جرائم "قلة" الآداب في الحافلة العمومية

جرائم "قلة" الآداب في الحافلة العمومية
الأحد 3 شتنبر 2017 - 11:49

تتبعت عبر وسائل الإعلام الوطنية المكتوبة والمرئية قضية ما يسمى الاغتصاب الجماعي بحافلة النقل العمومية؛ ذلك أنه تارة يكتب ويقال إن الذي حصل اغتصاب، وتارة أخرى يقال إنه هتك عرض امرأة. وشتان ما بين الجريمتين وتكييفهما القانوني.

والذي أثار انتباهي كذلك أنه في بعض أماكن المملكة خرج من الجمعيات ما يدين هذا التصرف المشين وقد يلوم الحكومة على ذلك، بل حتى وزير العدل صرح أمام ميكرفون الإذاعة والتلفزة بأنه أعطى تعليماته إلى النيابة العامة للتعامل مع مثل هذه الجرائم بالصرامة المطلوبة. والحال أن المشرع تعامل مع جرائم الآداب أو سوء الآداب بالصرامة المثلى، ولم يبق إلا التنفيذ الجيد لها بعيدا عن المحاباة والتمييز وظروف التخفيف.

ومما ينبغي التذكير به أن جريمة هتك العرض والاغتصاب وردت في القانون الجنائي المغربي تحت عنوان “في انتهاك الآداب”. وقد عرف الفصل 486 الاغتصاب بأنه مواقعة رجل لامرأة بدون رضاها، بينما لم يعط تعريفا لهتك العرض، وكلما تضمنه الفصل 484 هو الإشارة إلى أنه “يعاقب بالحبس من سنتين إلى 5 سنوات من هتك دون عنف أو حاول هتك عرض قاصر تقل سنه عن 18 سنة أو عاجز أو معاق أو شخص معروف بضعف قواه العقلية، سواء كان ذكرا أو أنثى”.

وعليه فإن جريمة الاغتصاب لا تقوم إلا إذا كانت ضحيتها امرأة، عكس هتك العرض الذي كما قد يكون ضحيته ذكرا وقد يكون أنثى. ولا فرق بين أن يكون الفاعل ذكرا أو أنثى، بحيث من الوارد أن يتم الفعل المؤدي إلى هتك العرض من طرف أنثى على أنثى أو على ذكر، كما أن الجاني قد يكون ذكرا في مواجهة ذكر أو أنثى، بل وحتى أطفال .

وفي جميع الأحوال فإن الاغتصاب يتطلب الوطء، أي المواقعة، بينما هتك العرض يكفي فيه لمس أي مكان من الأماكن الحساسة في الجسم، وخاصة تلك التي تثير الشهوة الجنسية.

وقد اعتبر المشرع المغربي هتك العرض بأنه جنحة عقوبتها من سنتين إلى 5 سنوات، سواء تم الفعل أو كان مجرد محاولة إذا كان الضحية قاصرا تقل سنه عن 18 سنة أو عاجزا أو معاقا أو شخصا معروف بضعفه قواه العقلية، هذا في الحالة التي تتم الجنحة بدون عنف. أما إذا كانت بالعنف فإن العقوبة تكون هي السجن من 5 إلى 10 سنوات، ووصفها القانوني يكون هو الجريمة.

في حين اعتبر المشرع الاغتصاب من البدء جناية وعقوبتها لا تقل عن 5 سنوات، وتصل إلى 10 سنوات. وتضاعف العقوبة إلى 20 سنة إذا كانت المجني عليها قاصرا دون سن 18 سنة أو عاجزة أو معاقة أو حاملا أو مختلة عقليا.

وقد تتشدد العقوبة وتصل 30 سنة في حالة الافتضاض أو تعدد الجناة. والفيصل في تكييف الفعل بأنه اغتصاب هو استعمال العنف سواء المادي أو المعنوي، الذي يؤدي إلى التأثير السلبي على إرادة الضحية، مع تحقق النية الإجرامية، أي الركن العمدي في الجريمة.

وبناء عليه، فإنه في حالة الواقعة التي هزت الرأي العام الأسبوع الفارط فإن المشتبه فيهم كثر والضحية معاقة ذهنيا، والفعل مشهود به أمام الجمهور؛ وبالتالي فإن الوصف القانوني له هو هتك عرض معاق وليس الاغتصاب، والفعل يقع تحت طائلة الفصل 485 من القانون الجنائي، والعقوبة قد تفوق 20 سنة. غير أنه إذا كان الجاني حدثا، أي لم يتم 12 سنة ولم يبلغ 18 سنة، يعتبر مسؤولا مسؤولية جنائية ناقصة بسبب عدم اكتمال تمييزه، ويتمتع بعذر صغر السن.

