يفتتح المخرج المغربي عمر جدلي جولته المسرحية للسنة الجديدة بعرض “بورتريه.. بغا يقول شي حاجة وحشم”، الذي تقدمه فرقة مسرح غرناطة بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، ويراهن على مساءلة قضايا اجتماعية شائكة بلغة فنية تجمع بين الحكي والفرجة.
ويأتي هذا العمل المسرحي ليعيد إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل المجتمع المغربي، المتمثلة في فرض الزواج على النساء وحرمانهن من حق الاختيار الحر لشريك الحياة، وهي ظاهرة مازالت تلقي بظلالها على مصائر عدد من النساء، وتضعهن في مواقف إنسانية معقدة بين الرغبة الشخصية وسلطة الأعراف والتقاليد.
وتدور القصة الرئيسية للمسرحية حول فتاة شابة مولعة بفن الرسم، تجد نفسها محاصَرة بجملة من الإكراهات، في مقدمتها وضعية أمها الأرملة الكفيفة التي تتطلب رعاية خاصة، إلى جانب وصية الأب التي تُجبرها على الزواج من أحد أبناء عمومتها. وفي ظل هذا الواقع الضاغط تنسحب البطلة إلى عزلتها، وتقضي وقتها بين أربعة جدران تمارس الرسم كملاذ وحيد للتنفيس عن أحلامها المؤجلة.
ومع تصاعد الإحساس بالاختناق تقرر البطلة كسر قيود الواقع المفروض، وتنطلق في رحلة بحث عن حب قديم لا تحتفظ منه سوى بملامح عالقة في الذاكرة منذ أكثر من عشرين سنة، حين كان زميلا لها في المستوى الخامس ابتدائي؛ وتبدأ تخليد هذا الحبيب الغائب عبر لوحة “بورتريه” ترسمه وفق ما تمليه عليها مخيلتها، في محاولة لاستعادة ذاتها المفقودة ومواجهة مصيرها القسري.
ومن خلال هذا العمل يطرح عمر جدلي إشكاليات متعددة تتقاطع حول حرية المرأة، والعوائق التي تحول دون ممارستها حقها الطبيعي في الاختيار العاطفي والشخصي، في ظل منظومة من الأعراف والتقاليد تجعلها عاجزة أمام قرارات تمس جوهر حياتها.
وتشارك في تشخيص أدوار مسرحية “بورتريه” ثلة من الأسماء اللامعة في الساحة المسرحية المغربية، يتقدمها الفنان القدير محمد الأثير في عودة لافتة بعد غياب، إلى جانب عبد الرحيم المنياري، ومونية لمكيمل، وزاهية زهري، الذين يقدمون أداء جماعيا يزاوج بين العمق الإنساني والتكثيف الدرامي.
وتعتمد المسرحية على أسلوب الحكي والمزج بين الفرجة الفنية والرسائل الاجتماعية، في معالجة مسرحية تسعى إلى فتح النقاش حول الزواج القسري، والضغط الأسري، والإكراه الاجتماعي الذي يطال النساء في اختياراتهن المصيرية، مؤكدة مرة أخرى دور المسرح كفضاء للتفكير والنقاش، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
ويفتتح عمر جدلي جولته الجديدة لسنة 2026 برهان فني وإنساني واضح، يجعل من الخشبة منصة لقول المسكوت عنه ومرآة تعكس معاناة مكتومة وأسئلة مجتمعية مازالت تبحث عن أجوبة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.