دبلوماسية "الدق تم''

دبلوماسية "الدق تم''
الخميس 15 أبريل 2021 - 00:22

المتأمل لمسارات تطور قضية الوحدة الترابية للمملكة، لا بد أن يتوقف عند واقعة “الكركرات”، التي شكلت منعطفا حاسما في تاريخ هذا الصراع المفتعل حول الصحراء المغربية، لما تحقق بعده من أحداث ومتغيرات، كرست “مغربية الصحراء” بانتزاع اعتراف أمريكي “غير مسبوق” بمغربية الصحراء، وبإقبال حماسي لعدد من الدول الصديقة والشقيقة على جاذبية “دبلوماسية القنصليات”، التي شكلت وتشكل اعترافات صريحة بسيادة المغرب على كافة ترابه من طنجة إلى لكويرة، بكل ما لهذه الدبلوماسية الرصينة والمتبصرة من آثار اقتصادية وتنموية من شأنها تعزيز قيمة المغرب ومكانته، كقوة إقليمية باتت اليوم معادلة صعبة في إفريقيا، وجسرا آمنا لا محيد عنه بين أوربا وأمريكا والأسواق الإفريقية الواعدة.

مقابل ما حققه ويحققه المغرب من مكاسب ونجاحات في إطار من التبصر والواقعية، راهنت الجزائر وجبهة السراب على دبلوماسية “الدعاية الإعلامية البئيسة”، وعولت على ثقافة التسول والتوسل وشراء الذمم في أوربا كما في إفريقيا بحثا عن نقط عقيمة لم تعد تنفع أو تجدي في مباراة محسومة، تحكمت في نتيجها “دبلوماسية” ناجعة ومتبصرة، مبنية على “الدق تم”، وهي دبلوماسية استباقية باتت تراهن على الصرامة والحزم في التعامل مع كل مناورة أو استفزاز على مستوى الحدود، كما تراهن على الواقعية والمكاشفة فيما يتعلق ببعض الدول الأوربية، التي ألفت التعامل مع الوحدة الترابية بنوع من الازدواجية في المواقف، وما يرتبط بها من ضغط ومساومة وابتزاز خفي ومعلن كما حدث مع ألمانيا، وما يحدث مع دول أخرى، من قبيل إسبانيا التي لا تزال مواقفها وفية لنهج الغموض والإبهام والترقب والانتظار.

بفضل دبلوماسية “الدق تم” انضمت دولة السينغال مؤخرا إلى ركب الدول التي أقامت قنصليات عامة لها بالعيون والداخلة، وتجدد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء في عهد الإدارة الجديدة في ظل التعاون العسكري المغربي الأمريكي، في إطار مناورة “مصافحة البرق” التي نفذت قبل أسابيع أو مناورة “الأسد الإفريقي” التي يرتقب إجراؤها بالصحراء المغربية في غضون شهر يونيو المقبل، بمشاركة المغرب والولايات المتحدة ودول أخرى، تكريسا لاتفاقية التعاون العسكري المبرمة بين البلدين. وبفضل الدبلوماسية ذاتها تضمن التقرير السنوي الأمريكي حول حقوق الإنسان معطيات إيجابية حول الممارسة الحقوقية بالمغرب بكافة أراضيه، وأعلن الحزب الحاكم بفرنسا عن إنشاء ملحقة له بمدينة الداخلة، في خطوة “غير مسبوقة” داعمة للمغرب، ستكون ممهدة لإقامة قنصلية عامة للجمهورية الفرنسية بالصحراء، وهو ما أربك حسابات ومناورات الجزائر على مستوى الاتحاد الإفريقي وعلى مستوى الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم، دون إغفال الحضور الوازن للمغرب في إفريقيا على مستوى الاستثمارات والمشاريع التنموية الرائدة.

وبفضل “الدق تم” أيضا خابت المناورات المكشوفة للجزائر، ولم تجن إلا الخيبات والفشل الذريع، سواء داخل البيت الإفريقي أو في إسبانيا، التي أرجعت قبل أيام بوقادوم إلى بلاده بخفي حنين، هو الذي أتاها متوسلا ومتسولا، طالبا إياها بتحمل مسؤولياتها التاريخية تجاه الصحراويين، رابطا جذورهم- بدون حرج أو حياء- بأصول إسبانية، وهو تصرف عاكس لدبلوماسية غبية تفرقت بها السبل، مبنية على عقيدة العداء الأزلي لـ”المروك”، وآخر إنجازاتها انسحاب الوفد الجزائري من الاجتماع الإقليمي لمدراء عموم الجمارك لشمال إفريقيا والشرق الأدنى والشرق الأوسط بسبب عرض خريطة المغرب كاملة، وهذا الانسحاب معناه أن اليأس بلغ مداه، والحقد وصل منتهاه في ظل تعاقب يوميات كابوس “الدق تم”، وحتى الرهان على ممارسات التحرش والابتزاز والمناورة عبر الحدود بات رهانا فاشلا لم يعد ممكنا التعويل عليه، بعدما أنهى المغرب بشكل لا رجعة فيه سياسة المهادنة والصبر وضبط النفــس، وانتقل إلى أعلى مستويات الواقعية والصرامة في التعامل مع أي تحركات مشبوهة على مستوى الحدود، من شأنها تهديد الجيش المغربي أو المساس بوحدة التراب.

في جميع الحالات، المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها آمنة مطمئنة مهما كره الكارهون وحقد الحاقدون، ومهما أصر أعداء الوحدة الترابية على عقيدة العداء غير المبرر، أصر المغرب على توسيع دائرة “دبلوماسية القنصليات”، وإشهار ورقة “دبلوماسية الدق تم” بصمت وحرفية ونجاعة وتبصـر، ومهما ظل الأعداء أوفياء لجائحة الحقد والضغينة والفتنة والتشرذم والانفصال، ظل المغرب مخلصا لقيم الأخوة والمحبة والصداقة والتعاون المشترك والأمن والسلام والتضامن، وهذه القيم وغيرها هي سر نجاح دبلوماسية “الدق تم”، التي تحولت إلى كابوس مزعج “دوخ المداويخ”، الذين بات شغلهم الشاغل “المروك” ولا شيء غيره.

إنها عقيدة العداء التي لم تستوعب بعد أن الصحراء المغربية هي قضية تاريخ وهوية، وقضية وطن وتراب بالنسبة للمغاربة، ولم تفهم ما شهدته وتشهده الصحراء من دينامية دبلوماسية وتنموية غير مسبوقة، ولم تفهم أن زمن الدسائس والمناورات وشراء الذمم من وراء حجاب قد ولى وراح، وأن المستقبل لا يمكن بناؤه إلا بقيم الصداقة والأخوة والسلام والتعاون المشترك.. إنها فلسفة الغباء التي لا تزال مصرة على السباحة ضد التيار الدولي، ماضية في هدر الطاقات واستنزاف القدرات لاستهداف “المروك”، دون اعتبار لروابط العروبة والدين والدم وحسن الجوار.. إنها ضريبة الجغرافيا وفاتورة الجوار، ويؤسفنا القول: إننا نصر على البناء كلما أصروا على الهدم. يؤسفنا أن قافلتنا تسير بحكمة ومسؤولية وتبصر، ولم نعد نهتم بالنباح أو العواء أو حتى النهيق، في انتظار أن تدق أجراس العقل والمسؤولية والحكمة والتبصر… وإلى أن يتحقق المراد.. الدق تم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • mohammade
    الخميس 15 أبريل 2021 - 20:00

    لن اكتب نجاحا سياسيا جديدا و قد سبق و كتبت ليلة عن فكرة احداث ميني ميني مدينة جديدة و توسعت ادل على ملامحها الخالية من انبعاث لا اول و ثاني اوكسيد او كوفيد كربون و الميني ميني مدينة دبجت هندستها بروح وطنية اذ الازمة اشتدت بالدولة فطرحت الفكرة كمتنفس سياسي و فعلا تم تدشين المدينة مباشرة بكل خصائصها صبيحة غد التدوين و كم كم تملكتني فرحة تحقيق تدشين المشروع بنجاح حتى اليوم يكتب سرحان يلامس صرح ما وهبته للوطن فكرةً مؤسساتٍ تقوم فوق التراب على الواقع و هذا هو الكاتب ان انكرته الدولة اعترفت له ارسالياته بسبق هندسيته مشروع الميني ميني مدينة و عاش الملك

    استضافت هذا الشهر اذاعة احد المخضرمين عاصر الراحل الملك الحسن الثاني افاد ان جلالته سال يوما عن من دبج مقدمة احدى خطب جلالته مع العلم انه رحمه الله خطيبا مفوها لا حاجة له لمن يكتب له و ما يهمني هنا هو السؤال عن من قام من المكلفين برسم خطب الملك محمد السادس بالاخذ من ارائي المكتوبة و حشرها بخطبة التاسع من مارس التي القاها صاحب الجلالة الملك سيدي محمد السادس نصره الله

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام