الطفولة مرحلة أساسية من مراحل عمر الإنسان تباينت على مر التاريخ بشأنها التمثلات، واختلفت حولها المنظورات، وإذا ما نحن اكتفينا بالتعريف القانوني فهي مرحلة عمرية مبتدأها الولادة ومنتهاها بلوغ سن الرشد؛ وهذا ما نجده واردا في البند الأول من الاتفاقية العالمية لحقوق الطفل: “الطفل هو كل كائن يبلغ من عمره أقل من 18 سنة ما عدا إذا تم الرشد قبل ذلك حسب القانون الخاضع له”؛ على أن هذه المرحلة نفسها تنتظم في أطوار مترابطة، وكل طور يتميز بسمات تمس مختلف أبعاد الشخصية الإنسانية: الحسية الحركية، والعقلية، والانفعالية، والاجتماعية، وتعتبر هذه السمات مادة محورية في اشتغال علم نفس النمو، الذي يعنى أساسا بالدراسة العلمية الدقيقة لما يطرأ على الإنسان من تغيرات على المستويين الكمي والكيفي.
ولعل أهم سمة يتميز بها الإنسان في مرحلة الطفولة هي عدم النضج؛ ذلك أن الطفل، وهو يرتقي مدارج النمو مشرئبا إلى الرشد، يصاحبه القصور، ويظل متقيدا بالكبار، مرتبطا بوجودهم في حياته، محتاجا إلى من يأخذ بيده، ويقف إلى جانبه ليسنده عند عثرته، ويستجيب لمطالبه المتنامية جسدا، وعقلا، ووجدانا، وعلاقة بالمحيط الآخذ في الاتساع والتعقيد حتى ينمو نموا منسجما تتوفر له أسباب السلامة والتوازن.
ما من شك أن الطفل كائن هش، سريع الانكسار، وأن الهشاشة مشترك إنساني بين الأطفال بصرف النظر عن البيئة التي ينشؤون في أحضانها، غير أن ثمة عوامل كثيرة قد تتدخل لمضاعفة هذه الهشاشة وتعميق آثارها، تاركة بصمات واضحة المعالم في مراحل حياته المقبلة، ويأتي على رأس هذه العوامل العامل الاقتصادي؛ إذ شتان بين طفل ينشأ في أسرة ميسورة أو حتى متوسطة الحال، متنعما بطفولته، محاطا بالقدر المقدور من العناية، وبين طفل كتب له أن يتجرع مرارة البؤس والحرمان، طفل يكبر لكن دون أن يعيش فعلا حياته، يكبر لكن دون أن يستمتع بتطوره.
إن أوضاع طفولة العوز في بلادنا، باعتبارها من البلدان النامية، أوضاع مزرية، إنه لمن المؤلم حقا أن نشاهد مشاهدة عيان في شوارع مدننا أطفالا يستجدون المارة أو يستجدى بهم، وأطفالا يبيعون عند إشارات المرور ومفترقات الطرق المناديل الورقية والورود البلاستيكية، وأطفالا يحملون الأثقال أو يدفعون النقالات في الأسواق الدورية، وأطفالا يزاولون الأعمال الشاقة في ورشات الأعمال اليدوية، وأطفالا مشردين يبيتون في العراء عرضة لهجمات القر والحر والجوع ونيوب ذئاب البشر، وأطفالا يركبون أهوال البحر، أو يلاحقون الشاحنات الكبرى حالمين بفرصة شبه مستحيلة للوصول إلى الضفة الأخرى حيث يحظى الأطفال بموفور الرعاية، والأشنع من ذلك كله أن نقرأ ونسمع عن حالات اعتداء تستبيح جسومهم، وتنتهك براءتهم؛ وذروة الشناعة أن يصل الأمر إلى قتلهم والتمثيل بجثثهم.
ومما ينبغي التنبيه إليه هو أن مظاهر الحرمان من الرعاية الشاملة والحماية الآمنة التي تعاني منها طفولة العوز في مجتمعنا هي بمثابة قنابل موقوتة قابلة للاشتعال في كل حين، وهي مظاهر متنامية باتت مألوفة تدق أجراس الأخطار التي تحدق بالأطفال، رجال الغد، وبناة المستقبل، وثروة الأمة، وما إلى ذلك من التوصيفات التي تتردد في خطابات المنشغلين بالطفولة؛ الأمر الذي يستوجب اليقظة الواعية، والعمل المشترك الفوري الذي لا يقبل التأجيل من أجل ضمان نمو سليم وعيش كريم لهؤلاء الأطفال الذين كتب لهم الانحدار من أسر يعشش فيها الفقر وتنخرها الهشاشة.
إن خدمة الطفولة عامة، وطفولة العوز والهشاشة المضاعفة بخاصة، فرض ديني، وواجب وطني، والتزام إنساني، وينبغي أن تكون هذه الخدمة محط إجماع القلوب والعقول، وتكاثف الجهود، لا تتسلل إليها، بأي حال من الأحوال، الحسابات السياسية الضيقة؛ ولن يتأتى ذلك طبعا بالبرامج الجزئية الخجولة محدودة التأثير؛ وإنما باعتماد استراتيجية تنموية يكون الطفل فيها في قلب الاهتمام، وتحصين حقوقه بمنتهى الصرامة؛ لأن الطفل قلب نابض، وأمل متوهج، والعناية بمختلف حاجياته ومطالبه عناية بالحياة الكريمة، وتطلع إلى المستقبل الزاهر.
وفي الأخير، يحق لنا أن نسائل ونتساءل، نسائل الحكومات المتعاقبة على ما اقترفته سياساتها غير العمومية من إهمال وتقصير في حق هؤلاء المواطنين الصغار، الذين سيصيرون بقوة النمو كبارا، ونتساءل عن الحظ الذي ستناله قضاياهم من شواغل اللجنة التي التأم أعضاؤها ذوو الكفاءات وأصحاب الخبرات في مختلف التخصصات لإعداد النموذج التنموي.
بوركت أستاذي مقال غاية في الروعة والأروع من ذلك الأسلوب الأدبي البراق تفننت وأبدعت سلمت أناملك علاوة على انه كان شاملا ومانعا لكل ما يلقاه الشباب عامة والأطفال خاصة من مصاعب ومشاكل شتى…
أكاد أجزم بأنه بعيد الإستقلال ببعض سنوات؛ولربما إلى حدود بداية ثمانينيات القرن الماضي كانت الطفولة المغربية شعبية بامتياز؛لا أتكلم عن شبيبة الإشتراكيين في شخص طفولتها الشعبية؛لكن عن الطفل المغربي عموما الذي كان يحتك بكل الطبقات المكونة للمجتمع فيتبادلون اللعب بأخوة وصداقة بدون حقد طبقي أو حسد اجتماعي ؛زملاء أحبة في السكن"المجاورة"،في المسيد،في المدرسة،في دور الشباب،في الملاعب الرياضية،في الخرجات ورحلات الاصطياف…إلخ؛وفي كل ساعة وحين؛اللهم بعض الأطفال وهم قلة الذين لا يسمح لهم آباؤهم بمرافقتنا لسبب من الأسباب؛وهم بذلك لهم الحق الكامل في كيفية تربية أكبادهم- الوقت صعيب-؛طفولة تلك السنوات هي طفولة التماسك الاجتماعي والتلاحم بين أفراد المجتمع المغربي والتكافل بين كل الطبقات الاجتماعية التي تفضي إلى التضامن في كل المجالات والتمسك بالهوية الوطنية؛والدود على مصالح الأمة الإسلامية كافة أجمعين؛وبالمناسبة نحن أولاد سيدي بوجيدة بفاس نفتخر ولله الحمد بعودة صداقة الطفولة من جديد؛كثير من الأصدقاء غابوا عنا كثيرا ظهروا مؤخرا وبقوة صدق صداقة الطفولة لنلتقي مع بعضنا البعض؛ غنينا بفقيرنا بمحبة الرجال.
سّي الحسن العبد أكيد أنك من جيلي وما ورد في تعليقك صواب .. طفولتنا فعلاً لم تشوهها التمايزات الطبقية إذ لم تكن الفوارق بهذا الشكل الفاحش التي هي عليه اليوم كان الفضاء السمعي البصري ضيقاً محدوداً ولم تكن هناك عولمة ولا إنترنيت فلم نكن نرى ما لانملك فنشتهيه ثم نكتئب نتيجة الحرمان أو نجلد أبناءنا بطلباتنا أو نسلك دروب السوء لإشباع نهمنا الاستهلاكي .. على المستوى التعليمي درسنا في الثانوية بجانب أبناء الطبقات الميسورة بمعايير ذلك الزمن والقدامى الذين درسوا في ثانوية مولاي يوسف بالرباط شهود على ذلك .. وضعية بعض أغنياء ذلك العهد يمكن اعتبارها وضعية أفراد من الطبقة المتوسطة بمقاييس اليوم اذ كان الميسور في حيّنا هو ذلك الحاج الذي يملك حمّاماً وفرناً وسيارة سيمكا آروند وبضع منازل لا يتعدى ثمن إيجارها خمسون درهماً .. قليلون كانوا شديدو الثراء وأغلبهم يدور في فلك البلاط والمقربين منه أو بقايا من معمّرين ويهود وهولاء كانت لهم عوالمهم الخاصة لا تراهم ولا يستفزك ثراؤهم … والواقع انه لم يكن هناك خوف وهلع من الحاضر والمستقبل كما اليوم حتى تنطلق حمّى السباق نحو التسلق بما يتطلبه الأمر من تحول الانسان الى وحش جائع هدفه التملّك وتكديس المال ولو بأكثر الطرق خسّة ….