لكن ما ينبغي عدم التستر عليه أن الجرم وقع أمام الجمهور، وهذا هو الخطير، المتمثل في السائق والركاب والجابي، ما يفيد بأن هناك جريمة أخرى قائمة، متمثلة في عدم تقديم المساعدة لشخص في خطر؛ وهو ما يعاقب عليه الفصل 431 من القانون الجنائي الذي ينص على أنه “من أمسك عمدا عن تقديم مساعدة لشخص في خطر، رغم أنه كان يستطيع أن يقدم تلك المساعدة إما بتدخله الشخصي وإما بطلب الإغاثة، دون تعريض نفسه أو غيره لأي خطر، يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى ألف درهم أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.”

وعلى هذا الأساس فإن المتابعة يجب ألا تنحصر في الجناة المباشرين، وإنما كل من حضر الواقعة وتوفرت فيه الشروط المذكورة في الفصل 431 من القانون الجنائي، من قبيل استطاعة تقديم المساعدة إما بتدخله المباشر أو الاستغاثة من السلطات العمومية أو الجمهور لوضع حد أو اتقاء الفعل المادي لهتك العرض. بل ويعتبر من وثق هذا الفعل بالصورة وهو ينتشي بالمشاهدة مساعدا للجناة، ويعاقب بنفس عقوبتهم، طبقا للفصل 129 من نفس القانون الذي ينص على أنه “يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه ساعد أو أعان الفاعل أو الفاعلين للجريمة في الأعمال التحضيرية أو الأعمال المسهلة لارتكابها، مع علمه بذلك”.

وفي نظرنا يعتبر تصوير الجرم المشهود دون تدخل بمثابة تشجيع الجاني على الاستمرار في فعله الجرمي بل وإشادة به.

أما بالنسبة لمالك الحافلة فإذا كان على علم بما يقع فيها بصفة متواترة فيدخل في باب المساعد كذلك، ويقع تحت طائلة الفقرة الرابعة من نفس الفصل، إذ يكون بمثابة “من تعود على تقديم ملجأ للاجتماع، لواحد أو أكثر من الأشرار الذين يمارسون اللصوصية أو العنف ضد أمن الدولة أو الأمن العام أو ضد الأشخاص أو الأموال مع علمه بسلوكهم الإجرامي؛ وتقع عليه نفس عقوبة الفاعل الأصلي.

يستشف مما سبق أنه يتعين على الصحافة المكتوبة والمسموعة، وكذا من يدخل في حكم المجتمع المدني، أن يتحروا الدقة في الخبر والتكييف القانوني للفعل الذي قد يكون بالنسبة إليهم خبرا إعلاميا، ولكنه عار عن الدقة، لما في ذلك من تأثير على الرأي العام وتشويش على استقلال القضاء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • ذيل القاءمة
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 12:04

    الحافلة اخلاق مجتمع يسير على عجلات . انها انعكاس للواقع ، قلة الاحترام والتطاول على الفتيات اصبح رجولة في زمن المسخ وانقلاب موازين القيم .

  • KITAB
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 12:13

    الأستاذ تناول قضية الاغتصاب الجماعي لامرأة بالحافلة، من الوجهة الفقهية القضائية ليفصل ويوضح ويفسر… هذا شأن قضائي فقهي لا قبل للمواطن والقارئ العادي بحيثياته، لكن ما يجب البحث فيه هو واقع التربية في بلادنا وهل بقي للأسرة المغربية دور في التربية، كذلك وهناك مربط الفرس فقد أخذ مجتمعنا يتحول بسرعة إلى الهمجية وسيادة السلوك الهمجي في الشوارع والأحياء والمرافق العمومية، إنه تحول مخيف ومرعب ربما أشد فتكاً من الإرهاب نظراً لحالات الإجرام الدموية التي شرعت تؤثث حياتنا اليومية سواء بالمدن أو القرى، وتحياتي

  • عن الجهل بالقانون
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 12:47

    الأستاذ مشكور على هذا المقال القيم والذي تناوله من جانب تقني سعيا منه إلى تنوير الرأي العام بكثير من الموضوعية والدقة والوضوح، حتى إني وجدته يندرج ضمن واجب توضيح الفصل القانوني القائل بـــ "لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهله للقانون".
    ومن هذه الجهة أرى أنه من واجب "القانون" أن يشرح نفسه بنفسه لأنه هو من يصوغ القوانين … فالمواطن العادي لا قبل له بالقانون وفصوله المفرغة من كل معنى متعارف عليه .. ولا بكيف تنسج النصوص القانونية .. حسب المصالح .. والنفوذ .. وو .. إلى آخر وو … فكيف أن يحمل المواطن ما لا طاقة له به .. فيقال له : من المفترض أن تكون على علم بالقانون …
    أما بخصوص "فتاة الحافلة" .. لم يسبق لي أن أبديت رأيا في هذا الموضوع.. فلقد بدا لي كل شيء كما لو كان فلما .. كما لو قيل للحافلة : لا تقلقوا .. لا تتحركوا .. نحن نمثل .. كل يقوم بالدور الذي أنيط به … هل كانت مشاغلة سياسية ؟ .. لست أدري

  • Lamya
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 13:10

    اضافة: هذا لا يعني ان المقاربة الامنية كافية, يجب ان نتساءل جميعا عن اسباب انحلال الاخلاق و القيم في المجتمع و تحليل ذلك بشكل علمي و موضوعي من طرف علماء النفس و الجتماع و التربية و الاسباب الحقيقية وراء ذلك لمعالجة المشكل من اساسه… و اعادة تربية القاصرين و الاستماع اليهم و تحليل نفسيتهم و ظروفهم سواءا من داخل المؤسسة السجنية او مؤسسات تربوية اخرى خاصة بهم..

  • ميمون
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 13:55

    كنت قد شاهدت على قناة Meta TV Jean du Chazaud و هو طبيب نفساني مهتم بالغدة الدرقية و تفاعلاتها مع الحالة النفسية للإنسان لدرجة أنه ربط بين اضطراباتها و الاضطرابات العقلية، مما يعني أن تصرفات الناس و سلوكهم لا يعود فقط للتربية و التكوين و الوازع الأخلاقي و الديني و لكن أيضا لتوازن الغدد و إفرازاتها داخل جسم الإنسان، و كذلك نمط التغذية، نسمع كثيرا عبارة طالع ليه السكر طلعتي ليا الطونسيون ضريتيني فراسي. و بالنسبة للاعتداءات الجنسية و الاضطرابات الجنسية وجد بأن هناك غدة تتحكم هي الأخرى في الجنس. إذن هناك عوامل أخلاقية و بيولوجبة و نفسية مرتبطة بعضها ببعض و هي التي تتحكم في تصرفاتنا و صحتنا الجسدية و النفسية، و يجب أخذ هذه الأمور بعين الاعتبار قبل الحديث عن المقاربة الأمنية أو غيرها من المقاربات.

  • عبد الله
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 15:43

    اغتصاب ام هتك عرض ،هو يقيتا اعتداء و اعتداء شنيع من الاعتداءات التي اصبحنا اما نتعرض لها ان نشاهدها بشكل يومي ،اعتداءات شنيعة اصبحت تلازمنا ،في طريقنا الى العمل ، في القطار ،في الحافلة ،في السوق ،في المستشفى وفي اي مكان ،بل واحيانا في منازلنا ،ما بالك عندما يصطف مجموعة من الشبان بركن بيتك ليلا لا يتفوهون الا بالساقط من الكلام ، وعندما تفتح نافذتك لتطلب منهم الصمت او الانصراف فانك تتعرض لما للم يخطر على البال بما في ذلك التهديد ،انها ازمة اخلاق ضربت بلادنا بشدة ، سببه الاول تحول دور الاسر الى دور بيولوجي لا غير ،نتزوج لنمارس… ننجب ثم نحيل على الشارع …هذه مسوولية تقصيرية تقع علو الوالدين ،يجب ادانة كل والد ووالدة تورط ابنهما في اي فعل ،فقد اقترب مجتمعنا من حضيرة حيوانات ،تحكمنا الرعونة والغراءز ، عفوا اخواني القراء فان مثل هذه الامور تدمي القلوب في بلد مسلم .

  • سفراء قلة الادب بالخارج !
    الأحد 3 شتنبر 2017 - 18:40

    الله يحد الباس !!!!!!!!!!

    روما ـ وكالات: صرحت وسائل إعلام إيطالية بأن المرأة البولندية التي تعرضت

    للإغتصاب في أحد المنتجعات الإيطالية قد تعرفت على اثنين من الجناة.

    التلفزيون الرسمي الإيطالي وو كالة الأنباء أنسا، صرحا بأن المرأة البولندية

    تعرفت على المراهقين الاثنين وهما مغربيان، في مركز للشرطة.

    و أفادت السائحة بانها تعرضت للإغتصاب على يد عصابة مكونة من أربعة

    أفراد على شاطىء ريميني.

    وحسب و سائل الإعلام فإن المراهقين سلما أنفسهما للشرطة، ويذكر بأن أعمار

    الشابين هي 15 و 17 عاما.

    ومن جهتها تحقق الحكومة البولندية في الحادثة كون الضحية مواطنة بولندية

    تحياتي من مراكش

صوت وصورة
أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت
السبت 19 شتنبر 2026 - 00:08

أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48 2

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29 4

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29 3

محافظ ثقيلة وأطفال صغار