رخصة تربية الأطفال

رخصة تربية الأطفال
الأحد 31 يوليوز 2016 - 16:35

أطرح هذا السؤال على كل المتزوجين الذين يزورون عيادتي والأجوبة تتراوح ما بين صفر وستة ونادراً ما تتعدى هذا العدد.

و لا يهم عدد الأطفال بقدر ما تهم “الرغبة الصادقة” في إنجابهم و تربيتهم ولكن في ثقافتنا لا نفرق بين “القدرة البيولوجية” و”الرغبة الحقيقية”!

فليس من اللازم أن نتذكر بأن أغلبية الأزواج ينسون الضغط على زر “الإغلاق” لآلة صناعة الأطفال ويجدون فجأةً أنفسهم أمام عدد كبير من الأبناء وكأنه لا مسؤولية لهم و أن المسألة هي من شؤون القَدر أو “المكتاب” حسب الثقافة الشعبية! بالفعل القدر يأتي بالأطفال الواحد بعد الآخر كما يأتي أيضاً بطعامهم أو رزقهم. لكن مع الأسف ليست الإشكالية في القُوت ولكن في أسلوب تربيتهم وتوفير الحنان الذي يحتاجون اليه وليس من المعقول التخلي عن هذه المسؤولية و إلقاؤها في سلة “المكتاب”.

و قد لاحظت بأن الأغلبية الساحقة من الأطفال هم ضحايا لسوء المعاملة وضعف التربية. ويبدو لي أعزائي القراء أنكم مصدومون من كلامي!

وأتساءل لماذا يتعرض الطفل للسب والقمع ويتم وضعه في مقارنة جائرة مع الآخرين ويتم تثبيط عزيمته وقتل مواهبه وتعنيفه بالضرب بكل أنواعه من ضربات على الأرداف إلى صفعات على الوجه ثم إلى ضربات بالعصى وجلد بـالحزام ورمي بالنعال وركل بـالأحذية…. ، أليست كل هذه الأمور مظاهر صارخة لسوء المعاملة وانعدام التربية السليمة؟

ولا حاجة لذكر النقص في توفير الحنان العاطفي الحقيقي اللازم للطفل لتكوين شخصيته بشكل متوازن ولا داعي أيضاً للحديث عن تفاصيل سوء التعامل النفساني معه الى درجة أنه يُشاهدُ بكل حواسه العنف بـأشكاله وألوانه بين والديه بدءً من العنف الشفوي اللفظي وانتهاءً بـالعنف الجسدي والإرهاب المنزلي.

وبطبيعة الحال لن أتحدث عن توفير الظروف المادية التي يحتاجها الطفل فقد جرت العادة في الممارسات الشعبية أن يتركها الآباء بين أيادي إرادة السماء في حالة من التواكل السلبي التام كأنما الإرادة السماوية هي المسؤولة وحدها عن تشغيل آلة الإنجاب وبالتالي فهي التي ستقدم كل الاحتياجات المادية المطلوبة بشكل تلقائي دون تخطيط أو تنظيم او مجهود أسري!

ولا داعي لأذكر كل واحد منا بذكرياته وكيف عاش طفولته وما مر عليه منذ سنواته المبكرة في وسطه العائلي والاجتماعي حتى لا توجهوا إلي أصابع الاتهام بأنني أصف التربية في مجتمعنا بأنها تربية قائمة على العنف والإهمال التربوي .

فهل هناك من الآباء من حاول تعلم أسس التربية قبل الإقدام على الإنجاب؟ للأسف بطريقة تقليدية نأتي بطفل من عالم الملكوت الى عالمنا الأرضي ونعيد إنتاج التربية التي تلقيناها وتطبيقها عليه بشكل أسوء.

وهل هناك من الآباء من تسلح بوسائل حديثة للتربية أو على الأقل فكر فيها قبل الإنجاب؟

وهل هناك من الآباء من راجع نفسه وسلوكه وتمكن من إكتساب كل الوعي بدوره كمربي قبل الإنجاب؟

وهل هناك من الآباء من كلفوا أنفسهم عناء التثقيف الذاتي والقيام بأبحاث في تكوين نفسية وشخصية الطفل، باحثين عن أفضل المفاهيم التربوية لدى مختلف مدارس التربية والتيارات النفسانية والفكرية الفلسفية والدينية قبل انجاب الطفل؟

وهل هناك أزواج راجعوا بدقة بنية علاقتهم قبل تحضير عُش الزوجية لاستقبال الطفل؟ وهل منهم من أقام عُش الاتفاق والتفاهم والمشاورة والوداد والانسجام والتناغم والمحبة من أجل الطفل المنشود!

وهل هناك أزواج تشاوروا حول رؤية كل شريك منهم للتربية وحاولوا الاتفاق على برنامج ورؤية موحدة للتربية قبل الإنجاب؟

إن الحصيلة ضعيفة جداً لدرجة أنني أسمح لنفسي بالإجابة “لا أحد من الآباء ولا من الأزواج استعدوا الاستعداد السليم لاستقبال وتربية أبنائهم قبل إنجابهم.”

وأنا لا أعتبر أحداً مذنباً على نحو شخصي ولا ألقي بحِمل كل هذه الخطايا على ظهور الآباء، لأن المجتمع كله يسير على هذا المنوال والكل يمر من نفس القالب ويتبع السابقين على نفس النهج المكرر.

وبكل صراحة أعرض عليكم ما أراه يومياً في عملي والذي تتيحه لي قراءتي اليومية للمجتمع، وهي قراءة لهذه الدراما من مسلسل لا ينتهي من “سوء المعاملة” التي يلاقيها أطفالنا في ظل حالة انعدام الوعي بمخاطر الولادات الغير المبرمجة وتفشي الجهل التربوي ولا أرى إلا حلا واحداً لهذه المآسي، يتمثل في برنامج لمساعدتنا على بناء مجتمع المستقبل.

هذا البرنامج يحتوي على المحاور الثلاثة التالية:

1- إعداد مدرسة تكوين الآباء والأمهات: كيف لشخص أن يصبح أباً أو أماً بدون أن يتعلم مهنة الأبوة والأمومة؟ هل من المعقول أن يكون المعلم أو الأستاذ أمياً جاهلاً بأبجديات المادة التي سيُدرِسُها لطلابه ؟

2- إدماج برنامج في المجال المدرسي حول أهمية التربية وتياراتها المختلفة (ما يعزز التعايش والتسامح) ودور الآباء. هذا البرنامج المدرسي يمكن الفرد من تطوير قدراته ومهارته ليصبح مربياً واعياً بـدوره في بناء المجتمع ومساعدة الطفل على التفكير وبناء قدراته. وهو بلا شك إعداد حيوي للفرد كي يكون مؤهلاً لدوره الأبوي المستقبلي في حياته الزوجية.

3- إعداد ملف لطلب استمارة الحصول على رخصة الإنجاب. أنا واعي بأنني قد أصدم القارئ بهذا المحور أو على الأقل قد يعتبرني بحسن نية مصاباً بحالة من الحمق الفكري. فلماذا مثلاً ينص القانون على وجوب تحضير ملف ليصادق عليه القاضي للتمكن من الحصول على حق كفالة طفل يعيش بدار الأيتام وفي حالات كثيرة يمكن للقضاء رفض ملف الطلب رغم أن هذا اليتيم قد وُلِد وفات الأوان والكل مدرك بأنه بحاجة لأسرة تكفله وهو مهدد بالحرمان الكلي من الحياة الطبيعية والضياع في حياة الشوارع؟ لماذا القانون يلزم بتقديم ملف مشروط للحصول على كفالة الأيتام وفي نفس الوقت يسمح المجتمع دون أية ممانعة بل يشجع الأزواج على الإنجاب بالعدد الذي يريدونه دون قيد أو شرط ؟ أليس الأطفال الذين يولدون في أسر غير مؤهلة للتربية هم “أشباه اليتامى” ؟ ويستحقون الحماية القانونية الوقائية؟ كيف يعقل أن نقود سيارتنا برخص سياقة مُعتمدة وننجب أطفالاً بدون رخص وبدون تدريب أو تأهيل؟

نعم يجب تطبيق نظام للتأهيل التربوي وتوفير كل الشروط للسماح بالإنجاب بحيث يكون الزوجين حاصلين على شهادة التربية من مدرسة الآباء حتى يكونا على كامل الوعي بالمهمة الكبرى والصعبة المترتبة عن الإنجاب. عندها سيكون الأزواج مدركين للفارق بين القدرة البيولوجية على الإنجاب والرغبة الصادقة في الإنجاب والتربية القائمة على التخطيط والإعداد السليم والوعي التام بـالقيم التربوية السليمة والادوات الصحيحة لبناء الاسرة والمجتمع .

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • abdessamad
    الأحد 31 يوليوز 2016 - 18:49

    كلامك على صواب افكار نيرة تحليل منطفي لو طبقت لكان لهدا المجتمع شان اخر

  • عبد الواحد
    الأحد 31 يوليوز 2016 - 21:47

    موضوع جيد أشكر الكاتب على طرحه للنقاش ،وقد يكون هذا الموضوع تابع لمقالك السابق حول مشاكل الطلاق في مجتمعنا ،تربية الأبناء موضوع ذو إشكال كبير ،حيث تتداخل فيه عدة عوامل وأهمها العامل الثقافي ،والعامل الاجتماعي ،والاقتصادي ،والعامل العقائدي والتراثي. أما على صعيد علوم التربية وعلم النفس فهناك عدة مذاهب ونظريات، وعدد كبير من التجارب العلمية التي توصل إليها المختصون في هذه الميادين .ومهما يكن مستوى الثقافي أو الاجتماعي للأبوين فذلك لا يأثر كثيرا على تربية الأبناء ( قد يجد الأبناء الحنان والدفئ في بيت فقير أكثر من بيت ميسور والعكس صحيح) بقدر ما يبقى عامل التفاهم والتخطيط الاستراتجي القائم على الود والمساواة في تحمل المسؤولية لبناء الأسرة طبقا لأهداف مسطرة قبليا هو العامل ذو الأهمية الكبرى حيث أنه يدفع الأباء تعلم كيفية الإنجاب وكيفية تحضير مسقبل الأبناء وما هي الطريقة الأنسب في تربيتهم.

  • عبدالواحد
    الأحد 31 يوليوز 2016 - 22:26

    شكرا للكاتب على هذا الموضوع الشيق الذي يثير عددا كبيرا من التساؤلات، وملاحظات ، فموضوع تربية الأبناء هو في حد ذاته تابعا لمقالك السابق "سوف أتزوج ،سوف أطلق" ولا يقل حدة عليه من إشكالات وتداخلات لعدة عوامل ومن بينها العامل الثقافي والعامل الاجتماعي، والعامل الاقتصادي والعامل العقائدي والتراثي …ففي معظم دول العالم أصبح هاجس التربية والتعليم من أكبر المشاكل العويصة التي يبحث في عدد كبير من المتخصصين في شتى العلوم البيولوجية والنفسية والتربوية ،وانتروبولوجية…وقد تختلف تربية الأبناء من مجتمع لآخر ،ولهاذا نجد كم هائلا من النظريات والمناهج التربوية ،ويبقى دائما العامل الذي يؤثر كثيرا في تربية الأبناء والذي يلعب الدور الأساسي هو عامل الانسجام والتفاهم القائم على المساوات والود والاحترام المتبادل بين الأبوين. هذا العامل والذي يدفع الزوجين إلي التخطيط والانسجام في اتخاذ القرارات فيما يخص تربية الأبناء وما هي الطريقة الأنسب اتباعها.

  • هذا هو المعقول
    الأحد 31 يوليوز 2016 - 23:07

    … الاستاد تطرقت الى اهم المواضيع الحساسة التي لايعيرها الاباء اهتماما .. حتى الجمعيات التي الحقوقية واللاحقوقية في بعض الاحيان لاتفهم معنى التربية.. من منظور شمولي ونسقي .. نحتاج الى حملات تحسيسية لتسلسط الضوء على هذا الجانب المهم والضروري الذي به يبنى صرح الامة ويشتد عضضها .. لكن للاسف هناك من لهم مصلحة في انعدام التربية او بالاحرى تمييعها وضحدها لاسباب يعلمها الجنين قبل الاب .. استاذي جزاك الله خيرا في مثل هذه المقالات الانسانية التي تنبعث منها رائحة الغيرة على مصير هذه الدولة … شكرا جزيلا

  • الرياحي
    الإثنين 1 غشت 2016 - 01:29

    كتبت "إعداد ملف ….. قد يعتبرني بحسن نية مصاباً بحالة من الحمق الفكري."
    فعلا أوافقك الرأي "أنت مصاب بحالة من الحمق الفكري" دورك كطبيب نفساني أن تعالج الناس ولا تتدخل في ما لا يعنيك .أنت كمثل طبيب جراح عوض أن يعالج رجل كسرت يداه في مبارة كرة القدم يريد تحريم كرة القدم.
    أو مثل من يقحم الدين في سياسة لا فرق . تتدخل كطبيب محايد يقدم انصيحة أو كمواطن .وهل في نظرك كل من يملك رخصة السيارة سائق ممتاز ؟ فكرتك فاشستية لن يقبلها أي شعب.ربما فاتك أن الحب والمحبة يوجد أيضا إن سمحت عند المغاربة وأن المغربي ولو كان فقيرا لا "يسلخ " حتميا أبنائه وأن العنف يقتحم أيضا علا القوم في كل أرجاء العالم رغم التستر وخسائره أفضع.يجب فقط أن تصهر الدولة على صحة المولود النفسية والصحية وتتدخل في حالة التعنيف كما نرى في الغرب.
    إنه لمن العنف وأي عنف أن تربط حق الإنجاب بشهادة موقعة من عند ربما جاهل خصوصا أن الرشوة تعفيك .معدل إنجاب مغاربة فرنسا لا يختلف عن غيرهم من الفرنسيين.تحديد النسل مرتبط بالمستوى العيش بصفة ٱلية.مسكين هذا الفقير تريد أن تنزع منه آخر الحقوق

  • الأمر أعقد
    الثلاثاء 2 غشت 2016 - 10:04

    شكرا للكاتب على هذا الطرح القيم
    أود الإشارة إلى ضرورة تشخيص دقيق للإجابة عن هذا السؤال :
    لماذا نلجأ للعنف عوض الحوار ؟

  • abou hamza
    الثلاثاء 2 غشت 2016 - 16:32

    :beau parole mais inapplicable au Maroc en l''absence de l'infrastructure nécessaire; référence unifié; moyen humain et matériel; volonté sociétale mais déjà il existe des initiatives de la société civil dans le domaine manque des ressources humains qualifiées c'est occasion pour vous pour voir la faisabilité de votre idée

  • مواطن من كوكب kepler1647b
    الثلاثاء 2 غشت 2016 - 22:19

    مع الاسف هناك اسباب تحول دون تنظيم الاسرة وتحديدها في المغرب على اعتبار ان تنظيم الاسرة يعني ( القتل العمد)، اضافة لعوامل دينية وقومية تعتبر زيادة السكان وتكاثرة بالنسبة للمسلمين هو قوة ومنعًة في مواجهة الاعداء. وان نظرية تحديد النسل فكرة استعمارية خلقها الغرب لغرض القضاء على الاسلام واضعافة . وهناك عوامل اخرى ساهمت في تلك الزيادات السريعة ، منها ما شهدة العالم من تحسن الاوضاع الصحية بسبب الجهود الدولية للقضاء على كثير من الامراض السارية والمتوطنة ، اضافة لجهود الدول في تقديم الخدمات الصحية الوقائية والعلاجية ، وما رافق ذلك من تطور في وسائل العيش وزيادة نسبية في موارد السكان، كل تلك العوامل تسببت في قلة الوفيات بين الاطفال وزيادة .عدم تحديد النسل عندنا سيزيد من الهجرة القروية سيزيد من الاجرام فكل طفل رجل الغد يجب ان توفر له شروط ااكرامة وإلا فقد يقتل بريءا ليعيش لدا على المغرب ان يحدد النسل كي يسايره النمو وإلا فانتضروا الكوارث.

  • محمد
    الأربعاء 3 غشت 2016 - 12:23

    لقد وفقتم في التنبيه الى معضلة التربية ، لو طبقت المبادئ التي اشرتم اليها ، لوفر المجتمع على نفسه السقوط في الكثير من الكوارث الاجتماعية التي نتخبط فيها .
    شكرًا الاستاذ المحترم .

صوت وصورة
جيل جديد يروي المسيرة الخضراء
الخميس 5 نونبر 2026 - 23:07

جيل جديد يروي المسيرة الخضراء

صوت وصورة
زيت الزيتون بين 30 و60 درهما
الخميس 5 نونبر 2026 - 22:41 6

زيت الزيتون بين 30 و60 درهما

صوت وصورة
الضريبة على شركات المحروقات
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:57 2

الضريبة على شركات المحروقات

صوت وصورة
نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية
الخميس 5 نونبر 2026 - 21:40

نقاش هسبريس | قضية الصحراء المغربية

صوت وصورة
هدم دوار الكوارة بالبيضاء​
الخميس 5 نونبر 2026 - 18:23 4

هدم دوار الكوارة بالبيضاء​

صوت وصورة
الحكومة والقدرة الشرائية
الخميس 5 نونبر 2026 - 17:01 8

الحكومة والقدرة الشرائية