"ثورة الأيام الأربعة".. متعة النص

"ثورة الأيام الأربعة".. متعة النص
الأربعاء 21 يونيو 2023 - 08:12

أعرف أني “وصلت متأخرا”! فهذه هي الطبعة الثانية للرواية، طبعة 2022. لكن “عذري” أن الطبعة الأولى صدرت قبلها بعام فقط! وهذا نادر تحت سمائنا؛ مما يدل على أن العمل وجد هوىً في أنفس القراء. وكاتب هذه الأسطر واحد منهم، ولو بعد حين… وهو لا يزعم الاتيان بما لم يأتِ به الأوائل ممن تكلموا فيها؛ وحَسْبُه أن تكون هذه القراءة المتأخرة سببا في جعل من لم يقرأها بعد يُقدم على قراءتها؛ فإني أكاد أقول: إن قراءتها فرض عين على كل قارئ.

رواية “ثورة الأيام الأربعة” لعبد الكريم جويطي من هذه الروايات القليلة التي تجعلك تستعجل استئناف قراءتها بعد أن تكون علَّقتها، كَرْها، لسبب حيوي…

وأنْ يجعلك عمل أدبي تشتاق إليه بعد انقطاع هو الدليل الحي على نجاح صاحبه في استجماع العناصر والعوامل التي تحفز، بتضافرها الفني الأصيل، رغبة القراءة، الرغبة التي لا تقدح زنادها إلا الأعمال التي تتوفر فيها “متعة النص” (رولان بارط).

وأحسب أن العامل الحاسم في نجاح هذا العمل (العامل الذي يستند بداهة على خبرة الكاتب في صناعة الروائي le romanesque)) هو اهتداؤه إلى حيلة “الوضع-الحد” (la situation-limite) ليجعل منه رَحِما (matrice) لتوليد النص: لقد حشر الكاتب شخصيات روايته في مَضْيَق زمكاني ووجودي شبيه بما يسُمي في الفلسفة بـ”الأوضاع-الحدود”؛ وهي تلك الأوضاع الخاصة جدا التي يواجه فيها الإنسان الموت أو الألم أو الشعور بالذنب (culpabilité) أو اختيارا وجوديا أو قرارا لا رجعة فيه…

في هذه “الأوضاع-الحدود” لا يبقى مكان للمناورة والتمويه والتظاهر والتستر خلف المستنسخات والمسكوكات اللفظية التي نلوذ بها اجتماعيا عندما لا يكون الوجود أو المصير في الرهان… الأوضاع-الحدود هي مكان الحقيقة العارية: إنها مكان الصدق والاعتراف والبوح والمكاشفة (مكاشفة الذات للذات بدون رقابة)…

تحت ضوء “الوضع-الحد” الكاشف يعيد الراوي-الشخصية، زياد السمعلي، قراءة سيرته، سيرة “بطل مضاد” (Anti-héros) بشكوكه وتردده وتناقضاته… وأهَمُّ من ذلك أنه حمله، بفعل كثافته الضاغطة، على التعبير عن دقائق علاقته بالمكان، بالزمن، بالأب، بالأحياء…؛ وعلى أن يباشر تفكيرا جذريا في الذات، في المجتمع، في التاريخ، في معنى الوجود…

ما سبق يجعلني أرجح ألا يكون موضوع “الثورة” في الرواية استعادة روائية لحدث “الثورة” المرتجلة التي صار “ثوارها-القرابين” في ذمة التاريخ، بما لهم وما عليهم، وإنما هي ذريعة اتخذها الكاتب ليلف حولها خيوط نص روائي أنجز روائيته، بعبقرية نادرة، بما هي تفكير سردي في الإنسان مأخوذا في شَرَك التاريخ وأسئلة الصدفة والاختيار…

ربما لذلك كانت تتراءى لي، خلال القراءة، خلف شخصية زياد ظلالُ شخصيات روائية أخرى جعلها خالقوها تواجه أوضاعا-حدودا من قبيل الوضع الذي يواجهه: منها، جُزافا وبتفاوت، أبطال روايات “الجريمة والعقاب” (دوستويفسكي)، و”الشرط البشري” (La condition humaine) (مالرو)، و”الغريب” (ألبير كامو)، و”اللص والكلاب” (نجيب محفوظ)، و”مذكرات أدريان” (Les Mémoires d’Hadrien) (مارغريت يورسينار)…

لكن تلك الظلال، فيما هي تسجل “ثورة الأيام الأربعة” في الإنساني/الكوني (l’universel) لم تكن لتحجب أصالة العالم المُمَثَّل (Le monde représenté) فيها، بمكوناته البشرية والمكانية والثقافية واللغوية (الأمازيغية حاضرة في كثير من الحوارات، على غرار ما نجد عند الراحل محمد شكري الذي كان رائدا في هذا الباب…).

استطرادا، في ما يتعلق بلغة الرواية، لا تخطئ العين تأثير اللغة الفرنسية، نحويا، في أبنية غير قليل من جمل النص وعباراته، مما يضفي عليها مسحة حداثة لا تزال عربية الكتابة في حاجة إليها في ظني…

أما صنعة السرد فقد أبان فيها الكاتب عن حِرَفية كبيرة. فقد تمكن من تغطية مدة زمنية وجيزة (يوم واحد) بما لا يقل عن 384 صفحة دون أن يشعر القارئ لا بالإطناب ولا بالتشتت أو “فقدان الخيط”. وسيلته إلى ذلك براعة فائقة في التعليل القبْلي أو البَعدي لما قد يبدو استطرادات نشازا. يتخذ التعليل (la motivation) صيغا تبدو عفوية، متكتمة لا يكاد القارئ ينتبه إليها، بينما هي تقنية سردية واعية يلملم بها الكاتب ما تعدد وتفرق من خيوط السرد والوصف والتفكير والحلم والتذكر…

فيما وراء الاعتبارات الخاصة بالبناء الروائي، أثارت إعجابي التأملات التي أجراها الكاتب على لسان الراوي والمتعلقة بـ”سرمد” السلحفاة، هذه الشخصية التي جعلت من الحياد والعزلة نمط حياة بعد أن قادها “اليأس التام من العالم في الأزمنة الأولى إلى أن تتجمد كل المرارات في ظهرها وتصنع قوقعة، ذبلا، هو في الآن نفسه منزل مرتحل، وحجاب ونشيد للعزلة…” (ص 45). والواقع أن حديث الكاتب عن السلاحف في برنامج تلفزيوني هو الذي حفزني على قراءة “ثورة الأيام الأربعة”. فهذا الاهتمام بالحي le vivant قليل، فيما أعلم، عند كتابنا؛ وأكثر انشغالهم بالسياسي والاجتماعي والذاتي؛ وقليلا ما يفسحون للحي عموما مجالا في كتاباتهم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''