عبد الرحمن: مقاومة غزة "أعظم منا"

عبد الرحمن: مقاومة غزة "أعظم منا"
صورة: صفحة طه عبد الرحمن
الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 02:41

جدّد الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن الثناء على “المقاومة” في غزة الفلسطينية، قائلا في محطة من أحدث تدخلاته إن “ما يحدث في غزة فساد في الأرض لم يسبق له مثيل”، وفي محطة أخرى ذكر أن “إخواننا وأحباءنا في غزة أعظم عملا منا، وأعظم قدرة على التفكّر منا”، مردفا أن “الأمّة” اليوم أكثر “عملا أعظم منها فكرا”؛ فـ”ما وصلنا له بالعمل لم نصل له أبدا بالفكر”.

جاء هذا في تدخل من إسطنبول التركية في “ديوان الشرق”، شدّد فيه الأكاديمي المتخصص في المنطق وفلسفة اللغة والأخلاق على أن “الحُر ثم الحر، هو الذي في النفق؛ لأن فكره تحرر، وعمله متحرر، بينما نحن مقيّدون عملا، ومعتقلون عقلا، والعقل في هؤلاء، وعدّوني منهم، اعتقال وليس تحريرا”، في سياق حديثه عن “المقاومين في غزة” فـ”المَشاهد التي تقدّم إلينا، مراسم تدلّ على التفكر البعيد لهؤلاء، وما وصلوا إليه من رقة العقل، وعمق الوجدان، والصلة بالإشهاد، والأمانة، بل الصلة بالمستأمِن والمُشهد سبحانه وتعالى. وهذا هو الفكر الحقيقي، الذي ينقد الأمة وينقد الإنسانية، وينقد العالم، لكن خلوّنا نحن خارج الأنفاق، نعتبر أنفسنا أحرارا. بل الحرّ ثمّ الحرّ هو الذي في النفق”.

تجدر الإشارة إلى أن صاحب “ثغور المرابطة” سبق أن قال: “العالم الآن كله غزة، لأن حاجته إلى التفكر لا تقل عن حاجتها إليه؛ فالشر المطلق يحاصر العالم، ويعتقله كما اعتقلت غزة، لكن باعتقال خفي لا اعتقال ظاهر، والدليل هو أن الإرادات في الزعامات عطلت (…) ولم تعد تثيرها المفاسد الوحشية، وجمدت العقول في مثقفي العالم وعلمائه ومفكريه، فلم تعد تستفزها إبادته الجذرية. والحاكم ليس الظاهر بل الخفي، واعتقالنا ظاهر وليس باطنا، وقوة الغزاويين أن ظاهرهم معتقل وباطنهم غير معتقل”.

وفي أحدث تدخلاته، ذكر طه أنه قد حاول “فيما يتعلق بأحداث غزة حفظها الله، وهي محاولة ابتدائية، وجاء كلامي الفلسفي فيها عرضا، أي لم أخصص لها تنظيرا طويلا في الموضوع. لكن يبقى أني حاولت وضع مفاهيم جديدة، ينبغي أن نستنبطها من المقاومة لنجعلها أدوات فكرية نحلل بها قضايانا فكريا، مثل مفهوم “الثغر” الذي معناه ليس فقط المكان الذي يلزمه المرابط دفعا لعدو محتمل، ولكن في التفكير أيضا نحتاج ثغورا لمواجهة أفكار العدو، وعلينا أن ننتصب في ثغور مختلفة، كل منا على إمكاناته في ثغر معين، يبذل كل ما يمكن من قدراته وإبداعاته في الخروج بفكر يرتقي بالأمة إلى المستوى العملي الذي وصلت إليه”.

ومن بين ما تحدث عنه طه عبد الرحمان، انشغاله في جزء مهم من حياته بـ”إشكال جمود عقل المسلمين”؛ مردفا: “كان همي كيف الخروج من التقليد إلى الإبداع، فغادرت بلدي، وتعاطيت الدرس العلمي، ودرستُ اللسانيات حتى صرت أستاذا فيها”، إلى أن قال: “التقليد تقليدان، تقليد المتقدمين وتقليد المُحدثين، فالمحدثون على تقدمهم مقلّدة، والمتقدمون على ما أعطوه أيضا من معارف أصبحوا محل تقليد”.

وقدّر طه أن “الذي حجب كليا الوصول إلى الإبداع (…) الحداثيون الذين يقولون بإنكار التراث، ولا أعني أولئك الذين يقولون نريد تراثا نحتفظ فيه بالمفيد ويتركون اللامفيد فهؤلاء على الأقل قدروا جوانب من التراث وإن لم يأتوا بالإبداع”، فكان عليه بالتالي في سياق الردّ وتقديم البديل “التمكن من كل الوسائل التي يدعون استخدامها لتقويم التراث، والتمكن من وسائل أقوى، ومن الأصول والأسباب التي جعلت الآخرين يصلون لهذه الوسائل (…) فكان يسهل عليّ (بعد ذلك) تبديل الوسائل بوسائل أخرى، بدل أن أستعمل الأسباب الثقافية والتقنية للآخرين”.

ومن بين الأسماء التي جاءت على لسان طه عبد الرحمن في اللقاء، الفيلسوف المغربي محمد عزيز الحبابي، الذي تحدث عنه بالقول: “الفيلسوف محمد عزيز الحبابي أستاذي، وهو إن لم يكن مبدعا على المبدأ الذي قلت، إلا أنه فيلسوف، ومما حفظت عنه حكمة قالها: أنا لا أفكر برأسي بل أفكر برجلي. فقلتُ له: إنك مشّائيٌّ. والمشّائيّون أرسطيّون يسيرون في الأرض ليستعينوا بذلك على التفكّر؛ وفي المشي معنى من معاني السلوك، المعينة على التفكر، وإذا خلا الإنسان عن التفكير يمكنه الاستعانة (عليه) بالمشي”.

وتكرّر في التدخل الجديد لطه، حديث عن أن “الفلسفة بقيت على النقل، فجمد الفكر الفلسفي اللهم إلا من بعض التقليعات أو الموضات الفكرية من بنيوية وتفكيكية وماركسية… يعرفون (مقلّدتها) بداياتها وعناصرها الأولى، ويفاخر بعضهم بعضا أنه جمع علم الأولين والآخرين وهو في جهل لا جهل بعده”.

كما أورد أن “كثيرا من أحكام الشريعة مطبّق، لكن القيم التي تحتها ليست محقّقة، مما أدى إلى أن الفقهاء أصبحوا يكتفون باستخراج الأحكام، وإفتاء الفتاوى بدون أن يرجعوا إلى القيم التي من وراء الأحكام، فأصبح الإنسان يتعبد آليا ولا يتعبد قيميا”.

صاحب “الحق العربي في الاختلاف الفلسفي”، و”الحق الإسلامي في الاختلاف الفكري”، سجّل في تدخّله أنه يخرج بـ”دعاوى وقضايا لا يعتبرها قطعية وملزمة للآخرين”، ليسترسل قائلا: “لكن، أقولها بيقين، لإيقاني بصحتها من حيث إمكاناتي المعرفية، ومن حيث الأدلة التي بين يدي. ولكن، هذا لا يعني أنه إذا جاءني أحد وقال لي لا قيمة لفلسفتك الائتمانية، أو أنه لا يسلّم بأن أجعل من الثغر مفهوما فكريا… أقول له فليكن، قدّم لنا البديل، وكل ما أطلب ألا تنقد بغير أن تقدّم البديل، واليوم نحن محتاجون إلى بديل، وكل من يتكلّم ولا يقيم بديلا كلامه غير مقبول، وإلا لن نبدع أبدا”.

وشدّد طه عبد الرحمن في ختام كلمته مخاطبا جمهوره: “عليك تحديد ثغرك للعمل من أجل الأمة، بكل الوسائل التي تجعل عقلك يتسع لأقصى قدر ممكن من المعرفة” حول تخصّصك. لينتهي إلى أن “المهم أن أبدع، والإبداع هو الإتيان بالبديل، بشيء غير مسبوق، ولتأتوا بشيء غير مسبوق مكان ما أقول”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • SAMIR
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 05:48

    المقاومه في فلسطين عامه تحتاج فقط ومنذ البداية إلى أن يرفع عنها الحصار المضروب عليها من قبل الدول العربية المحيطه لكي يصل اليها الدعم الخارجي من دول صديقه عبر العالم . السلاح .العتاد الحربي بكل انواعه. المؤن اللازمه الخ…. . كما هو الحال بالنسبه للعصابات الصهيونية الإرهابية.
    من العرب لا تحتاج اي شيء آخر. فهم في الأصل سبب كل مصائب فلسطين. أصدقائها عبر العالم يكفيها.

  • محمد الشرفي
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 06:26

    عندما ينطق أصحاب الفكر و أذكياء العقل فإنهم يصيبون كبد الحقيقة بشكل مباشر بعيدا عن ترهات الاعلام الصهيوني . شكرا هسبريس على هذا الموضوع ، و لا تحرمونا من أقوال هذا المفكر العظيم في مختلف المجالات ، فهو رجل لا يلقى ما يستحق في بلده .

  • تازة قبل غزة
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 09:37

    تازة قبل غزة لبغا غزة يمشي ليها راه بلافيزا عاشت الإمبراطورية المغربية وعاش الملك محمد السادس ولاعاش من خانها وحاول زلزلة استقرارها ولاعزاء للاعداء والخونة في الداخل والخارج نحن واقفون بالمرصاد لكل الأعداء والخونة وكل من تطاول على الملك والملكية والمملكة المغربية الشريفة ووحدتها الترابية والحكم الذاتي بالصحراء المغربية اولويتنا صحراؤنا المغربية الباقي لا يهمنا بقدر ماتهمنا قضايانا الوطنية المغربية تازة قبل غزة

  • Nour
    الثلاثاء 3 يونيو 2025 - 10:54

    هناك بلاشك قيم فكرية تنبعث من ثنايا المجهود الفلسفي لهذا الفيلسوف..اجمل ما ابهرني هو أن السلوك عند المسلمين لم يعد قيميا بقدر ما أضحى آليا جافا صامتا بليدا باهتاً منعدم الحركة والنشاط فقراءة المشهد بهذه الصورة تعد في حد ذاتها طفرة نوعية تسمح بإعادة خلخلة البنية المجتمعية من أجل فسح المجال لتصحيح البناء وتجاوز الأخطاء وانقاد المسار وفتح باب الوعي بالمسؤولية وإدراك مصيرنا الوجودي..

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 18

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب