ردا على منتقدي الفكر المسيحي

ردا على منتقدي الفكر المسيحي
الأحد 2 يوليوز 2023 - 13:00

تنبيه هام: هذا الرد موجه لأناس بعينهم، فإذا قرأته المرجو أن تتقيأ كل معارفك وكل الأفكار الإيديولوجية المسبقة حول الفكر المسيحي.

قال مصطفى بوهندي في برنامج “مباشرة معكم” في (14 غشت 2011) في موضوع “الإسلام والغرب”: “نحن جماعة من الناس تدينا بالإسلام، نحن نريد أن نصل، لكنها تجربة بشرية تاريخية، اليهود جربوا هذه التجربة الإسلامية، والنصارى جربوا هذه التجربة الإسلامية، والمسلمون جربوا هذه التجربة الإسلامية…”، وهذا يعني أن المسيحية وغيرها من معين واحد وهو الإسلام، أيضا من الانتقاد الذي كثيرا ما يُواجه به الفكر المسيحي، ذلك الانتقاد الذي ينطلق من فكرة مفادها، أن انتماءنا الحقيقي هو للإسلام رغم اختلافنا في المعتقدات، لأن الإسلام أتى مهيمنا على المعتقدات الأخرى وأنه خاتمها، وأن نبيه محمد هو خاتم للنبوة، وأن الكتابات المقدسة تم تحريفها، وهذا ما التقطته بعلم أو بدون علم الصحفية المتميزة “هاجر الريسوني” في محاورتي يوم “23 أبريل 2023” ببرنامجها “بين قوسين”، مع العلم بأن هاته الادعاءات مردود عليها في كتابات المسيحيين منذ زمن طويل وحتى اليوم، بل قد كتبت في هذا الشأن منذ سنوات دراسات تفند ادعاءات المدعين حول “الفكر المسيحي” ومُتعلقاته، وأتمنى أن تتيح لي الفرصة لأعيد صياغة ما كتبته في كتاب مستقبلاً أرد فيه على مثل هاته الترهات الغبية.

إننا نعرف جميعا بأن الدين الذي غالبا ما نشكك فيه هو مسألة وجدانية، وفي الغالب ينشأ الإنسان على دين معين، فهناك من يقدس الفئران، فهل ننعته بالمجنون، فلو كان الدين بالعقل فقط لكان كل الناس على الدين نفسه، فما يجب هو احترام الإنسان المعتقد لأي دين، ففي كل دين ما يراه الآخر غير منطقي، فأديان الشرق كالكنفوشية والبوذية والجينية…، في حقيقتها ليست كما زعم emil durkheum (1858 – 1917) أديان أخلاقية لا لاهوتية، فهذه الأديان الثلاثة لها ما يفيد ارتباطها بالسماء حسب معتنقيها وكتاباتها، فقد أثر عن confucius قوله في كتاب “الحوار”: “لو ارتكبت ما لا يليق غضبت السماء”، فكتاب “مقاربات في دراسة النص التوراتي: سفر راعوت أنمودجا” مثلا، وهو عبارة لرسالة لنيل الدكتوراه في مقارنة الأديان من جامعة محمد الخامس، لصاحبه “مصطفى زرهار”، كتاب ذو قيمة معرفية وبحثية للدراسين، يحارب التأويلات الإنسانية لسوق القيم (ص 9)، ويعطي السبب للتأويلات الخاطئة بسبب الصراع الاثني والقبلي، فالكاتب يريد أن يقدم قراءة إنسانية للدين، وهذا عين العقل لكل العقلاء والمتدينين مهما اختلفت انتماءاتهم، ففي هذا الكتاب المتميز إشارة لمسألة العقاب والتواب (ص 13)، فقد أقر الكاتب من خلال دراسته بأن العهد القديم صعب أن نتناوله بالدراسة، فهذا الكتاب عميق من حيث كم المعلومات التي حملها عن دراسة العهد القديم، وأيضا يعتبر مُكونا أساسيا لكل دارسي مقارنات الأديان بالمغرب.

فمن الأسئلة الضمنية التي تطرح عليا دائما -هل للخطاب المسيحي مرجعية فكرية تنبني عليها مواقفه الأخلاقية؟ فعادة ما يسلم غير المتعاطفين مع الرسالة التبشيرية المسيحية بالمغرب بنوع من التعالي الأبله، ويؤكدون بأن الخطاب المسيحي ليس سوى سديم من الأخلاقيات غير منضبطة بشرعية دينية، إذ معظم الذين يسترسلون في إطلاق الأحكام المسبقة على الفكر المسيحي، ويصفونه بالخواء “الديونطولوجي” لم يقظوا وقتا طويلا في الاطلاع على أدبيات التاريخ المسيحي بشمال إفريقيا والشرق الأوسط، ولم يطلعوا على الكتاب المقدس المكتوب بلغات عديدة، بل إن معظمهم ذوو تكوينات ضعيفة في ما ينبني عليه الفكر المسيحي من لسانيات وأنثربولوجيا وغيرها، فمما يحتاج إليه الناقد ولم أخبر وجوده عند جل ناقدي “الكتاب المقدس”، ما يسمى بـ”التحليل النقدي للخطاب”، أي ذلك النمط من التحليل النقدي العلمي الذي يبحث في مواطن الخلل في علاقة الخطاب المسيحي بما يسعى في تمثيله بالواقع.

يغفل منتقدي الفكر المسيحي مثلا، أن الفكر المسيحي فكر نقدي في مجمله، مبني على نقد الهيمنة الإيديولوجية، فهذا الفكر تصادم مع “الاكليروس” الديني في العديد من المحطات، ومنها الفترة الأوسطية ما قبل الحداثة، والتي كان رجالها في أغلبهم مسيحيين، إذ معظم المفكرين المسيحيين ميْالون أكثر من غيرهم إلى ممارسة النقد بشكل يجعلهم مصدر “إزعاج حقيقي” لكل من يراهن على “تبليد الذهن” منهجا لتكريس تناقضات الهيمنة الإيديولوجية والثقافية، كذلك أصحاب هذا النقد يغفلون أن الفكر المسيحي مبني على أسس أخلاقية، مثل الحق في رد المسلوب من كرامة إنسانية مما يتنكر له هؤلاء الناقدون، فمن آفات المنتقدين للمسيحية أنهم لم يؤسسوا لأخلاق نقيم بها الأداء السلوكي للأفراد والجماعات، ونؤول بها علاقتنا مع الآخر.

لقد ركم الخطاب المسيحي المعاصر زخما فكريا ملحوظا خلال الأربعة عقود الأخيرة، على مستويات البحث اللاهوتي والأنثربولوجي والأركيولوجي والفلسفي والترجمي، مما لا يتجرأ على إنكاره إلا جاحد، وما على الناقد إلا أن يفحص ما يصدر سنويا عن معاهد اللاهوت المتخصصة من كتابات قد تستعمل مؤشرا على التطور النوعي الذي عرفه الفكر المسيحي المعاصر بجميع روافده ومستوياته في السنوات الأخيرة.

– قد يكون انتقاد هؤلاء للفكر المسيحي في محله، لكن كيف نعرف ذلك؟ وأين هي المعلومات الكافية والشافية التي استعملوها للنقد المسيحية؟

– أنا سعيد أن هؤلاء حاولوا أن يفندوا بعض ملاحظاتي ولم ينجحوا، وسبب عدم نجاحهم هو إيديولوجيتهم المسبقة التي نازعتهم حتى جعلتهم يخطئون في ردودهم المقيتة، لقد كنت أنتظر منهم ومن غيرهم أن يردوا من منطلق تاريخي أو باستعمالهم لبعض طروحات العلوم الإنسانية، علني أقوم خطئي أو أستزيد من علمهم وأستفيد مما قد يحتجون به عليْ، لكنني لم أجد في كلامهم ما يفي بالغرض، فمناط العلم ما يقدم من حجج، ومناط تسفيه العلم تسفيه حججه، لكن جملة ما جادت به قريحتهم ادعاؤهم أنني أدعوا الناس للمسيحية، وأنني مبشر متخف في جبة لاديني، لأن منطلقاتي فلسفية ونظرية.

– لقد فندنا ما ذهبوا إليه بسبب تقديرنا لأدبيات التاريخ المسيحي ورموزه.

فهذه هي خلاصة حواري الأخير.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • Lamya
    الأحد 2 يوليوز 2023 - 15:23

    انا صراحة اومن بقول الله (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) و كما يقول المغاربة “كل شاة تتعلق من كراعها” او كما يقول الله تعالى ( ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا )
    ولكن المسلمون يؤمنون بأن الديانات الابراهيمية الثلاث أصلها التوحيد Monotheismus
    وهذا موثق في الوصية الأولى للوصايا العشر لسيدنا موسى عليه السلام و هذا المقصود بالاسلام, يعني رب أعلى منزه على ان يلد او يولد او يصبح بشر أو شيء من هذا القبيل, كما جاء في سورة الاخلاص

  • Hassan
    الأحد 2 يوليوز 2023 - 15:37

    ))(( الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله . لقد جاءت رسل ربنا بالحق ))((
    الدين رابط روحي يصل العبد بمعبوده

  • Lamya
    الأحد 2 يوليوز 2023 - 16:07

    و الله امرنا ان نتعامل بالتي هي احسن مع اهل الكتاب لان هناك اشياء كثيرة تجمعنا مثلا النصرانية, علينا أيضا ان نؤمن بالسيد المسيح عليه السلام كرسول مرسل من الله و ايضا خلقه الله عن طريق روح القدس و أمه السيدة مريم العذراء عليها السلام و هذه معجزة إلاهية فسبحان الله و كانت له معجزات كبيرة جدا مذكورة في القران الكريم و أن الله رفعه اليه بعدما أراد به اليهود, الذين أرسل اليهم, كيدا و انه سينزله الله في اخر الزمان, لأن الله رفعه و أجله لاخر الزمان

  • l'enfer c'est l'autre
    الأحد 2 يوليوز 2023 - 17:12

    الاشكال الرئيسي للمسلمين يتمثل في تمركزهم على ذواتهم وعدم قبولهم للاختلاف والاكثرمن هذا هو عدم قبول الاختلاف حتى مع المسلمين امثالهم ،السنيون يرون ان الشيعة في ضلال ونفس الشيء بالنسبة للشيعة ،تم هناك مذاهب تتمركز على نفسها ويصبح الاسلام الحقيقي هو اسلامهم وغير اسلام الآخرين زد عليها الاختلافات في قراءة القرآن حتى الوصول الى التناقض زد على ذلك ان السياسيون والشيوخ والفقهاء يوظفون الدين في السياسة و مسائلهم الخاصة

  • Hassan
    الإثنين 3 يوليوز 2023 - 20:02

    الأديان ليست فكرا بل هي ذكرا و رسالة و عقيدة . عندما تؤمن تصدق . لا ترد على من يحاجج في.عقيدتك .له دينه و لك دينك . أما إن كنت لا ديني عليك بالحياد .

  • hanidandani
    الثلاثاء 4 يوليوز 2023 - 09:31

    التفكير العقلاني لا يوجب كره الدين أو محاربته ولكن مجرد اعتبار أن الأديان هي مرحلة من مراحل تطور الوعي البشري.
    الدين أعطى أجوبة جميلة للعقل البشري الحائر تجربة كانت شيئا لا بد منه في فترة من فترات التيه وقلة الحيلة بالنسبة للانسان .والدين وجه امما للمئات السنين بسبب اعتقاد كل منهم انه الرابح بالجنة والمومن الخير على الارض مما دفعهم الى المنافسة والتطور فيما بينهم للهذا نجد انسان واعي و متطور بسبب الخوف من المنافسة .لو لم توجد الاديان لبقي الانسان تائها

  • من لايظلم الناس يظلم ...
    الخميس 6 يوليوز 2023 - 10:09

    ما الجديد الذي أضافه الدين للقيم الإنسانية ؟! وهل الشعوب التي لاتمارس الدين أقل أخلاقا من الدول التي تستمد قوانين الدستور من الدين ؟ هل الدول الائكية لاتهطل عندها الأمطار بنفس مقاييس الدول التي تصلي من أجل نزول الغيث ؟ هل هناك فرق بين من يعتقد ومن لايعتقد ؟ هل أحدهما ارقى أخلاقا من الآخر ؟ هل يخضع منطق الرخاء لمدى توجه الانسان بالدعاء للسماء ؟ هل هناك دليل مادي على وجود حياة ما بعد الحياة ؟ هل إذا افترضنا أن الله يمهل ولا يهمل تكون النتيجة أن يموت الظالم شر ميتة ؟ وهل كل الاشرار تكون نهايتهم أليمة ؟!

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 2

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 5

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا