عد لنا يا زمان الوصل

عد لنا يا زمان الوصل
الأحد 13 فبراير 2022 - 14:20

معا إلى الأبد… لن يفرقنا إلا الموت”.. ”

كلمات ليست كالكلمات… كلمات لطالما غازل بهاء معناها مشاعرنا وداعب وجداننا على الوفاء به تعاهد الأحباء وتعاقد الأخلاء، لكن هذا التعبير الناهل من ينابيع الحب الصافية والمتشرب بقيمة الإخلاص، خف اليوم تردده في صدى الحياة في زمن سائل ضعفت فيه صلابة الروابط المجتمعية التي أصبحت في المجمل هشة ومبنية على النفعية والمصلحة.

الحب بمفهومه الشامل هو إكسير العلاقات الإنسانية، سواء منها العلاقات الأسرية، الوظيفية أو الشخصية، هو الذي يمنعها من الانغلاق والتصادم بفضل جذور شجرته العميقة والصلبة.

فدائما كانت قيمة الحب مرتبطة بالاجتماع البشري… نتواجد مع الآخر ونتواجد من أجل الآخر… كانت المحبة تتسع داخل ذواتنا.. تتمدد خارجها ليرتشف رحيقها الآخرون. نشاركهم بهجة سعدهم وآهات حزنهم، لكن الهشاشة التي تتسم بها العلاقات الإنسانية اليوم، بما فيها رابطة القرابة، تكاد تحول المجتمع إلى مجرد تجمع بشري تجمعه جغرافية المكان، يتوهج فيه القرب الافتراضي ويخفت فيه القرب الطبيعي.. يكاد صدى جدرانه يردد بيت الشاعر ابن زيدون.

أضحى التنائي بديلا من تدانينا وناب عن طيب لقيانا تجافينا

بكل شراسة زحفت علينا الهشاشة، دمرت ما كانت تتحلى به العلا قات الإنسانية من عاطفة واستمرارية، فقد فيه الحب صلابته، فغدا سائلا.. مائعا حسب عالم الاجتماع الشهير “زيجمونت باومان”.

إن ظاهرة الحب السائل في العلاقات الاجتماعية في واقعنا المعاصر لها ارتباط بعدة عوامل، من بينها ما يتعلق بالثقافة الاستهلاكية السلبية التي تنامت بشكل متسارع في العقود الأخيرة واقتلع تيارها الجارف الكثير من القيم والمبادئ والعادات… على أنقاضها برز التوجه المادي والنزعة الاستهلاكية.. اشتد عودهما حتى أصبح استهلاك المنتجات مقياسا لجودة الحياة ومدعاة للشعور بالرضا عن الذات والفخر بها.

لم تسلم قيمة الحب من طغيان الثقافة الاستهلاكية السلبية.. تم تسليعها وقُيم ثمنها، أصبحنا ننظر إليها كمنتج استهلاكي يمكن استبداله عندما نشبع منه أو التخلص منه عندما تنتهي مدة صلاحيته.. نلقيه في صندوق القمامة ولا حرج في ذلك فقد صار من النفايات. لتنطلق رحلة البحث عن منتج جديد براق تلتقطه العين المتطلعة إلى لمعة البريق.

تأثرت قيمة الحب بالنمط الاستهلاكي الذي فرضته علينا العولمة والثورة التكنولوجية نمط الوصفات السهلة والمنتجات الجاهزة.. نمط يستهجن كل قديم حتى ولو كان صالحا، بما في ذلك المشاعر والصلات والأجساد حسب تعبير الدكتور “زيجمونت باومان” الذي يسمي العلاقات النفعية بين الأشخاص اليوم علاقات “الجيب العلوي” علاقات لا تسكن الفؤاد ولكن يحتفظ بها أطرافها في الجيب العلوي لسترتهم، متى أرادوا التخلص منها أخرجوها من جيبهم كما يتخلص المرء من أي سلعة سئم منها ولم تعد تحقق له المستوى المطلوب من الاكتفاء والإشباع.

من جانب آخر ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في اجتثاث الجذور الصلبة للحب.. تحرشت بصفاء وسمو معانيه العلاقات والصلات الافتراضية.

ففي بحرها اللجي الذي لا توجد به مرافئ يبحر الإنسان، وهو غالبا يعي هشاشتها.. يدرك سيلانها.. فلا عهود ولا مواثيق تدعمها.. ولا أسرة تباركها كما في الروابط الواقعية.. التجمل والكذب -غالبا- ديدنها ومن ثمة فإن أهم الأساسيات لبناء علاقة إنسانية ناجحة تظل في طي الكتمان.. قابعة هناك. خلف الشاشات

الدخول في الصلات الافتراضية سهل.. التواري عن الأنظار فيها سهل.. التخلص منها أيضا سهل.. فقط اضغط على زر الحذف وأخرج الصلة من جيبك العلوي.

نتيجة لهذا الحب السائل الذي عصف بالمشاعر الإنسانية، طفت مؤخرا فوق السطح، خصوصا في أوساط المشاهير ظاهرة نشر غسيل العلاقات الزوجية والأسرية أمام الملأ.. فضح أسرارها وكشف خباياها.. لا حرمات لها تمنع ولا أبناء منها تشفع.. لكن الاستثمار فيها أنفع.. فلا بأس أن يتم تسليعها والترويج لها في سوق مفتوح، كثير الزوار، وفير الموارد، لا يزال المعرضون عن ارتياده يأسرهم الحنين إلى العلاقات التراحمية، يقتاتون الشوق إلى زمان الوصل.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Lamya
    الإثنين 14 فبراير 2022 - 18:25

    مقال قيم و اسلوب جميل اعجبني اتمنى لك الاستمرارية و النجاح و التالق.

    احياء الرحم من القيم الاسلامية التي اصبحت للاسف تندثر و هذا لا يبشر بخير لان هناك وعيد من الله للانسانية جمعاء
    الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
    و لكن هذه اخلاق انسانية و لا علاقة لها بالتكنولوجيا, هذه الاخيرة تظهرنا فقط على حقيقتنا, لان كل واحد يتصرف على حسب اخلاقه, لانه غالبا يظن ان لا احد سيحاسبه
    لو كانوا يظنون انهم سيحاسبون يوما ما على ما ينشرون على مواقع التواصل الاجتماعي, لاستعملوها فقط لاهداف نبيلة.

  • رأي1
    الإثنين 14 فبراير 2022 - 23:29

    ه‍ا أنا الان اعيش وسط بعدين رمزيين احدهما هو التلفزة والهاتف المحمول.قناة الجزيرة لا تتوقف عن نقل وتحليل احداث روسيا واوكرانيا.وبالمناسبة فقد كان لنقل احداث حرب الخليج ضحايا كثر نفسيا وحنى جسميا.ولولا الصور التي كانت تنقلها لما كان هنالك ضحايا كثر.ومن جهة اخرى بين الفينة والاخرى يعمل اصبعي على تحريك شاشة هاتفي من جهة الى أخرى.كان ابني الاكبر يجلس بالقرب مني يفعل ما أفعل مع لا احد كما يعرف ما يجري غي هاتف الاخر.بين الحين والاخر كان كل منا يحاول ان يتواصل مع الاخر.لكن يبدو ان الاتصال كان يستغرق الا وقتا قصيرا تحت ضغط الصور والاصوا الصادرة عن الاجهزة التي تشدنا اليها.تحولنا من كائنات اجتماعية الى كائنات تقنية.ابنلعتنا التقنية الى درجة ضياع ذواتنا واغترابها عن نفسها ومحيطها الاجتماعي.

  • Lamya
    الثلاثاء 15 فبراير 2022 - 09:47

    الانسان البالغ العاقل يمكنه تحليل نفسه بنفسه:
    ماذا يشدني الى مشاهدة تلك الفيديوهات و الصور على مواقع التواصل الاجتماعي?!
    ما الفائدة? الانسان ليس ملزم لمشاهدة فيديوهات ترسل على هاتفه النقال طول الوقت.
    تخصيص الوقت للاسرة و الاطفال و الذهاب الى الطبيعة معهم بدون هاتف نقال.
    عدم مشاهدة قنوات الاخبار مثل الجزيرة على مدار الساعة و ليس رفقة الاطفال,
    او التلفزيون بصفة عامة, يجب اطفاؤه هو و الهاتف النقال اذا كان عندك ضيوف مثلا
    فليس من الادب كل بعض دقائق اخذ الهاتف النقال و النظر هل ارسل لك احدهم شيئا ما جديد و ترك الضيوف لوحدهم.
    الانسان هو الذي صنع التكنولوجيا للتواصل و هذا جيد, خصوصا بالنسبة للذين يعيشون غرباء خارج ارض الوطن.
    ولذلك علينا التحكم فيها و ليس تركها هي التي تتحكم فينا او في المحتوى الذي ننشره او نقرؤه
    فكل واحد يختار المحتويات التي تناسب اخلاقه.

  • Lamya
    الثلاثاء 15 فبراير 2022 - 10:24

    او هناك ظاهرة اخرى و هو ان الضيف نفسه, ياخذ معه هاتفه النقال و ينظر كل لحظة و حين فيه, ليبعث رسالة للمستضيف, مفادها ان لي هاتف نقال من النوع الممتاز ثمنه كذا و كذا و اصدقاء اخرين في العالم الافتراضي اهم منك و انا لست في حاجة الى صداقتك. و هذه تدخل في خانة قلة الادب.
    يعني الاخلاق و الادب هو الذي يحدد تصرفاتنا اولا و اخيرا

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56

أثمنة اللحم البلدي والمستورد