الأحزاب السياسية أمام سؤال الشفافية كيف تدبر الدعم العمومي في الحملات الانتخابية
في أي ديمقراطية، لا يُعد التمويل العمومي للأحزاب السياسية هبة أو امتيازًا، بل هو استثمار من الدولة في الحياة السياسية. ففلسفته تقوم على تقوية الأحزاب، وتحقيق تكافؤ الفرص بين المتنافسين، والحد من تأثير المال الخاص على الانتخابات، حتى يكون التنافس قائمًا على الأفكار والبرامج لا على القدرة المالية.
ومن هذا المنطلق، فإن الرفع من قيمة الدعم العمومي يعكس إرادة لتعزيز نزاهة المنافسة وتوفير شروط أفضل لممارسة سياسية سليمة. لكن نجاح هذه الإرادة لا يتوقف عند قرار التمويل، بل يبدأ بعده؛ أي عند طريقة تدبير الأحزاب لهذه الموارد.
وهنا يبرز السؤال الذي يشغل الرأي العام: هل استطاعت الأحزاب أن تترجم فلسفة الدعم العمومي إلى ممارسة سياسية تعزز الثقة، أم أن المواطن ما زال يشعر بأن المال يحتفظ بتأثيره في بعض الحملات الانتخابية؟
ليست القضية في حجم الأموال التي تمنحها الدولة، بل في طريقة تدبيرها داخل الأحزاب. فالمال العمومي لا يحقق أهدافه بمجرد تحويله إلى حسابات الأحزاب، وإنما عندما ينعكس على تكافؤ الفرص، ويخفف الأعباء عن المرشحين، ويجعل الكفاءة والبرنامج السياسي هما أساس المنافسة.
كلما غابت الشفافية في كيفية توزيع الموارد داخل الحزب، اتسعت مساحة التأويل، وازدادت الشكوك، حتى وإن كانت الإجراءات قانونية. وفي السياسة، لا تكفي الشرعية القانونية وحدها، بل تحتاج أيضًا إلى شرعية الثقة. والثقة لا تُفرض بالقوانين، وإنما تُبنى بالوضوح والمصارحة.
إن الأحزاب مطالبة اليوم بأن تجعل من الشفافية جزءًا من ثقافتها التنظيمية، لا مجرد التزام قانوني. فالمواطن يريد أن يرى أثر الدعم العمومي في تقوية العمل الحزبي، وتأهيل المرشحين، وإغناء النقاش العمومي، لا أن يبقى يتساءل عن مصير تلك الموارد.
فالديمقراطية لا تُقاس بحجم الأموال التي تُنفق، وإنما بمدى قدرة الأحزاب على تحويل المال العام إلى قيمة عامة، وإلى ثقة، وإلى منافسة شريفة يشعر فيها كل مواطن أن صوته يساوي صوت غيره، وأن فرص المرشحين تُبنى على الكفاءة والالتزام، لا على الإمكانات المالية.
فالأحزاب ليست مجرد وسيط للحصول على الدعم، بل هي مؤسسات يفترض أن تقدم نموذجًا في الحكامة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإذا كان المال العمومي يُمنح لها من أجل تقوية الممارسة الديمقراطية، فمن حق المواطنين أن يعرفوا كيف يُصرف، وكيف ينعكس على تكافؤ الفرص بين المرشحين.
وعندما تنجح الأحزاب في ذلك، فإنها لا تدافع عن صورتها فقط، بل تدافع عن جوهر الديمقراطية نفسها، لأن أقوى رأسمال في السياسة ليس المال، بل ثقة المواطنين.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.