ضوابط في نقاش "التربية" بين "الإسلامي" و"الديني"

ضوابط في نقاش "التربية" بين "الإسلامي" و"الديني"
الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 03:36

إن ما أَسَالَهُ التّنازعُ في وصف “التربية” بـ”الإسلامية” أو “الدينية” من مداد وما يزال، لم ينشغل به مِنْ قَبْلُ علماء الإسلام الذين كانوا يعتبرون بما تحمله الألفاظ من دلالات، لا بالألفاظ في حد ذاتها، فلا يَنشغلون باللفظ إلا من جهة ما يؤديه من معنى؛ مما جعل مسيرتهم في الإنتاج والإبداع المصطلحي مشهودا..

هذا ولم أجد لدى علمائنا مَن وَصَف التربية بـ”الإسلامية” لِما كانوا عليه من ثقة بالنفس وحصافة في الرأي ورزانة في التصرف؛ إذ ليس من السلوك القويم أن نصف كل تصرفاتنا في كل وقت وحين بـ”الإسلامية”.

وعليه أجدني مندفعا للإسهام حضاريا في نقاش التربية هذا بمجموعة ضوابط منهجية لا تخلو من معارف ينبغي تمثلها للخوض حضاريا في قضيتنا هاته، ومن هذه الضوابط ما يلي:

ينبغي استحضار أننا ننتمي لدولة بمختلف مؤسساتها المتكاملة فيما بينها، الضابطة لشتى التصورات والتصرفات، وهذا حتى لا يكون نقاشنا وكأننا نؤسس لجميع المنظومة موضوع النقاش بملاحظاتنا فقط. إذ يتحتم علينا تقوية مؤسساتنا إن أردنا حضورنا الحضاري الوازن في عالم اليوم؛ ولا يُقابَل العملُ المؤسّسي في العالم إلا بمثله؛ فلكلِّ فعلٍ ردُّ فعلٍ مساوٍ له في المقدار مُضادّ له في الاتّجاه.

ينبغي استحضار وجود إمارة المؤمنين التي كانت ثمرة تضافر جهود الشعب المغربي بعلمائه ونبغائه ومناضليه، وجهود ملوكه عبر التاريخ، حَمَتْ بيضة الإسلام لتحفظ هويتنا من مسخ الاستعمار لها، ومن مغالاة متعدد الفرق والنحل التي حاولت مرارا النيل من وحدتنا الإسلامية، وما تزال. والتي حَمَتْ تديّنَ كلِّ مَن تَعايَش ويتعايش معنا وبيننا من أهل الديانات الأخرى. هذه الإمارة التي باعتدالها عمّت ثمارُها العالمين. ولا ننس ما يحمله فيها لفظ “المؤمنين” من دلالات جامعة، فليس فيها لفظ “المسلمين”؛ ذلك أن كل من يؤمن ويعتقد اعتقادا في الله يدخل فيها، مسلما كان أو غيره، وهذا من تمام الوفاء بتدبير أمور أبناء وبنات الأمة. وحتى من يخاف على هويته الإسلامية يجد في لفظ “المؤمنين” مبتغاه؛ فالقاعدة اللغوية المسطرة بشأن لَفْظَي “الإسلام” و”الإيمان” من أنهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، تدل على هذا؛ إذ من شأن انفراد “الإسلام” بالذكر في أي سياق أن يندرج فيه مسمى “الإيمان”، ومن شأن انفراد “الإيمان” بالذكر أيضا أن يندرج فيه مسمى “الإسلام”. لكن إن اجتمع اللفظان في سياق واحد افترق معناهما ليدل “الإيمان” على ما في باطن الإنسان، و”الإسلام” على الجانب الظاهري..

ينبغي مراعاة سياق الأحداث والمتغيرات العالمية المؤثرة فينا إيجابا وسلبا، وعلى رأسها -في نقاشنا هذا- تصيّد المستعمر وأذنابه مختلف ذرائع التشويه والوقيعة لإكمال مخطط التقسيم وإنهاك القوى التي تُرجِمت عبر التاريخ في تقطيع أجزاء من تراب بلدنا. وما محاولات النيل من أقاليمنا الجنوبية الصحراوية إلا حلقة من حلقات المسلسل الماضية والآتية -لا قدر الله-، هذا المسلسل المتربص -منذ القدم- لإكمال حلقاته المتخصصة في الوقوف في وجه كل بلد تلاحَمَ أهله لتقوية مؤسّساته وتقدّم حضارته.

مراعاة سياقنا الداخلي فيما يزيد من توطيد علاقاتنا بالمتديّنين من غير المسلمين، ويزيد من اطمئنانهم على أننا لا نُكرِه أحدا على دين ما، بل نضمن له كامل حقوق المواطنة، كما عليه كامل واجباتها، مثل ما عليه وضع جميع المواطنين سواء بسواء.

مراعاة سياق اللفظالمصطلح وما الظروف التي اصطُلِح عليه فيها؛ فلا يخفى لدى عاقل ظروف الاستعمار واستماتته في إبقائه لتبعيتنا له التي تتأسس على التبعية الفكرية والثقافية بطبيعة الحال، ولعل الخوف من الذوبان فيه هو ما أنتج تسمية “التربية الإسلامية”.

ضبط التصور تجاه “العلمانية” التي يتمحور عليها كثير من النقاشات والتعليقات واتهام النوايا. فقد تعني العلمانية الإلحاد، وقد لا تعني الإلحاد بحصرها الإيمان في ضمير الفرد دون تنزيل أحكامه في شؤون الحياة، وإن جميع الأديان في العالم تعاني من هذا. على أن هناك من البلدان من حكّمت بمنهج العلمانية في حياتها مبادئ الإسلام وأحكامه، فالمسألة والحال هاته اعتبارية نسبية.

ثم إني لا أرى مسوغا للتركيز على “العلمانية” في مغرب “إمارة المؤمنين”، وكأن جذور الإسلام قد اجتُثّت أو قريبة الاجتثاث باستعمال “الديني” بدل “الإسلامي”، أو كأن الغيورين على دين الله لا وجود لهم في مملكتنا المغربية.

الحذر من السقوط في التعامل مع النصوص -مطلق النصوص- بمنهج التجزيئ وإقصاء النظر الشمولي المتوازن، ولهذا منهج دقيق يعلمه المتخصصون؛ فمثلا تقصيد نصوص الدستور للاستدلال على أنه مرجعية في التنصيص على وصف “الإسلامي” في كل وقت وحين، هو من التعسف وإهمال أن لفظ “الدين” يقصد به تارة الإسلام دين الغالبية العظمي من المغاربة، ويراد منه في سياق آخر مختلف الديانات الأخرى المتعايشة معنا منذ غابر السنين، فوجب الإنصاف.

*جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Ahmed52
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 13:54

    لن يكون الانسان متدينا الا بالعلم……….

    فالله لا يعبد بالجهل…….

    فهل استوفى المسلمون شروط التدين؟…….

    كم عدد الاميين بالعالم العربي المسلم………

    وهل يجوز ان يعبد الله بالجهل بعد مرور 14 قرنا على اول كلمة غي رسالة الاسلام "أقرا"؟……..

    اسئلة للتفكير لمن يهمهم الامر……

    وشكرا

  • Axel hyper good
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 14:18

    د ائما ما يتحدث الاسلام ءامويون عن " الضوابط" كمعطى مسلم به….

    قبل الالقاء جزافا بالكلام , لابد وان نعرف هذه الضوابط ونناقشها ونتفق عليها.

    اما ان تاتي بضوابطك وتجعلها على رقابنا كالسيف , فليس من النقاش الحضاري في شيء.

    المشكل يكمن في اما ان نتقدم او نبقى في مكاننا…

    وان كان الاسلام ءاميون يعملون جاهدين على ارجاعنا الى الماضي 1400 سنة…..

    كيف تريدون ان يتحكم فينا ابو هريرة والمغيرة بن شعبة والاعرج والاعمش وغيرهم …..ونحن نعيش في الالفية الثالثة?

    اما التقدم واما الاندثار.

  • خديجة وسام
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 16:46

    جاء المقال بما يلي : "ينبغي استحضار وجود إمارة المؤمنين التي …حَمَتْ بيضة الإسلام لتحفظ هويتنا من مسخ الاستعمار لها، ومن مغالاة متعدد الفرق والنحل التي حاولت مرارا النيل من وحدتنا الإسلامية، وما تزال. والتي حَمَتْ تديّنَ كلِّ مَن تَعايَش ويتعايش معنا وبيننا من أهل الديانات الأخرى".

    تعتبر هاته الجملة أن هويتنا لا تستقيم ولا تلتحم دون الإسلام ولا تعيير أي انتباه لما سبق الإسلام من معتقدات ولا لما يحلو للمغاربة أن يعتنقوا اليوم من قناعات غير دينية دون أن يفقدهم ذلك هويتهم أو أن يضعف هوية مواطنيهم المتشبعين حقا بالإسلام. إضافة إلى هذا لا تقدر هاته الجملة حق قدرها قيم التسامح التي جاءنا بها الإستعمار ويمدنا بها الغرب حيث لم يفرق ذلك "الإستعمار" ولا يفرق هذا الغرب بين المومن والكافر إلا بقدر احترامه للقانون الوضعي وليس للشريعة اليهودية أو الإسلامية أو المسيحية. من هذا يمكننا أن نستنج أن صدرنا ما زال ضيقا ولم يتسع بعد ليقر بحرية عدم الإيمان دون أن يفقدنا ذلك وطنيتنا وحبنا لخير المغاربة مهما اختلفت قناعاتهم وليس إيمانهم فحسب.

  • كاتب
    الثلاثاء 5 يوليوز 2016 - 19:37

    يمكن تغيير المقررات والمناهج لكن يستحيل تغيير عقلية المعلم ، التعليم العمومي في المغرب اصبح رهينة بين أيدي أشخاص لهم أفكار متحجرة قلوبهم مملوءة بالحقد والكراهية والبغض،

صوت وصورة
"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"
الإثنين 21 شتنبر 2026 - 00:30

"الأحرار" على جناح "الحمامة البيضاء"

صوت وصورة
لقجع وواقع الصحة بالمغرب
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:56 1

لقجع وواقع الصحة بالمغرب

صوت وصورة
شوكي: المواطن والمغرب العميق
الأحد 20 شتنبر 2026 - 23:09

شوكي: المواطن والمغرب العميق

صوت وصورة
بنعبد الله والتغطية الصحية
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:40 1

بنعبد الله والتغطية الصحية

صوت وصورة
أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:30 9

أخنوش يتعهد بتحسين الدعم الاجتماعي

صوت وصورة
المنصوري: سألجأ إلى القضاء
الأحد 20 شتنبر 2026 - 22:10 8

المنصوري: سألجأ إلى القضاء