خائفة من أن أكون سعيدة

خائفة من أن أكون سعيدة
السبت 11 أكتوبر 2025 - 20:17

“سعيدة؟… خائفة من أن أكون سعيدة”، هكذا أجابت امرأة فلسطينية من غزّة حين سألها أحد الصحفيين عمّا تشعر به بعد إعلان وقف “إطلاق النار”.

لم تقل إنها «بسلام»، ولم تقل إنها «آمنة»… قالت إنها خائفة.

جملة قصيرة، لكنّها تختزل مأساة شعبٍ تعلّم أن يخاف حتى من الأمل.

المرأة الغزّية لا تخشى الفرح لأنها تجهله، بل لأنها تعرف تمامًا أن الفرح في غزّة لا يدوم أكثر من هدنة.

كل صمت هناك يُخشى أن يكون مقدّمة لانفجار جديد، وكل فجرٍ يُطلّ كأنه وعدٌ غامض بالنجاة ليومٍ آخر.

ذلك هو إرث شهورٍ طويلة من القصف والدمار: خوفٌ لا يُطفئه بيانٌ دولي، ولا يُبدّده عنوانٌ متفائل في نشرة الأخبار.

وفي الوقت نفسه، تأتي من قصور الساسة أخبارٌ تثير الدهشة والسخرية معًا.

فها هو بنيامين نتنياهو يقترح دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام، “لدوره في الوساطة من أجل وقف المجزرة”.

نعم، في النزاع نفسه الذي حصد آلاف الأرواح، ودمّر المستشفيات، وترك جيلاً من الأطفال لا يعرف سوى أصوات الانفجارات.

إنه مشهد عبثيّ، أن يُكافأ من كان شريكًا في إشعال الحرب بجائزةٍ تُمنح له بدعوى أنه من أطفأها.

كأننا نُهدي جائزة الطب لمن أوقف نزيفًا هو من سبّبه أصلًا، وعن عمدٍ وسابق إصرار.

“خائفة من أن أكون سعيدة”… عبارة تختزل ما لا يقوله مصطلح “وقف إطلاق النار”.

قد يهدأ الموت، لكن الخوف يظلّ يقظًا، كجرحٍ لا يندمل.

وفيما يتسابق الساسة على تقاسم المجد، يُنسى السؤال الحقيقي:

أيّ مجدٍ هذا، فوق ركام البيوت، وفوق جثث الأبرياء، وفوق وجع الأمهات؟

ربما تكون الجائزة الحقيقية هي أن يعيش أطفال غزّة بلا خوفٍ من الفرح،

أن تبتسم أمّ دون أن تخشى أن تلي ابتسامتها صفّارة إنذار،

أن يُصبح السلام عادة يومية لا إعلانًا مؤقتًا.

أما من يستحقون نوبل حقًا، فهم أولئك الذين لم يغادروا ميادين الألم.

الأمهات اللواتي نبشن الركام بأيديهن بحثًا عن أبنائهن،

الأطباء الذين أجروا العمليات على ضوء الهواتف،

الصحفيون الذين بثّوا الحقيقة بينما القنابل تتساقط فوق رؤوسهم.

هؤلاء لا يملكون مكاتب فاخرة ولا مستشارين إعلاميين،

لكنهم يملكون ما هو أسمى، يملكون الإيمان بالحياة وسط الموت.

غير أن أصواتهم لا تُسمع في لجان الترشيح، ولا تُسجّل في محاضر المؤتمرات،

فجائزة نوبل تُمنح حيث الضجيج أعلى، لا حيث الألم أصدق.

العالم يصفّق لـ«الهدنة» وينسى أن تحتها تنبض جثث الضحايا، وبينها العدالة نفسها.

يتبادلون التهاني، يوقّعون البيانات.

لكن غزّة تبقى مقبرةً مكشوفة للسماء.

وفي قلب هذا المشهد، تقول امرأةٌ فلسطينية بصوتٍ مرتجف:

“أنا خائفة من أن أكون سعيدة”.

ربما تلك هي العبارة التي تستحق أن تُنقش على ميدالية نوبل لهذا العام، وفي الأعوام القادمة.

لأن في مسرح السياسة تُؤدَّى مشاهد السلام على الخشبة،

بينما يُعاش الألم الحقيقي خلف الستار، بين الأنقاض،

حيث الخوف من الفرح هو آخر ما يتبقّى من الحياة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    الإثنين 13 أكتوبر 2025 - 06:32

    “Seize the moments of happiness, love and be loved! That is the only reality in the world, all else is folly”

    “اغتنم لحظات السعادة، أحب وكن محبوبًا! هذه هي الحقيقة الوحيدة في العالم، وكل ما عداها هراء.”

    Leo Tolstoy (1828-1910)
    في رواية “الحرب والسلام”
    (تعتبر هذه الرواية من أعظم الأعمال الأدبية في العالم)

    “أخطر أنواع الخوف، هو ذلك الذي يجعل الإنسان يرتجف أمام فكرة الفرح.”

    أخي عبد الحميد،

    لقد وضعت يدك على ذلك الجرح الخفي الذي قلما يلتفت إليه الخطاب السياسي والإعلامي، جرح الخوف من الفرح، وكأن السعادة أصبحت في بعض البقاع فعلا محفوفا بالمخاطر. العبارة التي نقلتها عن تلك المرأة الغزية ليست مجرد وصف لحالتها الآنية، بل هي مرآة لوجدان جماعي عاش طويلا على إيقاع القصف والهدنة، حتى صار يربط الابتسامة بصفارة الإنذار.
    إن الجائزة الأسمى، كما وصفت، ليست نوبل ولا أي وسام برّاق، بل أن يعيش أطفال غزة صباحا طويلا بلا رائحة بارود، وأن تعرف الأمهات طمأنينة حقيقية لا تعكرها أخبار قادمة من الغرف السياسية المغلقة.

    “هناك أفراح لا تحتاج إلى جوائز، بل تحتاج إلى أن يُسمح لها أن تدوم.”

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 3

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 14

المنصوري تصل إلى موسكو

صوت وصورة
"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 11:36 5

"القاعدة الجوية" .. شارع الحوادث

صوت وصورة
كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟
الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 22:11 1

كيف غيّر طلبة صربيا المشهد السياسي؟