديننا الحنيف، ويخالف مبادئ المواطنة الحقة.

    “الحقوق لا تُكتسب بالصمت، بل بالصوت العالي للحقيقة، وبالإرادة الصادقة في المطالبة بها”

    ALHOCEIMA

  • فاتورة كهرباء ملتهبة .
    الأربعاء 25 يونيو 2025 - 05:06

    اشتريت شاشة تلفاز بالتقسيط وبعد شهر انقطع التيار الكهربائي فجأة ودون سابق انذار وعندما عاد التيار انقطع البث التلفزي وخربت الشاشة . أنا الآن بلا تلفاز واقسمت ان لا اشتري غيره حتى اسدد اقساط التلفاز العاطل . هي أشياء كنت اسمعها عن اناس من الجيران فسدت اجهزتم الكهربائية انا الآن واحد منهم فهل هناك ن تعويض او أن شركات الربط الكهربائي فوق القانون .

  • مواطن
    الخميس 26 يونيو 2025 - 13:01

    شكرا على الموضوع
    نعم فالخدمة الإدارية في هذه المدينة جد متردية
    وانقطاع الكهرباء وليوم كامل اي 24 ساعة شيء محبط فانا شخصيا تضررت في بعض الأدوية غالية الثمن و الأطعمة مع تعطل جهاز التنفس
    وقد قدمت بعض الشكايات
    يجب توفير شاحنتين كهربائيتين على الاقل التدخل في بعض الأحياء التي تتطلب وقتا طويلا لاصلاح الاعطال الكهربائية
    نتمنى الافضل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام

صوت وصورة
حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 13:10

حفر تهدد سلامة ساكنة بأكادير