خطاب ثورة الملك والشعب .. والموجة الثالثة من خطاب القيادة الإقليمية

خطاب ثورة الملك والشعب .. والموجة الثالثة من خطاب القيادة الإقليمية
الأحد 21 غشت 2016 - 21:47

خطاب الملك محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب هذه السنة هو تعبير عن الموجة الثالثة من خطب القيادة الإقليمية؛ إذ توجهت الموجة الأولى إلى تحديد معالم الريادة والقيادة الإقليمية، ورسم خطاب الملك في القمة المغربية الخليجية محددات الموجة الثانية من خلال بسط خيارات المغرب في التعامل مع القوى الدولية التي تعمل على إعاقة إشعاعه وإدخاله ضمن مخططات التقسيم لإضعافه، وجاء خطاب الموجة الثالثة يتوج هذه القيادة من خلال الانتصاب لمخاطبة الإقليم من موقع القيادة والريادة، ومحاورة الضفة المتوسطية الشمالية حول التحديات التي تعاني منها المنطقة، والدور المركزي الذي يقوم به المغرب من أجل ضمان استقرارها وتنميتها.

مقومات خطاب القيادة الإقليمية في الموجة الأولى ركزت على النموذج الديمقراطي والتنموي داخل المغرب، وصلابة الجبهة الداخلية ودرجة جاهزية وتعبئة الرأسمال البشري المغربي لرفع تحدي الالتحاق بالدول الصاعدة. مقومات تعتمد في الأساس السياسي على إنهاء الصراع في الداخل على السلطة، وإجماع الفاعلين السياسيين حول الملكية، وصيانة الاختيار الديمقراطي، وترتكز في الأساس التنموي على تثمين الرأسمال البشري، ومحورية العدالة الاجتماعية فيه، وتصحيح أعطاب النموذج السابق، واستعمال الذكاء الاستراتيجي في التقاط الفرص لتقوية هذا النموذج، وضمان توسعه وامتداداته.

في جانب آخر يعتمد خطاب القيادة الإقليمية على مقومات استراتيجية أخرى أظهرت قوتها التحديات التي برزت في المنطقة، ودور المغرب في الإجابة عنها: الدين، والأمن؛ أي النموذج المغربي في إشاعة إسلام وسطي معتدل مجدد ومواكب للتطورات، ونموذج مقاربة أمنية استباقية في محاربة الإرهاب وتفكيك خلاياه، قبل أن يصل إلى مراحل تنفيذ مخططاته التخريبية.

خلاصة الموجة الأولى من خطاب الريادة والقيادة الإقليمية هي جبهة داخلية قوية بالاختيار الديمقراطي، ومغرب آمن مستقر، ونموذج تنموي يراعي إحداث قدر مهم من التوازن الاجتماعي، ونموذج ديني وأمني برز الطلب الخارجي عليه بشكل كثيف، سواء على المستوى الإفريقي أو العربي أو الأوروبي.

الموجة الثانية من خطاب الريادة والقيادة الإقليمية توجهت إلى مخاطبة القوى الدولية التي تعمل على إعاقة تطور هذا النموذج، وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية التي تمعن في توظيف نزاع الصحراء، وتستعمل ورقة حقوق الإنسان بشكل انتقائي وغير موضوعي لإضعاف المغرب، وتمارس قدرا غير قليل من الابتزاز السياسي ضد مصالح المغرب الاستراتيجية، وتتعامل سياستها الخارجية بازدواجية منافقة (التحالف الاستراتيجي من جهة، وإنتاج مخططات التقسيم من جهة مقابلة). خطاب الموجة الثانية اتجه إلى بسط خيارات المغرب في وجه القوى التي تعيق قيادته الإقليمية: خلق كتلة صلبة مع دول الخليج والأردن تتفاوض بشكل جماعي مع الولايات المتحدة الأمريكية لتحصين استقرارها ومواجهة المخططات التي تستهدفه، والإعلان عن استقلاله في تحديد شركائه الاستراتيجيين (روسيا وغيرها) لتحصين نموذجه وريادته الإقليمية.

أما الموجة الثالثة، فكانت معالمها مختلفة لأن الخطاب فيها توجه إلى أكثر من مخاطب: توجه إلى أوروبا والدول التي تسعى إلى إعاقة تمدد المغرب في عمقه الإفريقي، ليذّكر الجميع بأن القوة التنافسية للمغرب تكمن في تعدد عناصرها، فتشمل المقوم الديني الذي يربط إفريقيا تاريخيا وحضاريا بصلات روحية لا يمكن أن ينافس المغرب فيها، وتشمل النموذج التنموي المغربي القائم على مساعدة إفريقيا للنهوض التنموي بدل استغلال ثرواتها والتعامل معها كسوق استهلاكية، وتضم أيضا دور المغرب في مساعدة إفريقيا على تحقيق الأمن والسلام، سواء بخبرته الدينية أو الأمنية أو بمساعدتها على النهوض ووضع المواطن الإفريقي في صلب التنمية.

كما توجهت هذه الموجة من الخطاب إلى أوروبا التي تضغط على المغرب حقوقيا على خلفية تعامله مع المهاجرين، وتمعن في الضغط عليه ليكثف من جهوده لحماية الضفة المتوسطية الشمالية من مخاطر الهجرة والإرهاب والجريمة العابرة للحدود والتجارة في البشر. الخطاب واضح، فالمغرب لم يختر الانتقال من دولة للعبور إلى دولة للإقامة استجابة لهذه الضغوط، وإنما اندرج ذلك ضمن رؤية استراتيجية للقيادة الإقليمية، ولذلك فهو لا يحتاج إلى أن يتلقى الدروس من دول لا تقدم معشار ما يقدمه المغرب للمهاجرين الأفارقة.

أما المخاطب الثالث في هذه الموجة الثالثة، فهم المغاربة وعموم المسلمين في أوروبا، وهذه المرة يصدر الخطاب عن الشرعية الدينية للقيادة الإقليمية (إمارة المؤمنين) ليصحح مفهوم الإسلام، ومفهوم الجهاد، وضوابطه، وأنه لا أحد يملك حق إعلانه إلا أمير المؤمنين، وليعلن الحرب على التطرف والغلو والإرهاب، ويكثف لأول مرة من استعمال النصوص الدينية ليثبت خروج الجماعات الإرهابية عن الدين وتنطعهم عن مقاصده السمحة، ويثبت، في المقابل، سلمية الإسلام، ورسالته العالمية في التعايش والرحمة، ويستدل بتجربة الحضارة الإسلامية في إذكاء روح التعايش والتسامح مع الأقليات الدينية.

المخاطب في الموجة الثالثة أيضا هو المسلم في أوروبا الذي يعاني من موجات الكراهية والحقد والعنصرية، تدعوه القيادة الدينية إلى التحلي بالصبر وترسيخ صورة التقاليد الإسلامية العريقة والقائمة على قيم الرحمة والحوار والتعايش والتسامح، وعدم الانجرار إلى خطاب العنف والغلو والتطرف.

المخاطب في الموجة الثالثة كذلك قيادات أوروبا السياسية والمدنية والدينية، يكشف لها الخطاب الملكي أهمية القيادة الروحية الممثلة في إمارة المؤمنين في تأطير المغاربة المسلمين المقيمين في أوروبا وكافة مسلمي أوروبا بالإسلام الوسطي المعتدل القادر وحده على تحصين الأجيال القادمة، والإجابة عن التحدي الإرهابي الذي تواجهه القارة العجوز.

يريد الخطاب أن يبعث برسالة واضحة إلى أوروبا ليقول لها: ليس البديل هو إلصاق التهم بالمسلمين عند أي تهديد إرهابي، ولا إقامة علاقة مطردة غير متيقن حولها بين الهجرة والإرهاب، ولا بعث موجات الإسلاموفوبيا والكراهية والعنصرية للمسلمين، ولا سياسات الإقصاء والتمييز ضدهم، ولكن البديل هو الاعتراف بدور الإسلام في حل المعضلة الأوروبية، ومن ثمة الاعتراف بدور إمارة المؤمنين في هذا الاتجاه، وتمكين النموذج الديني المغربي من القيام بدوره داخل أوروبا.

هذه هي مجمل موجات خطاب القيادة الإقليمية، وهي عند مقارنتها بخطاب القيادة الإقليمية التركية تمثل الخطاب العقلاني المعتدل المحاور الذي يسعى إلى البحث عن المشترك قبل ممارسة أي ضغط أو تصعيد لمواجهة الإعاقات التي يتعرض لها.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • سمالوطي
    الإثنين 22 غشت 2016 - 03:11

    تحولتم يا أبناء الحركة الاسلامية إلى أبواق للأنظمة، ضاعت تضحيات الشهداء وعذابات المعتقلين بين نزواتكم في الحصول على حقكم من الغنيمة.
    عوضنا على الله فيكم

  • youness
    الإثنين 22 غشت 2016 - 14:20

    رأس الحكومة المقبلة بدأ يطل من وراء غيمة الانتخابات، ومنصب الوزير صار يغري جميع العاطلين عن العمل، حقا هزلت حتى سامها كل مفلس.

  • الرياحي
    الإثنين 22 غشت 2016 - 22:18

    كل كتاب الحركة لإسلامية لا يرون بدا من ذكر تركيا .أصبحت أنقرة هي قبلتهم الروحية.وفي هذا الصدد جلبوهم لبلادنا وتشاركون معهم في عدة مشاريع تجارية مما تسبب في ضربة قوية لإخواننا سواسة وكل التجار الصغار.عن المقال نفسه فكل القراء يفكون الخط وكنا قرأنا خطاب صاحب الجلالة ولا نحتاج لمترجم ولا لوسيط يحجر علينا ونفس الشيئ بالنسبة للقرآن وعامة الدين

صوت وصورة
أول الفهم | محمد مصطفى القباج
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 22:27

أول الفهم | محمد مصطفى القباج

صوت وصورة
التسول يغتصب براءة الأطفال
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 20:03 8

التسول يغتصب براءة الأطفال

صوت وصورة
طقس خريفي متقلب بالمغرب
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 16:17

طقس خريفي متقلب بالمغرب

صوت وصورة
النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 11:55 1

النفايات تحاصر مدرسة ومستشفى

صوت وصورة
أزمة النقل تخنق سكان طنجة
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 10:28 4

أزمة النقل تخنق سكان طنجة

صوت وصورة
GNV تحتفي بزبنائها في مراكش
الإثنين 5 أكتوبر 2026 - 09:20 1

GNV تحتفي بزبنائها في مراكش