في حراك “السترات الصفراء” شيء أكبر قليلا من الغضب الشعبي ومن التمرد على السياسات. يبدو ذلك بطريقة مشهدية في تصريحات الفرنسيين البسطاء وهم يقولون كلماتهم المنفعلة والمختلفة في حرارة المضمون وبناء اللغة عما تعودت عليه استوديوهات التلفزة وأعمدة الصحافة، حيث تخرج الجمل كقذائف عارية، بلا أدنى زخارف بلاغية، وبدون استعارات ولا شاعرية .
شيء أكبر من الغضب لأنه يذهب بلا مواربة إلى الرئيس، ليس كرمز مؤسساتي ومسؤول أول عن السياسات والبرامج، ولكن أساسا كشخص، حيث الانتقادات توجه إلى عجرفته أكثر مما توجه إلى قراراته، وحيث يتهم في جوانب من سلوكه بالقدر ذاته الذي يحاسب على أدائه العمومي.
الشيء الأكبر من الغضب ليس سوى الكراهية!. نعم عرف رؤساء فرنسيون سابقون أدنى عتبات انحدار مؤشرات الشعبية، لكن الأمر مختلف مع حالة ماكرون. إنه لا يواجه هبوطا حادا في معدلات التعاطف والشعبية، بل يواجه ما هو أكبر: مزاجا عاما يكاد يجعل كراهية الرئيس عقيدة مشتركة لهذا الحراك الاجتماعي غير المسبوق، تتفوق على ما دونها من قضايا القدرة الشرائية والعدالة الجبائية والإصلاح الاجتماعي .
الصحافة التقطت من قلب يوميات الحراك مفارقة محيرة، ذلك أن الحشود المحتجة لا تعترف داخل الهندسة المؤسساتية المعقدة للجمهورية الخامسة سوى بقاطن قصر الإليزيه كمخاطب وحيد وممكن، في الوقت ذاته الذي تضعه هو نفسه في فوهة بركان غضبها، وفي البؤرة المركزية لخطابها، الذي لا يحمل مجرد دفتر مطالب نقابية أو سياسية، بل يعلن في شعاراته ومفردات تواصله ونمط حضوره داخل الإعلام والوسائط الاجتماعية الجديدة عن انزياح واضح نحو استهداف ممنهج لشخص الرئيس، من خلال ما لا يحصى من الشتائم المباشرة والعنف اللفظي والازدراء المعلن والتعبيرات المشينة، التي تمتح من قاموس بعيد عن مشمولات النقاش السياسي حتى في أقصى حالات سجاليته وحدته.
جزء من المتابعات الإعلامية لهذا الحراك انتبه إلى التصاعد المثير للكراهية المناهضة لماكرون، والتي تعلن عن نفسها من خلال ما يعبر عنه حاملو السترات الصفراء من شحنات العاطفة السلبية والاستهجان والتذمر تجاه شخص الرئيس، وهو ما جعل العديد من البرامج التلفزية تخصص محاور لهذه الظاهرة، كما دفع أسبوعية مثل “ليكسبريس” إلى تخصيص غلافها الرئيسي لمحاولة تفكيك وتحليل وفهم خلفيات هذا الطلاق العاطفي والنفسي بين الرئيس وقطاعات واسعة من الرأي العام.
في قراءة العناصر المغذية لهذه الحالة، يورد المتتبعون قائمة من الفرضيات المفسرة، تتوزع بين الإحالة على تاريخ عميق وتراكم سابق عن العهدة الانتخابية الحالية، مليء بسوء الفهم وغياب الثقة واتساع القطيعة بين النخب والشعب، وبين التركيز على الطريقة التي تمثل بها ماكرون الوظيفة الرئاسية، مما جعله يبني بشكل إرادي ومفكر فيه حجابا جليديا بينه وبين الناس، ويحول فضاء الحكم إلى مكان منزوع من العاطفة، مما أسهم في غلق ممرات القرب الإنساني، التي ظلت تحمل تيارا من الانفعالات المتبادلة بين حكام الجمهورية وشعبها، سواء من خلال رؤساء احتفظوا بعفوية كرمهم الإنساني وهم يعبرون أقسى جغرافيات العزلة الحديدية التي تفرضها الجدران العالية للسلطة، أو من خلال من اختار فعلا أن يكون “رئيسا عاديا”.
في بيان الأسباب، يميل بعض المحللين كذلك إلى التفكير في موجة الكراهية المناهضة لماكرون، كأثر معكوس للعبة “الجمل القصيرة”، التي ظل الرئيس الشاب مفتونا بها كجزء من حضوره العمومي والتواصلي، والتي كثيرا ما كانت تقرأ في الأوساط الشعبية كتعبير عن الاستعلاء وغياب الإحساس بالهموم الصغيرة للبسطاء .
ما يبدو كراهية فاقعة بالملاحظة المباشرة التي لا تحتاج إلى عين خبيرة، قد يتحول في خطابات بعض السياسيين، من أقصى تيارات اليسار واليمين، إلى مواقف شعبية من الظاهرة “الماكرونية” وليس من ماكرون نفسه، بما تمثله هذه الظاهرة من تعال إيديولوجي ومقاربة مقاولاتية للحكم تجعل السلطة في خدمة الأقوياء والسياسات في خدمة الأثرياء .
لكن الواقع أن محاولات أدلجة موجات الكراهية المعلنة لا تبدو موفقة دائما، فالاختلافات بين التعبير عن الموقف السياسي المناهض لتجربة التدبير الحكومي، وبين حالة انتشار الكراهية المعممة في الأوساط الشعبية وداخل حراك الاحتجاجات، هي اختلافات فارقة من حيث الدرجة والطبيعة، بل في السجل أيضا .
يحيل التفكير في موقع الكراهية ضمن العملية السياسية إلى ما أسماه عالم السياسة المغربي عبد الحي المودن، في مناسبة ثقافية حديثة، سياسات المشاعر، حيث تظل العواطف والانفعالات والأحاسيس جزءا أساسيا من الفعل السياسي والتعبئة ورهانات السلطة واستراتيجيات التواصل، وحيث “المواطن العاطفي” يجاور دائما “المواطن العقلاني”.
استحضار أثر المشاعر في بناء العالم السياسي منذ زمن قديم لا يجب أن يحجب في الوقت نفسه تصاعدا ملحوظا، في سياقنا المعاصر، لخطابات الكراهية بأبعادها العنصرية والاجتماعية والجنسية والدينية والشوفينية، على النحو غير المسبوق الذي تصفه الصحافية والمفكرة الألمانية كارولين ايمكي بأنه عصر الافتخار بالإعلان عن كراهية الآخر، واستعراض القسوة والاستياء، حيث تحولت الكراهية إلى أمر طبيعي وشائع، ولم تعد محتاجة إلى أقنعة للاختباء وراءها. إن ما يخيف في مشاعر الكره ليس تحولها إلى عادة عمومية، بل ارتقاؤها إلى رتبة الرأي والعقيدة، يقول الفيلسوف التونسي فتحي المسكيني .
في حين سيطلق سراح الموقوفين بدون محاكمة مارطونية كما سيقف سركوزي امام القظاء لموت المحتجين صديقي شتان بين هذا وذاك
الكراهية بعد حرب هيتلر التبع العالم المتحظر سياسة كادت تقضي على العنصرية والكراهية الى تسلل العفريف من الزجاجة وقادته انفاس الفقهاء والسلفية والوهابية ك الظباب منتشرا في جميع بقاع المعمورة
لمذا يلام الغير اذا كنا نحن السبب حكامنا لا يريدون لنا العيش الكريم ااذا بكل ارادتنا نمنح الشرعية للانسان الصالح قتلنا ليعمر الارض ويرثها انه من حقه وهذا مذكور في القران
جميل أن تربط، أستاذي الكريم، نزوع الجماهير للكراهية كردة فعل على الأداء الرئاسي بتاريخانية هذا المعطى في السياق الفرنسي، لكني أرى من نظري المتواضع أن استفحال الاستعلاء السلطوي في شخصية ماكرون واستفزازه بشكل مستمر لتمثلات الشعب الفرنسي لما يجب أن يكون عليه الرئيس، كان كافيا ليحرك الشعب ذاته، رغم أن الإيمان راسخ لديه أن ماكرون لا يمثل سوى واجهة لبراديغم نيوليبرالي جديد أريد له أن يتغلغل في الأوساط الفرنسية ويهدد مفهوم دولة الرعاية. لاسيما وأن انتشار الفكر المؤامراتي ساهم بشكل كبير في إذكاء هذه الكراهية. ورغم كل هذا فالأسباب المثارة في هذه الهبّة الشعبية تبقى موضوعية بامتياز رغم أنها تناولت شخص الرئيس بامتياز، ولعل هذا من تبعات النظام الرئاسي الذي يجعل الشخص في فوهة المدفع وليس المنظومة ككل.
في الواقع الحركات الاحتجاجية الشعبية من خارج النسق السياسي التقليدي سابقة على ماكرون و قد بدات في اسبانيا مع بوديموس و انتقلت الى فرنسا مع حركة nuit debout و لكن تم وئدها في اسبانيا بتحويلها الى نقيضها اي تحويل الحركة اللاحزبية الى حزب و خفتت الحركة الفرنسية ايضا بسرعة بسبب ظهور حركة سياسية يقودها ماكرون تدعي هي ايضا انها من خارج النسق، و هدا ما يفسر حنق الشعب على ماكرون اكثر من غيره و دلك لانه علقت عليه امال اكبر من سابقيه ،فجائت حركات السترات الصفر كاستعادة لحراك ما قبل ماكرون و سيستمر حتى لو زال ماكرون و مع اي رئيس اخر و لو بصور مختلفة و اسماء اخرى و دلك لان المشكل هو النظام السياسي و اما تصوير الامر و كانه حركة احتجاجية ضد شخص ماكرون فخديعة اعلامية تروم ترويض الحراك و ابقائه داخل اطار النسق التقليدي الدي هو لب المشكل، تبقى في يد النظام اوراق يلعبها لتاجيل الفورة الحتمية و هي ورقة الامن كنا في عملية ستراسبورج او ورقة الهجرة سواء بالتخويف من المهاجرين او التخويف من الشعبويين معارضي الهجرة و كل دلك سيفشل امام الواقع الهش و المزري للمواطنين
الشعب الفرنسي استنفد جميع التيارات السياسية التقليدبة باستثناء اليمين المتطرف و استنفد جميع الوجوع السياسية الموجودة شيبا و شبابا حتى مارين لوبين التي لم تجرب من قبل مكروهة من شريحة كبيرة من الشعب و هي الى جانب ميلونشون اقرب الوجوه السياسية الى كرسي الرئاسة ، و اي منهما سيبلغ الحكم سيصلى هجوما اعنف من الدي يتعرض له ماكرون لانه اولا يستحيل ان يقدم اكثر مما قدمه ماكرون و تانيا لان المناخ العام اصبح لا يتقبل الممارسة السياسية بشكلها التقليدي اي حكم و معارضة من داخل النسق، الان هده الوجوه ستحاول التهويل و تحويل الانظار الى وجهة ما غير التي يريدها المحتجون كان تضهم لوبين من خطر الهجرة كاستغلالها مثلا لمؤتمر الهجرة الاممي بمراكش او يعمد ميلونشون الى التهويل من خطر الشعبوية و الامبريالية و الماسونية الخ الخ ، و كلا الورقتين قد تستطيعان تاجيل الحراك فقط و ليس التخلص منه بل ان ايا منهما سيفشل او ادا فشل كلاهما سيعمدان الى تاجيج الحراك و اعادة النقاش الى اصله و هو الفقر و الهشاشة و الفوارق الطبقية و تدهور الخدمات و القدرة الشرائية