طه عبد الرحمن.. فيلسوف التواصل الشَّهادي

طه عبد الرحمن.. فيلسوف التواصل الشَّهادي
الإثنين 29 أبريل 2013 - 15:51

من المفاهيم التي أثلها الفيلسوف طه عبد الرحمن في كتابه المتفرد :” روح الدين من ضيق العَلمانية إلى سَعة الائتمانية”، مفهوم الشهادة، و كل ما اشتق من مادة ) ش،هـ، د)، ومن الاشتقاقات الواردة في كتابه:” الشهود، الشهادة، التشهيد، الشاهدية، شاهد، مشاهدة، شهيد، تشهد، الشهادتان، الشاهد، شهود، الشاهدين، أشهدك ما شاهدت، شهودك من إشهاده، إشهاد، المشهد، المستشهد.. “، و يسري هذا المفهوم في كتابه، سريان الدم في العروق، هو مفهوم أصل، تتوزع تحته الكثير من الفروع، مشكِّلة منظومة مفهومية متميزة.

على هذا الأساس، ابتكر طه نظرية اصطلح عليها “التواصل الشَّهادي”، جاء ذلك نقدا لنظرية الفيسوف الألماني يورغان هابرماس في “التواصل الاستدلالي” ..

ببساطة، نظرية ” التواصل الشَّهادي” تستند على رؤية عميقة، و فهم دقيق ” للإنسان”، فهو يوجد في عالم الشهادة، و ينْوجِد في عالم الغيب، فهو ظاهرة مركبة، لا تستسلم لمنطق الأحاديات، ثم إن كينونته الإنسانية، تتجاذبها نزوات ” النفس” و أشواق ” الروح “، فطه يميز تمييزا بديعا بين معنيي النفس و الروح، فكل آفة شريرة مبعثها من الأولى، و كل آفة خيرة مبعثها من الثانية، فيعيش الإنسان بين كِفتين، في كل مرة؛ إحداها راجحة أو مرجوحة..

استثمر طه هذا التصور في مناقشته لمسألة التواصل و الحوار بين الناس في ” الفضاء العمومي”، فلم يكتف بنظرية التواصل الاستدلالي العقلاني، الذي حدد قيمه و شروطه هابرماس، بل زاد على ذلك، بعبقرية مذهلة في التدقيق و الاستنتاج، حيث ذهب إلى أن المُحاور الذي يتوسل بآليات الاستدلال مثلا، في حالة ما إذا كان استدلاله خاطئا، نقول إن هذا المُستدل أخل بموجبات العقل، و انتهى الموضوع !، لكن بالنسبة للمُحاور الذي يريد التخلق بقيمة الشهادة، في حالة ما إذا كانت شهادته خاطئة، لا نقول إن شهادته باطلة، و ختمنا الحوار، بل نتصوره أنه أوقع نفسه في فضيحة أخلاقية مزلزلة، و أول وصف نرمي به في وجهه، إنك كذاب، و تسقط عدالته !..

واضح أن طه يتقصد الوصول إلى عمق أزمة التواصل بين الناس، فليس الإشكال، هو الإخلال بمقتضايات الاستدلال المنطقي، بل الإشكال الأكبر يتعلق بطبيعة ” النفس البشرية” ، التي تميل مع أهواء التعصب و الكذب و الحقد و الكراهية، هذه النفس إذا ما تخلقت بقيمة ” الشهادة” باعتبارها الإخبار عن معلوم مشهود بصدقه، و إشهاد الناس على أن يبلغوه صادقا كما هو، إذا تحققت بجوهر هذه القيمة، ستتعامل مع التواصل بروح وثقافة أخرى..

يبين طه أن الشاهِد في محاوراته، تكون صلته بأدلته، صلة الإيمان الوجداني، بل قد يصل إلى درجة الاعتقاد بما سيخبر به، عكس المستدِل في محاوراته، أفقه هو الاقتناع بما سيخبر به دون أن تربطه به علاقة وجدانية ملتهبة، ولذلك يقول طه:” فالشاهِد يكون أحرص على صدق شهادته، من حرص المستدل على صحة دليله، لأن في ذهاب صدقها، إتلاف وجدانه، فضلا عن ذهاب عدالته، في حين أن ذهاب صحة الدليل لا يذهب بعدالة المستدِل، فضلا عن أن يتلف وجدانه”.

إن طه عبد الرحمن؛ نعم يحلق في سماء الفلسفة الممزوجة بتسابيح الروح، لكنه لا يعزل نفسه في برج سماوي، بل ينظر من سمائه إلى واقع أزمات الإنسان المعاصر أكان مسلما أم غير ذلك، و أخطر الأزمات، أن سكان العالم كسروا طول المسافات، متحدثين بابتهاج عن ” القرية الصغيرة”، فتحقق لهم الاتصال، و تدفقت الأخبار و المعلومات و المعارف، لكنهم عاجزون عن إطفاء صوت المدافع و البنادق، عاجزون عن التعايش و التوافق في ظل الأمن و الأمان، عاجزون عن احترام الرأي المخالف و مناقشته بأسلوب حضاري..

أمام نظرية طه، نكتشف أن الإنسان المعاصر في تواصله، تخلى عن آليات الاستدلال المنطقي، و تخلى عن قيمة الشهادة، يا للهول !، الشيء الذي يدفع إلى طرح السؤال: هل أصبح الإنسان ذئبا ضاريا يعيش في غابة الغلبة المخادع؟

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • man
    الثلاثاء 30 أبريل 2013 - 00:03

    شكرا للاستاذ بوكرين على هذا المقال الشيق , حقيقة ان نظرية التواصل الاشهادي التي ابدعها الفيلسوف طه عبد الرحمان ,تحتاج الى المزيد من التحليل لقد لامسنا عن قرب هذه النظرية في هذا المقال المفيد لكن فهم هذه النظرية ضمن واقعنا السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي يحتاج الى اجرءتها العملية ,فالسؤال المطروح في اخر المقال يكشف عن عمق مشكل التواصل في واقعنا خاصة الواقع السياسي والاقتصادي ,فزعماؤنا السياسيون , خاصة في حكومتنا, أصبحوا ذئابا تستبيح كل شيئ في مغربا , فبكذبهم ونفاقهم اصبحنا لانتق باي شيئ اسمه السياسة والحزب والنقابة والبرلمان والحكومة والانتخابات…. لانها وللاسف اشكال النفاق الشامل في مغرب الذئاب والمستئذبين ……. الذين فرضوا واقعهم على النعاج والخرفان المغلوبة على أمرها .

  • فيلسوف تلميذ عقله
    الثلاثاء 30 أبريل 2013 - 01:12

    فكرة خاطئة :
    – ليس هناك ضابط لدرجة الحرص عند الشاهد والمستدل .
    – الشاهد إن أحس بمسؤولية ما يشهد عليه، ووضع نفسه مكان المشهود له أصبح ذلك دليلا، لأن المشهود له في(قضية ما) يرى قول الشاهد دليلا وكذلك القاضي، لذا في أحسن الأحوال يرى المستشهد نفسه في نفسه شاهدا، وصاحب القضية والحاكم يراه دليلا، وهذا كلام يهدم قول الفيلسوف طه عبد الرحمن.
    – أما مايخص كون الإيمان الوجداني حاصل عند المستشهد وغير مرتبط بالمستدل :فعند المستدل القوي درجة يقين يمكن أن تفوق درجة المستشهد، ودرجة اليقين هذه(الثقة بالنفس) تفوق عند البعض درجة الإيمان بل تصبح هي الإيمان نفسه.
    – خوف المستشهد على ضياع عدالته، يعادل أو يقل درجة من خوف المستدل على ضياع مكانته، فدافع المكانة عند من لهم أسماء ممكن أن تفوق دافع صون العدالة عند الشاهد.
    -الهادم: هو المال، يغري الشاهد عن شهادته والمستدل عن استدلاله.

  • احمد ربا ص
    الثلاثاء 30 أبريل 2013 - 03:31

    يبدولي انك بقدرماتدافع عن فيلسوفك الاثير بقدرما تجني على الفيلسوف الالماني عن طريق اختزال مساهماته المتراكمة في مجال التواصل في مجردكلمتين معزولتين عن سياق حضاري شاسع بشكل رهيب بحيت يصح,دون ادنى شك,ان هابرماس يستوعب صاحبناويتجاوزه.كيف ذلك?هذاما ساحاول تبيانه في السطورالتالية.اولا,قضية الفقر الروحي في الحضارة الغربيةالراهنة ليست وليدة اليوم في فكرنا العربي المعاصر;بل نجد ان عالم الاجتماع سبنسر يقر بها في محاورة جمعته بالامام م.عبده.ثانيا,يذهب الاستاذم.الاشهب,الباحث في الفلسفة المعاصرة,في دراسته حول علاقة ي.هابرماس براهن الفلسفة في الفضاءالعمومي المنشورة في العدد3(ربيع2007)من مجلة"رهانات",(يذهب)الى ان مفهوم الفضاء العمومي(espace public)يعد من المفاهيم الملازمةللعقلانية التواصلية.وهوالمفهوم الذي انشغل به هابرماس طيلةكتاباته الفلسفيةمنذ بدايةالستينيات,الى حدانه خصص له عملا مستقلابذاته; هوفي الاصل عمل لنيل التاهيل.للاشارة,فهذاالمؤلف صادرسنة1993عن دارالنشر(Payot)مترجماالى الفرنسية من لدنMarc B.Launy.في سياق التمهيد لدراسته تلك,يشير الاستاذ الباحث الى ان تناوله لثنائيةالفلسفةوالفضاءالعام-يتبع

  • احمد ربا ص
    الثلاثاء 30 أبريل 2013 - 04:26

    يحيل الىثنائيةالنظريةوالممارسةاي التاثيرالذي يمكن ان تقوم به الفلسفة في الفضاء العمومي.وهابرماس بطرحه لهذه العلاقة في كتاباته الفلسفية,يريدان يبين ان الفلسفة مطالبةبان تلعب ادوارامخالفةللادوارالتي لعبتهافي المجتمع اليوناني القديم والمجتمع المسيحي في العصورالوسطىوفي العصرالحديث.مباشرة بعد هذاالتقديم,يشرع الاشهب في بسط تفاصيل اطروحتهحيث يشيرالى توقف هابرماس في مقاله"حدودالفلسفة"عند دورالفلسفةفي اليونان من خلال نموذجي افلاطون وارسطوالذين يعطيان اهمية كبيرة للعقل النظري في تحديدالممارسة سواءعندالاول في تصوره للخلاص اوعند الثاني في تصوره لحياة سعيدة.وفي العصرالهلنتسي,شكل الحكيم المنذورللتامل استمرارالافلاطون لانه يمثل الطريق الى الخلاص.وفي العصورالوسطى,اتحدت الفلسفةمع المسيحية فاصبحت جهازاعلميا في خدمة اللاهوت,مما جعلهاتفقد كل استقلاليتها.بالطبع,يعيدنا طه ع.الرحمن الى اجواء قرون الظلمات بسعيه الدؤوب لجعل الفلسفة في خدمة دين سماوي ظهربعد المسيحية الاوهوالاسلام.هكذايتضح ان الفيلسوف الالماني يستوعب ويتجاوزفيلسوفك المغربي

  • yacine sidiyou
    الثلاثاء 30 أبريل 2013 - 04:52

    ادام الله الحكم التي يهديها لنا الفيلسوف طه عبد الرحمن

صوت وصورة
احتجاج سائقي طاكسيات الرباط
الأحد 8 نونبر 2026 - 16:22 4

احتجاج سائقي طاكسيات الرباط

صوت وصورة
حقوقيون يحتجون في تيفلت
الأحد 8 نونبر 2026 - 14:35 1

حقوقيون يحتجون في تيفلت

صوت وصورة
المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ
السبت 7 نونبر 2026 - 21:10 2

المغرب يروج للقنب الهندي ببراغ

صوت وصورة
انطلاقة الموسم الفلاحي
السبت 7 نونبر 2026 - 19:36 1

انطلاقة الموسم الفلاحي

صوت وصورة
ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء
السبت 7 نونبر 2026 - 18:18 16

ارتفاع أسعار السمك يثير الاستياء

صوت وصورة
إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل
السبت 7 نونبر 2026 - 16:38 24

إغلاق محلات أكادير في منتصف الليل