أحدث دستور 29 يوليوز 2011 تغييرا كبيرا في القواعد المعيارية الدستورية المتعلقة بالمشاركة السياسية للمرأة المغربية مقارنة بالدساتير المغربية التي سبقته. لكن الممارسة أظهرت أن المشاركة السياسية للمرأة المغربية في مناصب المسؤولية وخاصة في الحكومة والبرلمان مازالت متواضعة رغم التطور المتزايد الذي عرفته في مرحلة ما بعد دخول دستور 2011 حيز التطبيق، وذلك نظرا لمجموعة من العوائق والتحديات.
أولا: التأطير الدستوري للمشاركة السياسية للمرأة المغربية
نشير بداية إلى أن علاقة المرأة المغربية بدستور 2011 لا تعود فقط إلى مقتضياته التي نصت على مجموعة من الحقوق السياسية للمرأة المغربية، وإنما تعود إلى حضورها المهم والوازن في لجنة صياغته؛ فقد ساهمت المرأة المغربية منذ البداية في مسطرة إعداد دستور 2011 من خلال مشاركتها في اللجنة الاستشارية لمراجعة الدستور، وذلك بحوالي خمسة نساء من أصل تسعة عشر عضوا وعضوة. وهو ما قد يكون انعكس على مضامين الدستور الذي نص على مجموعة من المقتضيات التي شكلت طفرة مهمة لصالح المرأة المغربية ومشاركتها السياسية مقارنة بما كان عليه الأمر في الدساتير السابقة.
فقد وردت كلمة “المرأة” في دستور 2011 حوالي خمسة عشر مرة في حين لم ترد هذه الكلمة في الدساتير السابقة سوى مرة واحدة. كما نص الدستور في ديباجته على احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا وعلى سمو الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب على القوانين الوطنية، ومن ضمن هذه الاتفاقيات تلك المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو cedaw) التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 1979، وصادق عليها المغرب مبدئيا في سنة 1993 مع الإبقاء على بعض التحفظات التي سيتم رفعها في أبريل 2011.
كذلك نص الدستور في الفصل 19 على مبدأ المساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والحريات، وعلى سعي الدولة المغربية إلى تحقيق مبدأ المناصفة. ولأجل ذلك نص الدستور في فصليه 19 و164 على إحداث هيئة وطنية للمناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز ضد المرأة، وقد صدر القانون المنظم لهذه الهيئة في أكتوبر 2017 وهو القانون رقم 79.14، مع الإشارة إلى أن هناك تأخر في إخراج هذه الهيئة عمليا إلى حيز الوجود. هذا بالإضافة إلى تنصيص الدستور في فصله 30 على تعزيز تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في المناصب التي يتم شغلها عن طريق الانتخابات، أي في المناصب التي يتم شغلها في مؤسسات صناعة القرار سواء على المستوى المحلي والجهوي من خلال المجالس الجهوية والإقليمية والجماعية، أو على المستوى الوطني من خلال حضورها في الحكومة والبرلمان.
وبالإضافة إلى ما نص عليه الدستور فيما يخص تمكين المرأة من المشاركة السياسية ومن ضمنها المشاركة في مؤسسات صنع القرار، فقد تم تطوير الإطارات القانونية والتنظيمية للمشاركة النسائية بغية تطوير المشاركة السياسية من حيث الممارسة؛ وهو ما بدا واضحا في أول قانون تنظيمي لمجلس النواب بعد دستور 2011 وهو القانون التنظيمي رقم 27.11 الذي نص في مادته 23 على الرفع من مقاعد “الكوطا” النسائية إلى تسعين مقعدا موزعة بين ستين مقعدا لفائدة النساء، فيما خصصت المقاعد الأخرى لفائدة الشباب. وفي ثاني انتخابات يعرفها المغرب بعد المصادقة على دستور 2011، تم الاحتفاظ بنفس المقتضيات الخاصة بتحفيز المشاركة النسائية في الانتخابات، مع تعديل طفيف جاء به القانون التنظيمي رقم 20.16 المعدل والمتمم للقانون التنظيمي رقم 27.11؛ حيث نصت المادة 23 على تغيير قواعد “الكوطا” الشبابية لتستحضر مقاربة النوع؛ إذ أصبحت تشترط التناوب بين الجنسين في ترتيب اللائحة الشبابية. أما القانون التنظيمي رقم 04.21 المتعلق بمجلس النواب، فقد ألغى اللوائح الوطنية المخصصة للنساء وخصص تسعين مقعدا انتخابيا على صعيد الدوائر الانتخابية الجهوية.
ويلاحظ إذن من خلال القانون التنظيمي لمجلس النواب والتعديلات التي عرفها، أن هناك إرادة قوية لدى المشرع المغربي من أجل تعزيز الحضور النسائي للمرأة المغربية في البرلمان وخاصة في مجلس النواب. وهو حضور يجب أن يوازيه في الواقع حضور للمرأة المغربية أيضا في السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة من خلال النصوص التشريعية المنظمة لذلك وهو ما لا نجده في الواقع؛ إذ يخلو القانون التنظيمي رقم 65.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة من أي مقتضيات تنص على ضرورة حضور المرأة في التشكيلة الحكومية، أو على إلزام أحزاب التحالف الحكومي بإعمال مبدأ المناصفة إبان مفاوضات تشكيل الحكومة. ويبقى ذلك خاضعا لاعتبارات سياسية وتوافقات حزبية. نقول ذلك مع الأخذ في الاعتبار أن الدستور ينص بشكل صريح في الفصل 19 على مبدأ المناصفة. وينص في الفصل 30 على مبدأ تكافؤ الفرص بين الرجال والنساء في ولوج الوظائف الانتخابية.
ثانيا: الحضور النسائي للمرأة المغربية في الحكومة والبرلمان في ظل دستور 2011
إن التغييرات الدستورية المعيارية التي أحدثها الدستور المغربي لسنة 2011 والنصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة به فيما يخص الحضور السياسي للمرأة المغربية، أدت إلى زيادة ملحوظة في المشاركة السياسية للمرأة المغربية في الحكومة والبرلمان مقارنة بما كان عليه الأمر في المراحل السابقة؛ ففي الوقت الذي لم تكن فيه أية نائبة برلمانية في مجلس النواب في الولاية التشريعية الأولى (1963-1965)، بلغ عدد النساء البرلمانيات في مجلس النواب حوالي 34 نائبة في الولاية التشريعية الثامنة (2007-2011). أما في الولايات التشريعية في ظل دستور 2011، فقد عرف الحضور النسائي في البرلمان تطورا مهما؛ حيث نجد، وحسب دراسة قامت بها المندوبية السامية للتخطيط بعنوان “المرأة المغربية في أرقام”، أن عدد النائبات البرلمانيات انتقل من 67 نائبة برلمانية في الولاية التشريعية التاسعة (2011-2016)، إلى 81 نائبة برلمانية في الولاية التشريعية العاشرة (2016-2021)، ثم 96 نائبة برلمانية في الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026).
ووفق نفس الدراسة، عرف عدد المستشارات البرلمانيات أيضا تطورا بعد سنة 2011، وإن كان بدرجة أقل؛ حيث انتقل العدد من 6 مستشارات في الولاية التشريعية التاسعة (2011-2016)، إلى 14 مستشارة برلمانية في الولاية التشريعية العاشرة (2016-2021)، ثم 15 مستشارة برلمانية في الولاية التشريعية الحادية عشرة (2021-2026).
ويلاحظ أن عدد النساء البرلمانيات عرف، بعد دخول دستور 2011 حيز النفاذ، تطورا مهما خاصة بالنسبة للنائبات البرلمانيات، وهو ما يمكن أن يعود بشكل مباشر إلى آليات التمكين التي جاء بها دستور 2011 والنصوص القانونية والتنظيمية المرتبطة به، لصالح المرأة المغربية، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي أو المحلي. لكن ما يلاحظ أيضا أنه لم يسجل إلى حدود تاريخ كتابة هذه السطور تقلد المرأة المغربية لمنصب رئاسة مجلسي البرلمان المغربي سواء مجلس النواب أو مجلس المستشارين، وخاصة رئيس مجلس النواب الذي هو منصب سيادي مهم، يعتبر المنصب الثالث من حيث الأهمية داخل هرمية النظام السياسي المغربي.
أما على مستوى الحكومة، وفيما يخص نسبة الوزيرات في الحكومات المتعاقبة بعد سنة 2011، فقد عرفت هذه النسبة تطورا ملحوظا خصوصا مع الحكومة الثالثة في ظل دستور 2011 التي يرأسها عزيز أخنوش؛ وهكذا فقد انتقلت نسبة الوزيرات النساء من 12.8 في سنة 2011 من مجموع الوزراء بما فيهم رئيس الحكومة، إلى 16.7 في المئة سنة 2019، ثم 29.1 في المئة سنة 2021 بما يعني أن حوالي ثلث أعضاء الحكومة هم من النساء. مع الإشارة إلى أن التطور مس أيضا طبيعة المناصب الوزارية من حيث الأهمية التي بدأ يتم إسنادها للمرأة المغربية مثل وزارة الاقتصاد والمالية التي أسندت لوزيرة امرأة وهي الوزيرة نادية فتاح العلوي. أما على مستوى رئاسة الحكومة فلم يسجل التاريخي الدستوري المغربي تعيين أية امرأة رئيسة للحكومة، وهي إشكالية لا ترتبط بمسألة التعيين، إنما تعود أيضا إلى قلة رئاسة المرأة المغربية للأحزاب السياسية، حيث من النادر أن تختار النخب الحزبية رئيسة للحزب أو أمينة عامة له.
إن التحولات النوعية التي أحدثها التمكين الدستوري للمرأة المغربية مع دستور 29 يوليوز 2011 أدت إلى تغييرات مهمة. لكن مع ذلك يمكن القول، ومن حيث الممارسة، إن مشاركة المرأة المغربية في مؤسستي الحكومة والبرلمان كمؤسسات لها أهميتها في صنع القرار لا زالت في بدايتها، وذلك نظرا لاستمرار وجود مجموعة من التحديات التي تعيق تحقيق هذه المشاركة وبلوغ المناصفة في شكلها الشامل.
ثالتا: التحديات التي تواجه حضور المرأة المغربية في الحكومة والبرلمان
إن التحديات التي تواجه حضور المرأة المغربية في الحكومة والبرلمان لا يمكن فصلها عن التحديات التي تواجه المشاركة السياسية للمرأة المغربية بشكل عام؛ وترتبط هذه التحديات والمعيقات بعوامل سوسيوثقافية، وعوامل اقتصادية، وعوامل تعليمية ذاتية وكذلك بعوامل مؤسساتية حزبية.
فبالنسبة للعوامل الثقافية تتمثل في وجود ثقافة تقليدية لكنها بدأت في التراجع، وهي ثقافة تحدد أدوار مسبقة للمرأة والرجل داخل المجتمع؛ حيث يتم حصر أدوار معينة على الرجال ومن ضمنها الأدوار السياسية، في حين يتم حصر دور المرأة في الأعمال “اللطيفة” التي تبتعد عن السياسة وما تتميز به من قوة وصراع ودفاع مستميت عن المصالح.
وبالنسبة للعوامل المؤسساتية والحزبية؛ فهي تتمثل في ضعف الديمقراطية الداخلية لدى الأحزاب السياسية، والتي تجعل من الصعب على المرأة مواجهة الصراعات الحزبية الداخلية. وكذلك انتشار ثقافة لدى الأحزاب السياسية غالبا تعطي الشرعية للزعيم الأوحد الذي كثيرا ما يستفيد من سيادة العقلية الذكورية الأبوية في المجتمع. ما يجعله يجثم على رئاسة الحزب لمدة أطول بمباركة أعضاء، يتحولون في بعض الأحيان إلى أتباع هم أشبه ما يكون بالمريدين.
أما بالنسبة للعوامل النفسية والذاتية؛ فمنها ما يرتبط بعوامل نسائية موضوعية تتمثل في دور المرأة في الإنجاب وفي التنشئة الاجتماعية الأولية. ومنها ما يرتبط أيضا بعدم ثقة المرأة في السياسة والسياسيين، ما يجعلها تبتعد في بعض الأحيان عن العمل السياسي وعن المشاركة في الانتخابات. وقد يزيد من ذلك ضعف المستوى التعليمي للمرأة، رغم أن هذا الضعف تراجع بشكل كبير في السنوات الأخيرة؛ حيث تراجعت نسبة الأمية لدى النساء في إحصاء 2024 إلى 32.4 في المئة بعد أن كانت تتجاوز 42.1 في المئة سنة 2014.
غير أن هذه التحديات التي كان من الصعب تجاوزها في بعض المحطات من تاريخ المغرب، باتت قابلة للتجاوز نظرا لمجموعة من التحولات والتغيرات الديمغرافية والسوسيولوجية التي يعرفها المجتمع المغربي منها: تزايد نسبة تمدرس الفتاة التي تتجاوز حاليا نسبة 95 في المئة، ولوج متزايد للمرأة المغربية لسوق الشغل، تزايد تقلد المرأة لمناصب المسؤولية. هذا بالإضافة إلى أن المجتمع المغربي يغلب عليه الطابع النسائي بنسبة حوالي 50.1 في المئة حسب إحصاء 2024، مما يمكن أن ينعكس على طبيعة الكتلة الناخبة.
إن ما يمكن التأكيد عليه بخصوص حضور المرأة المغربية في الحكومة والبرلمان، هو أن هذا الحضور عرف تزايدا متسارعا في ظل دستور 2011 الذي جاء بمجموعة من المقتضيات لإنصاف المرأة وتعزيز حضورها السياسي. وهو حضور يجعلنا لا نتردد في القول بأن المغرب مقبل على ثورة نسائية حقيقية في مختلف المجالات بما في ذلك المجال السياسي، وقد بدأت؛ وذلك إذا أخذنا في الاعتبار أن نسبة حضور المرأة في المجالس المحلية المنتخبة على المستوى الجهوي والإقليمي والجماعي عرف بدوره تطورا كبيرا بعد سنة 2011. لكن هذه التحولات ستكون لها بلا شك انعكاسات على العلاقات الاجتماعية داخل المجتمع المغربي، الذي يمتلك تراثا متجذرا وتقاليد راسخة لا يقبل التفريط فيها، لكنه مهووس بقوة بالاستفادة من الحداثة الغربية ومكتسباتها. وفي كيفية التوفيق بين الأمرين يكمن السؤال الذي يطرح بقوة في مجموعة من القضايا ومن أهمها قضايا الأسرة والأحوال الشخصية.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.