خطبة الجمعة...

خطبة الجمعة...
الخميس 11 أبريل 2024 - 17:20

لم يقلب الإسلام الطاولة على ما ألفه الناس من فنون التواصل، وهو يسعى إلى تنشئة جيل جديد وفق رؤية جديدة، وقيم بديلة عن تلك التي تربى عليها عرب الجزيرة. فالخطابة أسلوب مألوف حين يتعلق الأمر بإظهار علو النسب وشرف المكانة، والتفاخر بكرم العطاء وشدة البأس.

الخطابة أسلوب الإسلام الموروث:

وهي كذلك في الإسلام، اعتزاز بالانتماء إليه، وهو فخر يعلو على ما سواه من أنواع الانتماءات والولاءات، ومن خلالها يتم تصريف مقتضيات عقيدته وشريعته، وكل الآداب ومكارم الأخلاق التي بعث محمد (ص) متمما لها. كما كانت لدى الإغريق، وسيلة للإقناع وإبهار المخاطب، بالنفاذ إلى وجدانه، والنحت فيه وعليه ما شاء الخطيب المفوه من قيم ومبادئ، “لما تنطوي عليه من قوة في إقناع الناس والتأثير عليهم واستمالتهم” (أرسطو).

وقد كانت أسلوب الرسول (ص) الذي يلجأ إليه، كلما داهم المسلمين أمر عظيم، أو لاحظ انحرافا سلوكيا في صفوف أتباعه تقويما وتعديلا له، أيضا في حالات النفير العام، والحث على منازلة العدو، وصد التهديدات التي تحاول كبح مسيرة الدعوة. ولأهمية هذا النهج البيداغوجي في تكوين الشخصية المسلمة، شُرعت موعدا أسبوعيا، وجب شد الرحال إليه، والترغيب في التبكير إلى المسجد (محل إلقائها) يوم الجمعة، والنهي عن الانشغال بكل ما من شأنه أن يشتت الانتباه، ويحول دون ما يلقي الخطيب. كل ذلك، تنبيها لعظمتها وجلال قدرها، التربوية والتواصلية، كما قال عنها عبد الحي عمور: “الخطبة المنبرية إعلام وتواصل، وخطاب إسلامي أسبوعي إلى العامة والخاصة من المسلمين رواد المساجد”.

باعتبار الخطبة المنبرية قناة شديدة القرب من قلوب الساكنة، كقرب المسجد من سكناهم. وجد فعالة في نشر الخطاب الإسلامي.

مطلب الرقي بالخطبة رسميا وشعبيا:

تشكل لحظة خطبة الجمعة مناسبة لمقاربة مستجدات الحياة، وما تطرحه من تحديات على المسلم، وسبل مواجهتها بالشكل الذي يتوافق مع ما يسكن قلبه عقيدة، وما ارتضاه شريعة. فلا يخفى على أحد ما تتعرض له القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية من تشكيك، من طرف قوى تمتلك كل الآليات التي ترفع من منسوب تأثيرها، وتكثير سواد زبنائها. وقد تكون خطبة الجمعة، واحدة من الفرص القليلة التي قد تكون تلقيحا لتقوية مناعة أبنائنا الثقافية، وتحصين هويتهم الحضارية. فهي كالجرعة القليلة كما، ذات المفعول القوي كيفا، إذا توافرت فيها الشروط التي تؤهلها للنفاذ إلى العقول والقلوب، فتحدث التأثير المرغوب. ولا تكون كذلك إذا لم يوفق الخطيب في اختيار الموضوع الذي يلامس واقع الناس ويرتقي بهم لتنمية مهاراتهم الحياتية، ومعارفهم الدينية. وقد أشار المرحوم الحسن الثاني إلى هذا أمام رؤساء وأعضاء المجالس العملية في 1 فبراير 1980 قائلا: “أين هو تحليل النظام الاقتصادي الاجتماعي والاشتراكي المحض الصرف الإسلامي؟”، بعد أن عاب الاقتصار على مواضيع الوضوء ونواقضه، والصلاة ومبطلاتها.

إن الحاجة ماسة إلى انخراط الخطبة في معالجة ما يطرحه العصر من تحديات، وتوجيه الشباب ومساعدتهم على مواجهتها بالشكل الذي يحفظ عليهم دينهم وعرضهم، وعدم تركهم وجها لوجه أمام المحتويات الوافدة من هنا وهناك، في عصر الإعلام المفتوح، والطرق السيارة للمعلومات غثها وسمينها. وحاجاتهم لمعالجة “قضاياهم الفكرية والخلقية وتقديم الحلول الإسلامية لها، مع إذكاء الطاقة الروحية الإسلامية” (توصية لجنة الخطابة 1987). هي مهام تقتضي خطيبا مؤهلا معرفيا ومنهجيا، ليرتقي بالخطبة شكلا ومضمونا. “فالتحديات الذي يعيشها الإسلام والمسلمون لم تعد تحتمل تضييع الوقت والجهد في معالجة قضايا ثانوية روتينية ومكررة لا تعمل إلا على تكريس ضحالة الوعي الإسلامي والفكري” (عبد الكبير العلوي المدغري)، بإيجاز غير مخل، وبأسلوب شيق يرهف السمع ويغري بالمتابعة، حتى لا يصدق عليه قول الرسول (ص): “بئس الخطيب أنت”، ونصحه بتغيير الأسلوب واللفظ (عن عدي بن حاتم رواه مسلم).

الخطبة المنبرية في زمن الثورة الرقمية:

ليس ثمة اختلاف في توصيف العصر، بأنه عصر القلق والاضطرابات النفسية، التي تدفع المرء إلى التردد والشك في كل شيء. ناهيك عن العدمية التي أصبحت ثقافة المستشرية بين فئات عديدة من الشباب، التي لا تبني وطنا، ولا تشيد حضارة، مخزونها من اليأس وافر، وانسحابها من معارك الحياةَ بينٌ. فالناس محتاجة إلى من يفتح لها أبواب الأمل، وتيسير لها سبل التدين، والإقبال على رحمة الله التي هي أصلا واسعة. فالخطيب ينبغي أن يكون “مهدئا للأعصاب” كما جاء في الكلمة الملكية الموجهة لخطباء الجمعة. وذلك بالاهتمام بما يغذي روح التفاؤل وقيم الإيجابية، الباعثة للطمأنينة والسكينة. وخصوصا في فترات اشتداد الأزمات. وعدم الإسراف في أسلوب التخويف والترهيب، عملا بقول الرسول الكريم: “بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا”.

وتزداد صعوبة الخطيب في النفاذ إلى عقل ووجدان المتلقي والظفر بتفاعله في الزمن الرقمي، لا لضعف خطابه مدلوليا، بل لمزاحمته دلاليا من طرف قوى الصورة وملحقاتها المؤثرة. فالناس استسلموا لعادات اكتسبت مع الثورة المعلوماتية واطمأنوا لها، و”استيقنتها أنفسهم” طوعا وكرها. فالمعلومة أصبحت من اليُسر والقرب، لا تترك مجالا للتنقل لطلبها ولو إلى المسجد. فحتى القرآن الكريم استغنى الناس بالإلكتروني منه عن المصحف، رغم التهديد الذي يشكله هذا الانتقال، حذر منه العلماء. فالسباحة في وادي السيليكون جارفة، لكنها مغرية وماتعة، يصعب الانفكاك من حبال شباكها. فشد انتباه المصلين للخطبة وخصوصا الشباب منهم، من الصعوبة بمكان، في غياب الموضوع الذي يلامس الهموم، ويجيب عن أكثر ما يبعث الشك في النفوس، بعد التمكن من فن القول وحسن الخطاب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • الحسين
    الأربعاء 17 أبريل 2024 - 17:34

    مرة صليت صلاة المغرب في مسجد وبعد الصلاة وقف فقيه وجلس على الكرسي وكان موضوع الكلمة هي كم عدد ءايات الفاتحة؟
    وكان المسجد مليء بالمصلين وبعد ساعات من الكلام
    قال : عدد ءايات سورة الفاتحة اختلف عليها العلماء.
    هذه حالة بعض الفقهاء في بلادنا للأسف الشديد

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30

اللغات المغربية في الأدب والإعلام