سبتة ومليلية والجزر المتاخمة

سبتة ومليلية والجزر المتاخمة
السبت 26 شتنبر 2026 - 23:21

سبتة ومليلية والجزر المتاخمة.. ذاكرة لا تطالها الخيانة وصوت يرفض الصمت

ألا تستحق عبارة «Sebta, Melilla and the surrounding islands are Moroccan» أن تُكتب على الأقمصة ونلبسها بافتخار، كما يلبس بعضُنا أقمصة البعض ويتيمّ بها إلى حدّ الجنون؟.

تظافرت ثلّة من العوامل لتنتزع الأندلس من قبضة الدولة الإسلامية، ولم يكن من بدّ أمام الإسبان — بإيعاز من التيار الكنسي والديني — إلا أن ينتقموا من فتح الأندلس؛ ذلك الفتح الذي قاده طارق بن زياد بخطبته الشهيرة: ” العدو أمامكم والبحر من ورائكم”.

استمر الحكم الإسلامي لقرون، وأثّرت الحضارة الإسلامية في المعيش اليومي للإيبيريين (حوالي 8% من كلمات اللغة الإسبانية ذات أصل عربي، نظرًا لاستمرار الوجود الإسلامي في الأندلس لنحو 700 سنة). نُشِدت قصائد شعرية كثيرة عن «الفردوس المفقود»، وعَبّر الشعراء عما أصابهم من هول الكارثة التي لحقت بالمسلمين في تلك الديار؛ حيث هُجّرت العائلات وتجرّعت مرارة فراق الأهل والوطن…

أضواء الضفة الأخرى تتلألأ في أعيُن جالسي سور «المعاكيز»، فبعدما كان هذا السور في أوج الإمبراطورية المغربية مرتعًا لمن أراد أن يفتح الأندلس، أضحى اليوم محجًّا لمن يُمَنّي النفس بالحياة في الضفة الأخرى، منتظرًا أن يقطع المسافة بطريقة شرعية أو غير شرعية، متوهمًا أن الطريق مفروشة بالورود… لا يُطلب منا استرداد الأندلس، بل استرداد الثقة في أنفسنا للذود عن حوزة الوطن واسترجاع ما تبقى تحت الاحتلال!

إن فتح الأندلس برهن للعالم أن جنود المغرب الأشاوس يُهابون في أي مكان، وقد حظوا بإعجاب فطاحلة الجهاد في المشرق. وما «باب المغاربة» في القدس الشريف إلا شهادة على المكانة والاحترام اللذين حظي ويحظى بهما الجنود المغاربة في الشرق كما في الغرب؛ إذ لم يثق صلاح الدين الأيوبي في أحد لحراسة هذا الباب إلا المغاربة، لما عُرِفوا به من تضحية ونكران للذات، حيث قال قولته الشهيرة فيهم: «أَسْكَنْتُ هناك مَنْ يَثْبُتُونَ في البَرِّ، ويَبْطِشُونَ في البَحْرِ». ومن حقنا أن نتساءل: لماذا لم تُسَمَّ الأبواب بالجنسيات الأخرى؟!

ضاعت الأندلس من أيدي المسلمين بفعل البذخ، والسعي وراء الملذات، والصراع على الحكم، والتطاحن، وتقاعس بعض المسلمين عن تقديم يد العون، فكانت النتيجة سقوط آخر معاقل المسلمين في شبه الجزيرة الإيبيرية: غرناطة سنة 1492م، حيث نُكّل بالمسلمين وأُقيمت المحاكم الدينية (محاكم التفتيش) بإيعاز من الكنيسة…

اشتد غيظ وبغض بعض المتطرفين الإسبان وقاموا بتمزيق العلم الوطني في قلب مدريد، ولم يجرؤ «المؤثرون» على التنديد أو التعليق! ربما عَمُوا وصَمّوا، وباتوا ينتظرون تظاهرة رياضية لجذب ملايين المشاهدات، أو وقائع في أقاصي الأرض حتى يعكروا صفو أيامنا، كأن أنظارهم أُصيبت بعمى القرب فلا يرون إلا الأشياء البعيدة! يصدحون بنصرة أناس في أي مكان ويتناسون ما يدور بالقرب منهم، يتفنون في كتابة أسماء تلك البلدان على ملابسهم والالتحاف بأعلامها… لماذا نبالغ في نصرة من لا يقيم لنا وزناً، وربما يكونون أكثر عداءً مما يضمره لنا الأعداء! لا أحد من هؤلاء يتكلم عن قضيتنا الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة، ولا أحد منهم سيزخرف ملابسه بعبارة: «Sebta, Melilla and the surrounding islands are Moroccan»!

فليعلموا أن الأمة المغربية أبان أبناؤها عن علو كعبهم في الجهاد والذود عن حوزة أوطانهم، وأننا نعرف من ينافقنا… استُهدِفنا في عقر دارنا ولم يدافعوا عن البلاد، كأنهم يزكون ما ينهق به أعداء الوطن!

سبتة و مليلية مدينتان مغربيتان… مهد العلم والعلماء. سبتة السليبة انطلق منها الاحتفال بذكرى مولد سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم؛ فكتاب «الدر المنظم في مولد النبي المعظم» الذي ألفه أبو العباس العزفي كان بمثابة إنذار للمسلمين للسير على نهج المصطفى، حين لاحظ هذا العالم الفذ أن بعض المسلمين بدأوا يقتفون أثر المسيحيين في الاحتفال برأس السنة الميلادية وما يرافق ذلك من عادات تجانب تعاليم الدين الإسلامي…

سبتة المغربية أنجبت علماء أجلاء في ميادين شتى، ومنهم أبو العباس السبتي (دفين مراكش)، الشريف الإدريسي، والقاضي عياض… وارتبط بمليلية المجاهد الفقيه محمد بن عبد الكريم الخطابي، ويحيى بن مسعود بن فتحون المليلي المازوني.

أن تقع أراضٍ قارية في قارة أخرى أمر غير منطقي! أرض مستعمرة تنتظر وقتها لتحرر… هواء سبتة ومليلية مغربي، وأرضهما مغربية، وناسُهما فيهم عرق مغربي… سيرحل المستعمر عاجلًا أم آجلًا، وسيعض من يساند المحتل على أنامله… يا ناكر الجميل! أنسيت أنه بالقرب من مليلية السليبة كانت تُقام معسكرات للمجاهدين؟

ولو أننا سخرنا العتاد والمال والرجال في سبيل تحرير أراضينا لتأتى الأمر… لكن الشرفاء يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة… التاريخ لا ينسى وإن حاول البعض التغاضي، وكما يقال: «اتقِ شر من أحسنت إليه». الحاقد لا يؤذي إلا نفسه…

كلما حاول أعداء الداخل أو الخارج طمس المعالم، أشرقت الحقيقة من جديد: أن قوة المغرب في تلاحم أبنائه ووعيهم بتاريخهم الممتد. ستظل هذه الثغور السليبة تنادي بأصلها المغربي، وسيظل واجبنا أن نغرس هذا الانتماء في قلوب الأجيال صريحاً لا يداهن، ثابتاً لا يزول….

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة