حين يتكلم الخصم ونصمت: مغاربة العالم ومعركة الإقناع في قضية الصحراء المغربية
في أكتوبر من كل سنة يعود ملف الصحراء المغربية إلى مجلس الأمن. هذه المرة للموعد وزن خاص، فهو أول تقييم لما تحقق منذ القرار 2797 الذي جعل مبادرة الحكم الذاتي أساسا للتفاوض. سيتابع المغاربة الجلسات، وينتظرون نص القرار الجديد، ثم ينصرفون إلى شؤونهم حتى أكتوبر المقبل.
لكن ما يُقرر في نيويورك يُحضر قبل ذلك بسنوات، في مدرجات الجامعات وأعمدة الصحف واجتماعات اللجان البرلمانية، في مدريد وبروكسل وأوتاوا وبريتوريا. وفي هذه الأماكن تحديدا يعيش ملايين المغاربة ويعملون، ونادرا ما يسألهم أحد عما يستطيعون فعله.
قبل نحو سنتين كنت حاضرا في لقاء أكاديمي فتح فيه أحد المؤيدين لأطروحة الانفصال نقاشا حول الصحراء، وقدم روايته بثقة من يعرض حقائق مسلّمة. نظرت حولي فرأيت طلبة وباحثين يستمعون باهتمام، وأدركت أن كثيرا منهم لا يعرف عن الملف شيئا غير ما يسمعه في تلك اللحظة، وأنهم سيخرجون من القاعة وقد صارت تلك الرواية عندهم هي الحقيقة. لم يكن السكوت خيارا، فطلبت الكلمة ورددت. وتعلمت يومها أن الصمت في مثل هذه المواقف يترك الساحة لرواية واحدة، وأن الرد لا يقنع إلا إذا جاء هادئا وموثقا وبلغة الفضاء الذي يقال فيه.
من الجالية إلى المواطنة المزدوجة
اعتدنا أن نسمي المغاربة المقيمين بالخارج “جالية”، وفي الكلمة شيء من المؤقت: أناس هاجروا للعمل وسيعودون يوما. والواقع تجاوز هذه الصورة منذ زمن. فأبناء عمال مناجم ليمبورغ البلجيكية ومصانع شمال فرنسا وأحفادهم صاروا قضاة ونوابا وأساتذة وأطباء. أغلبهم يحمل جنسيتين، ولا يعود إلى المغرب إلا زائرا.
هذا التحول يغير طبيعة الدور الممكن. فالمواطن الإسباني أو البلجيكي أو الكندي من أصل مغربي يتحدث إلى برلماني بلده بوصفه ناخبا وزميلا وجارا، ولا يُنظر إليه ممثلا لدولة أجنبية. ولذلك يُسمع كلامه عن الصحراء بطريقة لا يُسمع بها بيان رسمي. وقد نص الدستور على تعزيز مساهمة مغاربة الخارج في تنمية وطنهم، ودعا جلالة الملك محمد السادس نصره الله في أكثر من خطاب إلى تحديث المؤسسات المعنية بهم والاستفادة من كفاءاتهم.
ومن يريد أن يفهم كيف يُكسب الرأي العام، عليه أن ينظر إلى من كسب جولات منه. فالخطاب الانفصالي لم يحقق حضوره في إسبانيا بقوة الحجة القانونية، بل بصبر طويل في بناء التعاطف. منذ عقود يستضيف برنامج “عطل في سلام” كل صيف آلاف الأطفال من مخيمات تندوف لدى عائلات إسبانية. ارتبطت تلك العائلات بالأطفال، ثم صار التعاطف موقفا سياسيا في البلديات والأحزاب. الرأي العام يتغير بالقرب الإنساني أكثر مما يتغير بالبيانات. ومغاربة الخارج يملكون هذا القرب أصلا، فهم حاضرون في المدرسة والمستشفى والجامعة ومجلس المدينة الخ.
الحجة تحتاج إلى من يحسن عرضها
غير أن القرب وحده لا يكفي. كثير من شبابنا يحب المغرب حبا صادقا، ثم يقف عاجزا حين يواجهه زميل بعبارة “آخر مستعمرة في إفريقيا”. والمشكلة هنا معرفية قبل أن تكون سياسية.
يقدَّم تقرير المصير في الخطاب المناوئ كأنه يعني الانفصال حتما. لكن قرار الجمعية العامة 2625 لسنة 1970، وهو من أهم نصوص القانون الدولي في هذا الباب، يعترف بأن هذا الحق يتحقق أيضا بالاندماج في دولة قائمة أو بأي وضع سياسي آخر يختاره السكان بحرية. والحكم الذاتي الذي يمنح سكان المنطقة برلمانا وحكومة محلية منتخبين صيغة من صيغ تقرير المصير. وإلى هذا المعنى انتهى مجلس الأمن نفسه في قراره الأخير.
أما الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية سنة 1975، فيقتبس منه الخصوم أن المحكمة لم تجد “روابط سيادة إقليمية”، ويسكتون عن أنها أقرت روابط بيعة قانونية بين سلاطين المغرب وبعض قبائل الصحراء. وفي عمق المسألة تصوران مختلفان للسيادة: تصور أوروبي حديث يقيسها بالحدود والإدارة، وتصور أقدم كانت فيه البيعة عقدا شرعيا وسياسيا يربط الجماعة بالسلطان. ومن يدرس تاريخ المنطقة قبل الاستعمار بأدوات الدولة الوطنية الأوروبية وحدها، يفوته جزء أساسي من الصورة. وشرح هذا الفرق بهدوء ودقة مهمة يقدر عليها الباحثون المغاربة في الجامعات الأجنبية أكثر من غيرهم.
ومما يلفت الانتباه أن بعض المنتسبين المغاربة إلى بعض الحركات الإسلامية، في أوروبا وخارجها، يتبنون بدورهم الطرح الانفصالي أو يتعاطفون معه، ويقدمونه أحيانا بلغة نصرة المستضعفين. وهذا موقف يستحق أن يُناقش من داخل المرجعية التي يحتكمون إليها. فالأصل في الشرع اجتماع الكلمة ونبذ الفرقة، والقرآن صريح في ذلك: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾. وحفظ الجماعة ووحدة الكيان من المقاصد التي قررها الفقهاء، والبيعة التي ربطت قبائل الصحراء بسلاطين المغرب عقد شرعي له حرمته، ولا تنقضه قراءات سياسية حديثة. ثم إن اقتطاع جزء من بلد مسلم لإقامة كيان صغير جديد لا يخدم الأمة في شيء، ويزيد من تمزيق جسد أنهكته الحدود الموروثة عن الاستعمار. ولا يستقيم أن يرفع المرء شعار الوحدة الإسلامية ثم يدافع عن تفتيت دولة مسلمة قائمة. والحوار مع هؤلاء ينبغي أن يكون بالحجة الشرعية الهادئة، فكثير منهم ينطلق من حسن نية ومعلومات منقوصة أكثر مما ينطلق من عداء للمملكة المغربية الشريفة.
ونعلم أن النقاش الأوروبي انتقل في السنوات الأخيرة إلى المحاكم، وأن أحكاما قضائية أوروبية أثارت مسألة موافقة سكان المنطقة على الاتفاقيات التجارية. وهذا بالذات ما يجعل شرح الحكم الذاتي أولوية، لأنه الإطار الذي يجعل سكان المنطقة أصحاب القرار في شؤونهم عبر مؤسسات منتخبة.
الحكم الذاتي بلغة يفهمها الأوروبي
بعد القرار 2797 لم يعد السؤال المطروح علينا “لمن الصحراء؟” فقط، بل صار أيضا “كيف سيعمل الحكم الذاتي؟”. وهنا يملك المغاربة في أوروبا ميزة لا ينتبهون إليها، فهم يعيشون داخل نماذج للحكم الذاتي.
المغربي في برشلونة أو إشبيلية يعرف كيف تُدار المجموعات المستقلة في إسبانيا. والمغربي في إيطاليا يستطيع أن يذكر جنوب التيرول، المنطقة الناطقة بالألمانية التي تتمتع بحكم ذاتي واسع داخل الدولة الإيطالية. والمغربي في بروكسل يعيش في ظل فيدرالية الجهات والمجموعات. ومع اختلاف السياقات، حين يقول هؤلاء لمحاوريهم إن ما يقترحه المغرب ينتمي إلى العائلة نفسها من الحلول التي اعتمدتها أوروبا لتدبير تنوعها، يصبح الحكم الذاتي مفهوما مألوفا. ويمكنهم أن يضيفوا رقما بسيطا: في الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي بلغت نسبة المشاركة نحو 77 في المائة في جهة العيون الساقية الحمراء ونحو 61 في المائة في جهة الداخلة وادي الذهب، في حين لم يتجاوز المعدل الوطني 38 في المائة.
ولا يقتصر الأمر على أوروبا. فللمغرب في إفريقيا جنوب الصحراء رصيد روحي عميق، تحمله الطريقة التجانية وغيرها، وتؤطره إمارة المؤمنين ومؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. وقد فتحت دول إفريقية كثيرة قنصليات في العيون والداخلة. والمغاربة المقيمون في داكار وأبيدجان وباماكو يستطيعون أن يقدموا بلدهم شريكا في مشروع إفريقي أطلسي، لا طرفا في نزاع حدودي.
بأي شروط؟
لهذا الدور شروط. أولها أن يصدر عن مواطنين أحرار يعبرون عن قناعاتهم بأسمائهم وبشفافية، ويحترمون قوانين بلدان إقامتهم والتزاماتهم فيها. فالنقاش العام في أوروبا شديد الحساسية تجاه كل ما يبدو موجها من الخارج، والمصداقية هنا هي رأس المال كله.
وثانيها الرصانة. التعليق الغاضب على وسائل التواصل يريح صاحبه، لكنه لا يقنع صحفيا ولا أستاذا جامعيا. ومن يخوّن مخالفه يخسر الجمهور الذي جاء ليقنعه.
وثالثها ألا ننسى البعد الإنساني. في مخيمات تندوف يعيش منذ قرابة خمسين سنة أناس من أهلنا في ظروف صعبة، دون إحصاء مستقل يضبط أعدادهم ويحمي حقوقهم. والدفاع عن الحل السياسي دفاع عن حقهم في العودة الكريمة وفي حياة عادية. ومن يتحدث بهذه اللغة يجد آذانا صاغية حيث لا تنفع لغة المواجهة.
يبقى التحدي الأصعب: الأجيال الجديدة. شبابنا في الخارج يتقنون لغات بلدانهم ويفهمون مؤسساتها، لكن صلتهم بقضايا المغرب تمر غالبا عبر العائلة والعاطفة. والعاطفة التي لا تسندها معرفة تضعف مع الوقت. لذلك نحتاج إلى عمل هادئ وطويل النفس يستمر بعد أكتوبر: مراجع جادة بلغات بلدان الإقامة، وجامعات صيفية تأخذ الشباب إلى العيون والداخلة ليروا بأعينهم، ومنابر في أوروبا وإفريقيا وأمريكا يتحدث فيها شباب الأقاليم الجنوبية ومنتخبوها عن واقعهم بأنفسهم.
أعود إلى تلك القاعة الجامعية قبل سنتين. لو كان بين الحاضرين عشرة طلبة مغاربة يعرفون ما في القرار 2625 وما قالته محكمة العدل الدولية فعلا، لما احتاج الأمر إلى متدخل واحد. عدالة القضية ثابتة، والموقف الدولي يميل إلى صالحها أكثر من أي وقت مضى. وما ينقص أن يعرف مغاربة العالم قضيتهم بقدر ما يحبونها.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.