دموع 'غزلان' وآهات 'الشارف'.. براءة مجتمع وبشاعة دولة

دموع 'غزلان' وآهات 'الشارف'.. براءة مجتمع وبشاعة دولة
السبت 16 أبريل 2011 - 19:44


“يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”


جزء من حديث قدسي


كانت وستبقى الفطرة التي خلق الله الناس عليها المحرك الأول للإنسان، وكان وسيظل القلب موجها للفرد ومحددا لاختياراته، ومحضنا عظيما للمشاعر والأحاسيس، ومنارا هاديا للعقل واختياراته والجسد وعنفوانه. وما الإنسان دون الفطرة والمشاعر والقلب؟


وفي الوقت الذي يفترض في الإنسان أن يحافظ على نعمةِ الفطرة السوية التي بها يَستحْسِن الحسن ويَستقْبِح القبيح، والمشاعرِ التي بها يحب ويرحم ويوالي، والقلبِ الذي عليه مدار الأمر وجماع الدين والدنيا، تُنتج دواليب الدول المستبدة والأنظمة الظالمة “آلات” منسوبة إلى البشر و”ماكينات” محسوبة على بني آدم، معدومة الإحساس فاقدة المعنى، تستحل كل شيء حتى القتل والتعذيب والاغتصاب والإذلال، فلا صوت العقل ولا نداء الإنسان يمكن أن بجد له صدى في داخل هذه “الكيانات البشرية”.


لم تكن آهات “بوشتة الشارف” إلا واحدة من آلاف صرخات هذا الشعب المكلوم، ولم تكشف معاناته إلا عن شجرة التعذيب التي لا يجب أن تغطي غابة الاستبداد والطغيان الضاربة في أرض الدولة المغربية أساسِها ورأسِها. ولم تكن دموع “غزلان”، التي بكت بها معاناة هذا الرجل المقهور وحال هذا الوطن الأسير، إلا تعبيرا فطريا عن تلك المشاعر الجياشة والأحاسيس الصادقة التي غمرت كل مغربي حر ومغربية شريفة حين شاهد فيديو الشارف.


حقا، وكما قالت الأخت الفاضلة غزلان، لا يمكن حتى تصور هذا التعذيب الذي تعرض له الشارف وإخوانه، وغيرهم كثير من معتقلي الرأي. هل يعقل أن يقوم بهذا الفعل إنسان من لحم ودم وقلب وعقل؟ ألهذا الشخص القدرة على الأكل والشرب والنوم بعد فعل كهذا تمجه كل الفطر وتدينه كل الشرائع؟ أله زوجة وأبناء ووالدان وعائلة، وله القدرة على أن ينظر في عيونهم ويستشعر معنى الحب لهم والخوف عليم والأمان معهم؟ إن العقل والقلب والخيال ليعجز عن التفكير في الأمر وتصور حياة هذا الجلاد وتلك الماكينة.


إن آهات “الشارف” ودموع “غزلان” تكشف الوجه البشع للدولة، وتفضح كل شعارات الزور والبهتان سياسية كانت أو اجتماعية أو ثقافية، وتثبت أن المغاربة محكومون من قبل عصابة تتحكم في مسار البلد ومافيا فوق القانون، وليس من دولة تحترم نفسها ونظام حكم يقود شعبا. وإن دموع “غزلان” وآهات “الشارف” لَتنبع من براءة شعب حر كريم، لم تمح كلُّ خطط تدمير الإنسان واستراتيجيات تخريبِ القيم خَيْرِيَّتَه ومعناه وانحيازه للحق والعدل والكرامة، ولم تتحول كل مظاهر الاختلال والانحراف التي يعيشها، والتي لا تعدو أن تكون في المقام الأول إلا نتاج سياسة رسمية للدولة، إلى منهجِ حياة يحدد المسار وقيمٍ عليا تحسم الخيار.


لو أننا كنا في دولة تحترم نفسها، فعلا لا قولا كما يتردد عندنا، لفُتح تحقيق على الفور في ملف “الشارف” وكل معتقلي ما يسمى “السلفية الجهادية” وكل معتقلي السياسة والرأي، ولكن ما دمنا في المغرب فلا بأس، لن يستقيل الوزير الأول، ولن يتابَع وزيرا العدل والداخلية، ولن يُطرح نقاش جاد عن هته الأجهزة التي تعيث إرهابا في المغاربة وتدمِّر أسرا بأكملها، ولن يساءَل رئيس جهاز المخابرات… ولن ولن، فللمغرب التزامات دولية في محاربة الإرهاب، و”من ليس مع النظام فهو مع الإرهاب”، وفي أحسن الأحوال الحقوقية قد يصدر رأس الدولة عفوا، بعد تخريب حياة أفراد وجماعات، وبعد كل معاناة التعذيب، ودون إعمال المساطر القانونية والقضائية العادلة والنزيهة، ودون أن يلزم أحد الدولة على فتح تحقيق عن هذا الذي جرى ويجري لمَ؟!!


قال الإمام علي كرم الله وجهه:


وما من يدٍ إلا ويد الله فوقـها**وما من ظالمٍ إلا وسيُبلى بأظلمِ



لا تظلمّن إذا ما كنت مقتدرا**فالظلم مرتعه يفضي إلى الندم



تنام عيناك والمظلوم منتبـــه**يدعو عليك وعين الله لم تنـم



واحذر أخيّا من المظلوم دعـوته**وإن تصبك سهام الليل في الظلم.


كفكف الدمع أيها الوطن واعقد العزم على أن تبني لنفسك كرامة، فالدموع التي تسكبها المغربيات الشريفات والمغاربة الأحرار، والآهات والمعاناة التي يكتوي بلظاها هذا الشعب المقهور المغلوب، ستظل لعنة تطارد الظالمين والمستبدين، تقض مضجعهم في الدنيا وتحاسبهم بين يدي من لا تضيع عنده مظلمة يوم الدين. والموقف الرجولي الذي رسمه “الشارف” حين تحدث عن معاناته، التي تختزل معاناة شعب، والمشاعر الراقية لـ”غزلان”، التي عكست معدنا نفيسا لبنات هذا البلد الحبيب، سيظل منارا هاديا وبوصلة موجهة للمغاربة حتى يأخذوا زمام المبادرة ويبحثوا عن انعتاقهم وينتزعوا حريتهم ويُرَحِّلوا ظالمهم ويصنعوا مستقبلهم، وما ذلك على الله بعزيز.


ولأن للمظلوم ركنا عزيزا يلوذ إليه، وإلها نصّارا ومعينا يجأر إليه، وربّا يمهل ولا يهمل، ودعوة مجابة لا تُرد، نرفع أيدينا إلى ناصر المستضعفين وقاهر المستبدين بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم (نرفعه بصيغة الجمع)، والذي ردده الحبيب في هجرة الطائف: “اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا، إلى من تكلنا، إلى بعيد يتجهمنا، أم إلى عدو ملكته أمرنا، إن لم يكن بك غضب علينا فلا نبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لنا، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علينا غضبك، أو أن ينزل بنا سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك“.


[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

11
  • Anasse bowaka
    السبت 16 أبريل 2011 - 20:04

    salam, Allah yekatar min amtalek, I just hope one day that morocco will be a free democratic country, where we can talk freely, walk freely, live freely and be all united against the atrocety of the tyrant people in power, we would love to see the king taking the matter of Mr charef and sort him out so he can live with dignity with his own family, and get back his life. thanks ,

  • mimoun
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:50

    réveillons nous rien à attendre pour en finir avec cette tyrannie makhzaniene. personne au pays de la répréssion ne peut prétendre etre à l’abri de cette barbarie inhumaines qui se fait dans les cellules de TEMARA et autres.le roi M6 est le chef de l’etat, on lui demande d’arreter immediatement ces façons d’humilier le peuple marocain et merci.

  • youssef
    السبت 16 أبريل 2011 - 20:06

    ليس لي اي تعليق ,الا اني انضم لاي مبادرة لدفاع عن كل مضلوم في وطني الحبيب.
    إني اخترتك يا وطني
    إني اخترُتك يا وطني
    حُبّا وطواعية
    إني اخترتك يا وطني
    سِراً وعلانية
    إني اخترتك يا وطني
    فليتنكّر لي زمني
    ما دُمْتَ ستذكُرني
    يا وطني الرائع يا وطني
    دائمُ الخضرة يا قلبي
    وإن بان بعَيْنَيَّ الأسى
    دائمُ الثورةِ يا قلبي
    وإن صارت صباحاتي مَسا
    جئتُ في زمن الجزْرِ
    جئْتُ في عِزِّ التعَبِ
    رشاش عُنفٍ وغضب

  • أيمن زنوبي
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:52

    يجب فتح تحقيق في الموضوع ومحاسبة كل مجرم مسؤول ومنفذ التعليمات
    هذه مهمة حركة 20 فبراير لطلب الحكومة لتنشر أسماء المجرمين من الذين عذبوا المعتقلين وأين وكيف
    ونحن لهم بالمرصاد

  • الدكتور الورياغلي
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:54

    نشكرك ايها الكاتب الكبير على إنسانيتك وغيرتك على إخوانك، وأقول لك إن هذا من أقوى أمارات الإيمان لأن من لا يهتم لأمر السلمين فليس منهم كما جاء في الأثر.
    وأزيدك علما: فإن من مساجين ما يعرف بالسلفية الجهادية شيخ جلل اسمه ( محمد الأمين أقلعي ) هذاالرجل كان خطيبا للجمعة طيلة العهد الحسني أي زهاء 30 سنة، وأهل طنجة يشهدون له بالخير والعلم والغيرة على الدين وكانت خطبه مشهودة يأتيها الناس من كل فجاج طنجة.
    هذا العلم تحول في عهد الهمة الى إرهابي يشكل خطرا على الدولة وعلى الأمن حسب تعبير الداخلية ومن ثم زج به في السجن ليقضي نحبه فيه ويفضي إلى ربه.
    ———-
    وأقسم بالله العظيم أنني وبحكم ما حباني الله من فراسة أدركت يوم وفاة هذا الشيخ في سجنه أن الله جل شأنه لن يذهب هذا الأمر هدرا وأنه سينتقم لوليه ولا بد لقوله تعالى في الحديث القدسي : من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب.
    وأنا أشهد الله أن هذا الرجل لم يكن ارهابيا كما زعم أذيال الهمة كان فقيها درويشا متواضعا ربما غضب لله في خطبته.
    وهكذا الشيخ الفزازي الذي كان خطيبا بدوره طيلة العهد الحسني.
    ——–
    إن الهمة أراد أن ينقلب على الملكية بواسطة القضاء على داعم هذه الملكية وهو الإسلام، فكان من الضروري محاربة الدعاة والعلماء ولكن يبقى مكر الله أعلى من كل ذي مكر، ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون .

  • الجامعي بوشتى
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:48

    عندما يحكي الشارف عن معاناته مع التعذيب يحن القلب وتدمع العين ,,,لكن ما لم يرويه الشارف هي مخططاته ومخططات امثاله لضرب المغرب والمغاربة في أمنهم وسلامتهم ,,,هل يروي لنا الشارف وامثاله مافعلوه بالكثير من الأبرياء وكم من برئ ذبح بإسم محاربة الإلحاد واعداء الإسلام ,,,صور بشاعتهم في القتل والترويع ينشرونها ويفتخرون بها وعذاباتهم وهي عذابات مشروعة يدينونها ,,,فلا نامت أعين الإرهابيين والجبناء أيها الشارف والفيزازي وبليرج والكتاني ومن كان على شاكلتهم

  • rachid
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:56

    tres bien akhai ; merciiiiiiiiiiiiiiiii

  • حسن
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:58

    فعلا أخي الكريم، الظالم يموت قلبه والمظلوم يحيا قلبه بسبب الظلم ولا يزيده إلا تشبثا بحقه ويكسب تعاطف الناس على مختلف توجهاتهم ومشاربهم أما الظالم فينزل به مقت الله وتنفر الخلائق منه وتضيق به السبل.
    وحاشى لله أن ينصر ظالما على مظلوم.
    حياك الله على مقالك وحيا كل من يصدع بالحق.

  • أنا غبي إذن أنا موجود
    السبت 16 أبريل 2011 - 19:46

    و الله إن آهاتي الصامتة من شدة عذابي وآلامي و محني و معاناتي لهي أكثر إيلاما و أشد وطئا على النفس من آهات “الشارف”، و أيضا لأشد قسوة على نفسي من الأوجاع المذيبة لأحاسيس وعواطف “غزلان” وهي تستنكر و تتألم من مشاهدتها لمعاناة “الشارف”. تلك الأحاسيس “الأنثوية النسوية” حولتها “غزلان” إلى دموع مؤاسات إنهمرت (مؤقتا) بغزارة على خديها، ثم ما لبثت إلى أن جفت بسرعة.(تماما كأن أحدا كان يقطع البصل بجوارها)
    .
    أما الغصة ـ غصتي أنا ـ التي لا تفارق حلقي و تتسبب في كتمان آهاتي، و الدم يغلي في عروقي و يحاصر دمعي في المآقي، هي من شدة عذاب و آلام (لفقايس) و الهموم و الكمد و الإحباط و اليأس و الغضب العارم الذي يــســبــبــه لي بنوا قومي المغاربة على الخصوص.
    .
    لماذا يصدقون كل شيئ على أنه حقيقة، لماذا الآلة الإعلامية (دارت فيهم خبلة) و حولت المتعطش للمعرفة منهم إلى (عيي، إمعة، ساذج) يصدق كل شيء يقال و يذاع و يتلفز، دون ـ على الأقل ـ أن يتشكك في ما يسمع و يرى و يشاهد من تمثيليات، و دون أن يقارن ما يمثل أمامه أو يلقى إليه به من أخبار، ثم يقارنه بما عاشه من قبل في الزمن الذي ليس بالبعيد؟ فأين الذاكرة؟
    .
    كيف تكالبت قوى الشر الإمبريالية على العرب و المسلمين و تحالفت و تواطأت و سخرت و وظفت الآلة الإعلامية و المخابراتية ـ محليا و أجنبيا للعب أدوار مختلفة و متنوعة و مشبوهة في محاولات من الإستعمار الجديد لتحويل الجماهير الشعبية إلى غوغاء و رعاع و هوام يرضون بكل ما يضرهم و لا ينفعهم، و يصدقون كل شيء يهدف لإختراق كياناتهم، و يضربون بعضهم بعضا و يتبرمون من بعضهم بعضا لكنهم يرحبون بالأجنبي.
    .
    يعرف الجلاد، كما جربت الضحية، بأن التعذيب الجسدي قد يتحول إلى “متعة” خاصة يألفها الجسد، خصوصا عندما تموت الأعصاب الناقلة الأحاسيس إلى الدماغ، لكن اللوعات و العذابات و الآلام النفسية لا تغيب عن النفس و لا تفرقها ابدا إلى أن تفارق الروح الجسد.
    نعم، هذا هو سر جرحي و آلامي (غدايدكم يابني قومي، يا الفقايس يا لمحاين يا الراس الخاوي)

  • محمد أسعيد
    السبت 16 أبريل 2011 - 20:02

    جزاك الله ألف خير على ماكتبته وأسعد أيامك فالشرفاء في هدا البلد كثر والدين لهم غيرة على هدا الوطن نبلاء ونعلم جيدا أن ساعة الفرج آتية بادنه تحث رحمة الله وأمثالك الدين تحركم ضمائرهم للجهر بكل مايملكون ضد الضلم والاستبداد .مرة أخرى جزاك الله خير

  • خميد
    السبت 16 أبريل 2011 - 20:00

    حرام هاد شي حرام

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32 2

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10 1

إرث المرابطين والموحدين

صوت وصورة
طريق مهترئة وخسائر متواصلة
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 23:58 1

طريق مهترئة وخسائر متواصلة

صوت وصورة
جلسة عمل | إدريس الكراوي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:53

جلسة عمل | إدريس الكراوي

صوت وصورة
العسري واتصال المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 22:02

العسري واتصال المنصوري

صوت وصورة
بنعبد الله بعد لقاء المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 21:26 11

بنعبد الله بعد لقاء المنصوري