حميش يخط "مذكرات باريسية" .. حظر البصري وتمويل "الفقيه"

حميش يخط "مذكرات باريسية" .. حظر البصري وتمويل "الفقيه"
الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 05:30

في مطلع الثمانينيات أقدمت على إنشاء مجلتين دوريتين، هما “الزمان المغربي” (تخليت عنها سريعا لشريكي بسبب خلاف في التوجيه) و”البديل؟” ذات منحى سياسي وأدبي.

وكان مخاطبي في دعمهما ماليا هو المدعو عبد الغني بوستى، التقيت به بضع مرات في باريس حيث عرض عليّ ما أسماه مجرد اقتراحات في خط النشر والتوجيه العام. كان الرجل لطيف الطبع، يتكلم بصوت خافت ويدخن كثيرا. أسئلته واضحة مقتضبة وكلامه هادف لا لغو فيه، تذكِّر حركاته وسكناته بأوصاف الرجل الكتوم الباطني.

استمررت في إصدار مجلة “البديل؟” زهاء سنتين، حتى إذا ظهر عددها الثالث حول أدب السجون تعرضت للمنع والحجز من الأكشاك وكل نقط البيع في أهم المدن، وذلك من طرف السلطات الأمنية التي كان يرأسها سيئ الذكر إدريس البصري، وزير الداخلية وقتذاك.

وقد تسبب هذا المنع في خسارة مادية مهمة، وبعده بفترة وجيزة أخبرني من أثق به أن بوستى المذكور توفي، وأنه كان الوسيط بيني وبين الممول الرئيسي الذي هو محمد البصري، ولقبه “الفقيه”، من أبرز وجوه المقاومة المسلحة للإستعمار الفرنسي ومن كبار معارضي حكم الملك الحسن الثاني في الخارج.

كذا أدرت مجلة لا أعلم عن هوية ممولها شيئا! ولا شيء في محضر الشرطة يدل على أن الحظر تم بسبب العلاقة بالمحكوم عليه بالإعدام غيابيا (الذي سيحظى في 1995 بعفو سياسي، فعاد إلى وطنه حيث مات في 2003)، وإنما العلة الظاهرة أن المجلة بدت لحراس الأمن العام غير مرغوب فيها من حيث توجهها السياسي المعارض ونشرها لأشعار ونصوص واستجوابات ورسوم لمعتقلين سياسيين في سجن القنيطرة المدني. ولم أكن أرى غضاضة باسم حرية التعبير في إصدار ملف العدد المذكور تحت شعار محوري: “ويسألونك عن الأسر والكتابة”.

وهكذا عرفت تلك المغامرة نهايتها، فخلفت لي الأعداد المنشورة -تحت عنوان الصحافة الثقافية- حوارات مع أسماء وازنة صدر منها في المجلة ماكسيم رودنسون، عبد الرحمن بدوي، عبد الله العروي، وما لم ينشر بسبب المنع كان مع حسين مروة، الطيب تيزيني، عزيز الحبابي، عابد الجابري، نديم البيطار، إميل شييرون. وتهيأ لي من بعد نشر مجمل الحوارات في كتاب عنوانه “معهم حيث هم” عن دار الفارابي. وتلا ذلك رحيلي إلى باريس من أجل استكمال الدراسة وإعداد دكتوراه الدولة.

خلافا لإقامتي الأولى في “مدينة الأنوار” بمنحة من اليونسكو منتصف السبعينيات، كانت الثانية جراء تفرغ لسنتين نلته مع الإبقاء على راتبي كأستاذ محاضر في الكلية. في هذه المدينة زدت من معرفتي بمآثرها وفضاءاتها العمومية وحدائقها البديعةِ الوسيعة، وتمتعت بخدماتها الثقافية من سينما وأوبرا ومسارح ومتاحف؛ كما اكتشفت معنى ودفء الصداقة مع الجنسين.

والقبلة عندي في ذلك كله كانت الخزانة الوطنية بزقاق ريشوليو بالدائرة الثانية. وإني في هذه الخزانة العتيدة (التي يعود تاريخ إنشائها إلى النصف الثاني من القرن السابع عشر) قضيت أروع أوقاتي وأحلاها في البحث والتحصيل كما في ارتياد، صحبة من أعرفهم من القراء، المقاهي والمطاعم المحيطة بها.

إن باريس، والحق يقال، وهبتني، أنا متوسط الدخل إذّاك، جودة حياتية معتبرة. فأجمل الجولات برّا أو على مياه نهر السين عرفتها فيها؛ وفيها شاهدت أرقى الأفلام والمسرحيات والسمفونيات؛ وفيها أيضا تعرفت على أميرة، طالبة تونسية مددت لها يد العون السخيّ (توجيها وحتى تحريرا) في إعداد أطروحتها عن فرقة الحشاشين الإسماعيلية النزارية، وكنا قاب قوسين أو أدنى من الزواج لولا أن القدر شاء غير ذلك…

وأذكر أني معها كنا مواظبين على حضور “حفل الإنسانية” الذي كان يقيمه سنويا الحزب الشيوعي الفرنسي، وتُنظم خلاله حفلات موسيقية أذكر من أروعها أداء المغنية الأمريكية الملتزمة جوآن بايز، وكذلك تحفة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا “النشيد العام” (الكانطو خينرال) الذي لحنه الموسيقار اليوناني ميكيس ثيودوراكس وأدته فرقته تحت قيادته. وكانت تلك القصيدة التي حفظتها عن ظهر قلب أحد مداخلي لتمتين معرفتي باللغة الإسبانية.

هذا وإن نصيبي من باريس يمتزج أيضا بثورة الطلبة في ماي 1968 وبأغاني جاك بريل وليو فيري وجورج براسنس وإديت بياف وكوريغرافيا موريس بيجار وبوليرو موريس راڤيل… وقد خوّل لي هذا النصيب تمتين تملكي للغة الفرنسية بحيث صرت أكتب بها وأترجم إليها بعض رواياتي، وأقول إني فرنكوچراف لا فرنكوفون، والفرق بينهما بينٌّ ثابت.

حدث مؤلم واحد أزعجني مدة شهر كامل وأقلقني، إنه تشنج وجهيّ أصابني فجأة وأرغمني على لزوم بيتي هروبا من الهواء الخارجي والريح، وعلى إغماض جفنيَّ بواسطة لصقة مشمّعة أثناء النوم. ولحسن حظي أن أدوية كفت لبرئي مع حصص ترويض أجرتها على وجهي مسعفة ماهرة.

ولما علمت من الطبيب أن سبب مصابي ڤيروس اقتحمني ختمت، نظرا لإصاباتي السالفة، أن جسمي يُحسن استضافة الڤيروسات، ثم يقاومها بفضل نظامي الحمائي ومناعتي المكتسبة. هذا وإن أثر التشنج ذاك لم أتخلص منه إلا بعد سنة ونيِّف.

في باريس، غيرت مسكني أكثر من مرة، لكني إجمالا ظللت وفيّا للحي اللاتيني، وذلك لأسباب عاطفية ربطتني بجامعة السربون الأم، وبحديقته اللوكسامبورغ الفسيحة الممتدة إلى شارع مونبرناس في الدائرة الرابعة عشرة، وأيضا بقاعاته السينمائية الصغيرة التي تعرض دوريا أفلام كبار المخرجين العالميين، وكنت مواظبا على مشاهدتها، ومن ثم نشأ ولعي بالفن السابع وبكتابة السيناريو.

ومن ذكرياتي الراسخة في شارع سان ميشل أن حافلة أسقطت جانبيا فتاتا راكبة على دراجة هوائية، فانتُزعت من يدها سبّابتها، فالتقطتها بمنديلي وسلمتها لرب سيارة الإسعاف ما إن أتت، فيما الفتاة مغمى عليها. وأوحى لي هذا الحدث المؤلم بحلم يقظ تخيلت فيه نشوء علاقة عشقية بيني وبين تلك الفتاة. ولم أعد أذكر تفاصيل الحلم ولا مرداه…

أما في شارع سان-جيرمان المتقاطع مع سان-ميشل، فكنت أحيانا أقف أمام مقهى دروگستور مرددا في نفسي: من هنا إذن، يوم 29 أكتوبر 1965، امتدت أيادي الشرِّ والغدر إلى الزعيم المغربي المهدي بن بركة، واختطفته واقتادته إلى حيث تمت جريمة تعذيبه واغتياله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • yael
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 07:26

    الى استاذي( البديل )
    ما ان بدأت قراءة هذا المقال حتى تساقطت أمامي اوراق ماضي الملمم بصور حدائق مراكش و دكان حلاق حيينا الشيوعي حتى الثمالة.
    اكيد ان السي البصري سيء الذكر لكن هذه اللحظة الجارية الى نفق مظلم يساهم فيها عشاق ( البديل) الذين بدلوا قميصهم المزدهي بشي جيفارا واغاني الشيخ امام.
    وصاروا اليوم أكثر خبثا وأكثر اجراما من سيء الذكر.
    استاذي( البديل)
    لا احاكمك ولا اجرمك لكن عشقي لك ما زالت فيه بقية.
    إيقاعات( البديل) ونغماتها ما زلت اترنم بيها كما صلاة الغائب.
    لكن ما ابغيه ما اتشرب اليه الآن واللحظة مزعجة ومبتورة من خريطة الكون.
    ما العمل على عتبة الانهيار الآتي!!
    ما العمل لانقاد ما يمكن انقاده في بلد تحت وطأة سيء الذكر بصيغة الجمع.
    الى استاذي الغائب الحاضر.

  • ادريس
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 10:03

    مقال رائع استمتعت كثيراً بقراءته
    هنيئاً للكاتب الكريم بما عاشه في باريز

  • ياسين
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 11:34

    يا استاذي…لقد ذكرني حادث سبابة الشابة الفرنسية بكل الاصابع التي وضعها المثقفون المنسحبون في مؤخرة المغاربة جميعا…عندما اوفر لابني الحبيب ساذهب الى باريس لازور الاماكن التي زرتها لاشتمها…زارها قبلك اناس كثر انسحبوا هم كذلك

  • مغرد
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 12:00

    كل هذا لم تعلمه باربس الديمقراطية و. الاعتراف
    بهوية المغرب الامازيغية العربية و بتعدد ثقافات المغرب. وكان ممن يغضون الطرف عن الامازيغية
    ان لم اقل معارضا لها.

  • عجبيب
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 12:31

    اذكروا امواتكم بخير
    اللهم ارحمه نعم الرجال
    كان ضد الخونة ومن باعوا الوطن
    لما كانت بدلة الوزارة فوق ظهوركم كيف كنتم تنظرون إلى الشعب
    او
    أنتم لست مواطنين بل وزراء
    يا عجباه

  • اذا كان ادريس ...
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 12:40

    … البصري وزير الداخلية الاسبق سيء الذكر لانه كان خادما مخلصا لرئيس دولة بلاده الملك الحسن الثاني ، فماذا يقال في حق من كان يصدر مجلة يمولها الفقيه البصري الذي كان يتامر مع اعداء المغرب القذافي وبومدين والاسد ضد بلاده وتسبب في الماسي لكثير من الاسر في احداث 1973؟.
    لا تنس يا استاذ انه يكفي فخرا للوزير البصري ان صدر في حقه بلاغ من الديوان الملكي يعتبر المس به مسا بالمقدسات.
    كما لا تنس انه كان عضوا في حكومة عبد الرحمان اليوسفي التي كنت احد وزراءها.

  • الخطابي
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 12:56

    لا اعرف لم لا أتعاطف مع مفهوم – مذكرات او يوميات – من المفروض ان الامر جد شخصي تختزنه الذاكره لتلدذ بماضي جميل لا ان أوصل للناس اني متمكن من لغات واني واني واني ؟؟؟!! أظن ان عددا من الأخوه يشاطرونني الامر ؟ الشخصي شخصي لا ينشر و يحجب عن الآخرين . زرت عددا لا بأس به من الدول ولا اخد صورا حتى بل احتفظ بشريطي السينمائي لي وحدي وأتحدث لغات اكثر من سي حميش ولا يعلم بالأمر الا القله . مقال تفوح منه نرجسيته لافته ومعروفه عن الوزير السابق الذي لم يقدم لثقافه شيئا يذكر اذبان حكمه

  • غير مهم
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 13:09

    المرجو من الأستاذ بن سالم تنويرنا حول الوضع السياسي الحالي ببلادنا و أن يجهر برأيه بما أنه خبر دواليب الوزارة.و شكرا جزيلا.

  • Alaoui
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 14:08

    جغرافية المكان لها أهمية عند التوثيق وDrugstore الباريسي الذي إختُطِف منه الشهيد بنبركة يوجد عند ملتقى شارع السان جيرمان وlLa rue de Rennes وليس عند ملتقى شارع السان جرمان وشارع السان ميشال الذي يوجد في المقاطعة الخامسة بالحي اللاتيني بينما le Drugstore يوجد في المقاطعة السادسة قبالة ساحة السان جيرمان ديبري الزاخرة بالتاريخ الأدبي والفكري الفرنسي.

  • حمدون
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 17:44

    على مستوى الشكل مقال رائع لكن المحتوى فيه نظر:المرحوم بوسة انقلب على الفقيه بل طرده من تنظيم الاختيار الثوري

  • محمد
    الإثنين 1 أكتوبر 2018 - 20:07

    شكرًا للاستاذ العزيز. الذي يتقبل النقد ويعتبره قاطرة الى التقدم.
    نذكر الاستاذ بانحراف حكومته عن مسار الهدي بن بركة وَعَبَد الرحيم بوعبيد وباقي رفاق نضال الشعب المغربي في كل القوى.
    والنتيجة الراهنة دليل على الانحراف.
    على الاستاذ ان يقدم ما يمكن ان يتداركه من اخطاء وخذلان للنضال الشعب في استرداد السيادة.
    التي اثثت مدينة الأنوار وشكرا

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام