سِرْفَانْتِس المغربي

سِرْفَانْتِس المغربي
الإثنين 2 يناير 2023 - 11:54

إذا كانت “السيرة الذاتية” نوعا أدبيا حديثا، له خلفياته الاجتماعية وتقاليده الفنية وتنويعاته الشكلية المختلفة (اعترافات، وتراجم، ورسائل، ويوميات…)؛ بحيث يتقصَّى حياة الكاتب منذ طفولته إلى اكتمال نضجه، مع الحديث عن مختلف المشاكل التي عاشها، والظروف التي عايشها، فإن “رواية السيرة الذاتية” نوع مركب من الرواية من ناحية، ومن العنصر السير-ذاتي من ناحية ثانية؛ لذلك فهي عمل فني متخيَّل ينهض على أحداث ووقائع من حياة صاحبه مهما كان مغمورا.

بَيْد أن هذا الاختلاف بين “السيرة الذاتية” و”رواية السيرة الذاتية” لا ينفي البتة التشابه البديهي بينهما؛ ذلك أنهما يستندان إلى تذكّر خاص لوقائع وشخوص من حياة الكاتب؛ لذلك فهما يقعان في منطقة تفصل بين الواقع والخيال.

في هذا الإطار يمكن إدراج مُؤَلَّف سرفانتس المغربي (مُعلِّم الصبيان)، التي وسمها صاحبها “عبد الرحمن أبوري” في صفحة الغلاف بـ “رواية سيرة ذاتية مبنية على أحداث واقعية”. وبالفعل، فالكاتب يحكي في هذا النص على مدار ستة فصول المسار المهني الشاق لـ “ياسين” – معلِّم مدارس ابتدائية – منذ تعيينه لأول مرة بعد تخرجه من مركز تكوين المعلمين بمدينة تيزنيت سنة 1996، وإلى حين حصوله على التقاعد لأسباب صحية، مرورا بكل ما عاشه، وعايشه، في عمله، وطبيعة علاقاته العاصفة بزملاء عمله ومُديريه، ومختلف الأحداث المؤسفة، في أغلبها، التي أثثت حياته وطبعتها بطابعها المرير.

فبعد أن أنهى البطل فترة تكوينه، وحصل على تعيينه، كانت أُولى صدماتِه محلُّ تعيينه؛ حيث أُرسل إلى منطقة نائية بعيدة عن المجال الحضري، تنعدم فيها أبسط ظروف العيش الكريم، ناهيك عن صعوبة ممارسته لعمله في ظل بيئة تعرف عدم إقبال كبير على التعلم والتحصيل الدراسي. وحتى بعد أن انتقل إلى مؤسسة تعليمية جديدة بظروف أحسن، واجه صعوبة في إيجاد وسائل المواصلات. ولم يسلم صاحبنا من الوقوع في مشاكل لا تُحصى مع مفتش التعليم (المراقب التربوي)، الذي كان يحمل العديد من الأفكار المسبقة عنه وعما يجري في مؤسسة العمل. وغير هذا من المشاكل الحياتية التي جعلت “ياسين” هدفا لها.

لقد كان “ياسين” بمثابة “سرفانتس” ثانٍ، ولكن على الطريقة المغربية الأمازيغية؛ فإذا كان “سرفانتس” الإسباني قد عُرِف بشلل يده اليسرى، ومعاناته – عندما كان مجندا في القوات البحرية الإسبانية – من الأَسْر لمدة خمس سنوات، فإن سيرفانتسنا المغربي عانى هو الآخر من أَسْر رمزي لمدة تزيد عن ربع قرنٍ عندما كان يُرسَل إلى أقاصي المغرب للعمل بعيدا عن كل مظاهر الحضارة والمدنية، كما أن يده لم تألف الكتابة والتأليف إلا بعد تقاعده من العمل؛ وكأنه تحرر بعد أسر، وتجددت حياته بعد توقف. بل إن “ياسين” بطل الرواية المدروسة لا يختلف كثيرا عن “دون كيخوتي دي لامانشا” صنيعة “سيرفانتس” الأشهر؛ فهو أيضا كانت له طواحينه الهوائية التي صرف حياته في محاربتها، لكن بدون جدوى؛ فلا هو ولا زملاؤه كانوا قادرين على تحسين أوضاع التعليم، أو الرقي بأوضاعهم الاجتماعية… وكأنهم كانوا في صراع هوائي لا مجال فيه البتة للانتصار.

وعلى العموم، تبقى هذه الرواية عملا متميزا يميط اللثام عن كثير من خبايا قطاع التعليم الابتدائي وما يعانيه، لاسيما في العالم القروي، ويقدم ضمنيا صورة للأوضاع التي يعيشها المشتغلون به؛ وكأنها صرخة في وجه الجمود، ودعوة إلى التغيير في أفق تحسين أوضاع التحصيل وتجويدها بما يتوافق ومقتضيات العصر.

يُذْكر أن الرواية صدرت عن مشروع لوتس للنشر الحر في مايو سنة 2022.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • عبد الرحمان أبوري
    الإثنين 2 يناير 2023 - 14:39

    أشكر جزيل الشكر الأستاذ الكريم سي نبيل على مقاله الرائع، المختصر حول الرواية، فبالفعل ، فإن الرواية قبل أن تكون سيرة ذاتية، فموضوعها تقريب القارئ العزيز، لما تعيشه الشغيلة التعليمية من أو ضاع مزرية خصوصا في التعليم الإبتدائي.
    تحياتي للجميع.
    أحبكم كلكم.

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 4

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 3

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 17

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل