نشرت المجلة الدولية للبحوث العلمية (International Journal for Scientific Research)، ضمن عددها التاسع لسنة 2026، دراسة أكاديمية جديدة تقارب “التحولات الممكنة في بنية التنافس الحزبي بالمغرب في أفق الانتخابات التشريعية لسنة 2026، من خلال نموذج استشرافي يستند إلى علم الاجتماع السياسي والسلوك الانتخابي والتحليل التاريخي والجغرافيا الانتخابية”، أنجزها الباحثان الدكتور عبد الرزاق المسكي والدكتور أشرف الطريبق.
وأشارت معطيات حول الدراسة المذكورة إلى أنه “من الناحية القانونية والمنهجية، تقتضي قراءة الأرقام الواردة في الدراسة قدرا من الدقة في توصيف طبيعتها؛ فهي، حسب ما يصرح به الباحثان صراحة، ليست استطلاعا لنوايا التصويت، ولا بحثا منجزا لدى عينة من الناخبين، ولا إعلانا مسبقا عن نتائج الاقتراع، وإنما مخرجات سيناريو أكاديمي مشروط بمجموعة من الفرضيات والمعطيات الترابية والحزبية”.
وأضاف المصدر ذاته أن “هذا التمييز يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى أن المادة 115 من القانون رقم 57.11 تنظم استطلاعات الرأي المرتبطة بالانتخابات، وتعرّف استطلاع الرأي بالرجوع، ضمن عناصر أخرى، إلى البحث أو التحري لدى عينة من السكان للحصول على معلومات أو آراء ذات طبيعة إحصائية. كما تقرر قيودا على إجرائها ونشر نتائجها خلال الفترة الانتخابية المحددة قانونا. لذلك، تتعامل هذه المادة الصحافية مع الأرقام حصرا وفق توصيف أصحاب الدراسة لها باعتبارها مخرجات نموذج استشرافي أكاديمي، لا قياسا لنوايا الناخبين ولا نتيجة انتخابية مستقبلية”.
وحملت الدراسة عنوان “الرصيد الانتخابي وتحولات الحقل الحزبي بالمغرب.. قراءة سوسيولوجية تاريخية في مخرجات نموذج استشرافي للانتخابات التشريعية لسنة 2026″، وصنفت ضمن دراسات علم الاجتماع السياسي والسلوك الانتخابي، حيث يقوم النموذج على “الانتقال من الدائرة الانتخابية والجهة إلى المستوى الوطني، بدل الانطلاق من توزيع وطني مفترض للمقاعد ثم إسقاطه على المجالات الترابية”.
وتتمثل الفكرة المركزية التي تدافع عنها الدراسة في أن “النتيجة الانتخابية لا يمكن قراءتها باعتبارها امتدادا حسابيا آليا للاستحقاق السابق، لأن المقعد البرلماني ينتج عن تفاعل مجموعة من العناصر؛ من بينها التنظيم الحزبي، والمرشح، والتجذر الترابي، وشبكات التعبئة، والذاكرة الانتخابية، وأنماط المشاركة، والتقييم الاجتماعي والسياسي لتدبير الشأن العام، فضلا عن القواعد القانونية التي تحول الأصوات إلى مقاعد”.
وحسب آخر تحيين للمصفوفة التي اعتمدتها الدراسة، “ينتج السيناريو المركزي توزيعا لكامل مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 395 مقعدا، يمنح 101 مقعد لحزب الأصالة والمعاصرة، و77 مقعدا للتجمع الوطني للأحرار، و63 مقعدا لحزب الاستقلال، و50 مقعدا لحزب العدالة والتنمية، و36 مقعدا للحركة الشعبية، و27 مقعدا للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و15 مقعدا للاتحاد الدستوري، و11 مقعدا لحزب التقدم والاشتراكية، و7 مقاعد لتحالف اليسار، و6 مقاعد للحركة الديمقراطية الاجتماعية، ومقعدين لجبهة القوى الديمقراطية”.
ومع ذلك، يشدد الباحثان على أن “هذه الأرقام ليست نتائج مسبقة للانتخابات، ولا تقديرات احتمالية لنوايا التصويت؛ فالدراسة لا تتضمن مسحا لعينة من الناخبين، ولا تقدم فواصل ثقة أو احتمالات إحصائية بالمعنى الدقيق، وإنما تبني نتيجة مشروطة مفادها أنه إذا ظلت الموارد والمتغيرات التي رصدها النموذج قائمة وفق الافتراضات المعتمدة، فإنها تقود إلى هذا التوزيع”.
وتقترح الدراسة في هذا السياق مفهوما مركزيا هو “الرصيد الانتخابي”؛ لكنها لا تعرفه باعتباره مخزونا ثابتا من الأصوات ينتقل مع الحزب من اقتراع إلى آخر، بل باعتباره “قدرة كامنة ومشروطة على إنتاج التصويت، تتشكل من قوة العلامة الحزبية وذاكرتها، والموارد الشخصية والسياسية للمرشح، والتجذر والشبكات الترابية، والقدرة التنظيمية على التعبئة، وتقييم الأداء العام والمحلي، ثم أثر القواعد القانونية ودرجة تشتت المنافسة”.
وورد ضمن المعطيات ذاتها أن “المقارنة مع انتخابات 2021 تكتسب دلالة خاصة في هذا البناء، إذ لا تعتبر الدراسة المقاعد السابقة ملكية انتخابية ثابتة للأحزاب. كما لا تفترض أن كل استحقاق يبدأ من نقطة الصفر. وبين الاستمرارية والانقطاع، تبحث في مقدار ما يبقى من التنظيم، وما ينتقل مع المرشح، وما تعيد الشبكات الترابية إنتاجه، وكيف يمكن لتحولات محدودة داخل عدد من الدوائر المتنافسة أن تنتج فروقا أكبر على مستوى المقاعد”.
وبالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، يمنح السيناريو المركزي الحزب 101 مقعد، مقابل 87 مقعدا في انتخابات 2021. ولا تقرأ الدراسة هذا المخرج باعتباره “مجرد زيادة حسابية في القوة الحزبية”، وإنما من زاوية ما تسمّيه “القدرة التجميعية” للتنظيم، أي قدرته على “إدماج موارد سياسية ومحلية وترابية متباينة داخل بنية انتخابية واحدة. فالحزب يظهر، داخل النموذج، موزعا على الجهات الاثنتي عشرة؛ وهو ما يجعل تفسير حصيلته مرتبطا بتعدد أنماط التنافسية من دائرة إلى أخرى أكثر من ارتباطه بحركة وطنية موحدة”.
أما التجمع الوطني للأحرار، فينتقل داخل السيناريو من 102 مقعد في نتائج 2021 إلى 77 مقعدا؛ غير أن الدراسة تتجنب تفسير ذلك باعتباره تقلصا جغرافيا شاملا، بالنظر إلى استمرار حضور الحزب في الجهات الاثنتي عشرة. وتقترح بدلا من ذلك “مفهوم تغير مردودية الانتشار، أي أن استمرار الوجود التنظيمي والجغرافي لا يعني بالضرورة أن العدد نفسه من الدوائر سيواصل التحول إلى مقاعد”.
كما تدخل الدراسة ضمن المتغيرات الممكنة ما تسمّيه “الأثر التقويمي المحتمل لتجربة تدبير الشأن العام”، من دون افتراض نتيجة سلبية أو إيجابية مسبقة؛ إذ يمكن للناخب، حسب النموذج النظري المعتمد، أن “يعيد تقييم تجربته الاقتصادية والاجتماعية والخدماتية، وأن يترجم هذا التقييم إلى استمرار في الاختيار السابق أو تغييره أو الامتناع عن المشاركة”.
وبالنسبة إلى حزب الاستقلال، ينتج النموذج 63 مقعدا، مقابل 81 في استحقاق 2021. ويولي التحليل أهمية خاصة لـ”الزمن التنظيمي” و”الذاكرة المؤسسية”، بالنظر إلى “الامتداد التاريخي للحزب وما راكمه من خبرة وشبكات وعلاقات محلية ومهنية وسياسية”؛ غير أن الدراسة تميز بين ذاكرة المؤسسة وبين ذاكرة الناخب، معتبرة أن “التاريخ قد يشكل موردا تنظيميا، لكنه لا يضمن بصورة آلية إعادة إنتاج النتيجة السابقة”.
ويحتل حزب العدالة والتنمية موقعا خاصا في التحليل، بالنظر إلى المسار الذي انتقل فيه من 107 مقاعد سنة 2011 إلى 125 سنة 2016، قبل أن يتراجع إلى 13 مقعدا سنة 2021، بينما يمنحه السيناريو الحالي 50 مقعدا.
ولا تتعامل الدراسة مع نتيجة 2021 باعتبارها بالضرورة الحجم الاجتماعي الجديد للحزب، كما لا تعتبر نتيجة 2016 خزانا انتخابيا يمكن استعادته بصورة آلية. وبدلا من ذلك تختبر فرضية “إعادة تعبئة جزء من الرصيد الانتخابي السابق، ولا سيما في المجالات التي راكم فيها الحزب تاريخا تنظيميا وانتخابيا، مع التشديد على أن هذه الفرضية تظل من أكثر عناصر النموذج حساسية لعدم اليقين، وأن رقم 50 لا ينبغي فهمه باعتباره قيمة يقينية”.
أما الحركة الشعبية، التي يمنحها السيناريو 36 مقعدا مقابل 28 مقعدا في انتخابات 2021، فتقدمها الدراسة باعتبارها “حالة تختلف نسبيا عن المسارات الأكثر تقلبا لدى بعض التنظيمات الأخرى”. فمسار الحزب انتقل من 32 مقعدا سنة 2011 إلى 27 سنة 2016 و28 سنة 2021؛ وهو ما يجعل الوصول إلى 36 مقعدا، وفق النموذج، غير محتاج بالضرورة إلى “افتراض تحول وطني واسع، إذ يمكن لعدد محدود من التحولات المحلية أن يفسر الجزء الأكبر من الفارق”.
ويرتبط تفسير مخرج الحركة الشعبية، حسب الدراسة، بـ”قيمة المرشح المحلي والرسوخ الترابي، خاصة في جهات مثل فاس– مكناس وطنجة –تطوان– الحسيمة وبني ملال– خنيفرة ومراكش– آسفي”. وهنا، لا يصبح المجال المحلي مجرد مسرح تنعكس فيه المنافسة الوطنية؛ بل “أحد العناصر المنتجة للنتيجة نفسها”.
وتلفت الدراسة إلى أن “اختيار مرشح يتمتع بحضور محلي قد يضيف إلى التنظيم إمكانية الوصول إلى شبكات وعلاقات سابقة؛ لكن انتقال المرشح من حزب إلى آخر لا يعني انتقال جميع أصواته معه، إذ يتوقف ذلك على مقدار ما كان من الرصيد مرتبطا بالشخص، وما كان مرتبطا بالعلامة الحزبية والتنظيم السابق”. ولذلك، يختبر رقم 36، في منطق الدراسة، قدرة الحركة الشعبية على “رفع مردودية عدد من ارتكازاتها المحلية أكثر مما يفترض وجود موجة وطنية موحدة لمصلحتها”.
وتخصص الدراسة كذلك حيزا لليسار المغربي، حيث ينتج السيناريو 27 مقعدا للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و11 للتقدم والاشتراكية، و7 لتحالف اليسار، ومقعدين لجبهة القوى الديمقراطية؛ غير أنها تحذر من “تحويل الجمع الحسابي لهذه المقاعد إلى افتراض وجود كتلة انتخابية يسارية واحدة، بالنظر إلى اختلاف تاريخ هذه التنظيمات وبنياتها ومواردها وعلاقاتها بالمجال”.
وتبرز الجغرافيا الانتخابية باعتبارها “أحد المفاتيح الأساسية لفهم مخرجات النموذج”، إذ تشير المصفوفة الجهوية إلى أن “جهات الدار البيضاء– سطات والرباط– سلا– القنيطرة وفاس– مكناس ومراكش– آسفي تضم مجتمعة 211 مقعدا، أي أكثر من نصف مقاعد مجلس النواب”. ويترتب عن ذلك، وفق الدراسة، أن “تغير النتيجة في عدد محدود من الدوائر شديدة التنافس داخل هذه الجهات قد ينعكس بصورة ملموسة على الحصيلة الوطنية”.
ومن هنا، تحذر الدراسة من “الخلط بين تغير عدد المقاعد وتغير الحجم الاجتماعي للحزب؛ فزيادة المقاعد أو نقصانها لا تعني بالضرورة تغير عدد الناخبين بالنسبة نفسها. وقد يؤدي فارق محدود في الأصوات داخل دائرة متقاربة إلى تغيير صاحب المقعد، كما قد يؤدي انتقال مرشح أو إعادة تشكيل شبكة محلية إلى إعادة توزيع التمثيل دون تحول مواز في الاتجاهات الوطنية”.
وفي المحصلة، تدافع الدراسة عن انتقال في زاوية النظر إلى الانتخابات المغربية من الاكتفاء بما تسمّيه “سوسيولوجيا النتيجة” إلى “سوسيولوجيا إنتاج النتيجة”؛ فبدل الوقوف عند السؤال: كم مقعدا حصل عليه كل حزب؟ يصبح السؤال العلمي: كيف أُنتج ذلك المقعد؟ وما نصيب الحزب، والمرشح، والمجال، والتنظيم، وشبكات التعبئة، والمشاركة والقانون في إنتاجه؟
يشار إلى أن الدراسة لا تقدم خريطة انتخابية نهائية للمغرب، وإنما “سيناريو أكاديميا مفتوحا للاختبار والتخطئة والتحيين، يضع أمام البحث العلمي فرضيات قابلة للمراجعة؛ فيما تبقى النتيجة الفعلية للاستحقاق مرتبطة، في نهاية المطاف، بما ستنتجه الدوائر يوم الاقتراع”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.