كتابة المنفى واستعادة البيت الأول
منذ الصفحات الأولى من مؤلف “كالزحف كالنذير: كتاب العازب”، لا يتعامل الكاتب والشاعر والتشكيلي العراقي علي البزاز مع مفهوم “الغرابة” باعتباره حالة نفسية أو وضعية اجتماعية مفككة، بل يحرره من ثقل المقاربة الميتافيزيقية التقليدية، ليعيد تشييده داخل أفق أنطولوجي قوامه “الدائرة” بوصفها بنية للوجود، لا مجرد شكل هندسي.
فالدائرية عنده ليست عودة إلى نقطة البداية، وإنما حركة لا تنتهي نحو الذات وهي تعيد إنتاج اغترابها باستمرار، في ما يشبه ما سماه جيل دولوز “التكرار الخلاق”، حيث لا يعيد الزمن إنتاج الأشياء، بل يعيد إنتاج الاختلاف ذاته.
ولذلك، تصبح الدائرة لدى البزاز استعارة فلسفية لمسار الإنسان وهو يعبر هشاشة الكينونة، ويقيم داخل عتبات لا تمنحه اكتمالا، بل تؤجل شفاءه باستمرار. إنها دائرة تتغذى من شجون الرغبة، وتتحرك فوق رمال المعنى، حيث لا ثبات إلا للتحول، ولا يقين إلا للارتحال.
يقترب النص من تصور مارتن هايدغر للوجود باعتباره إقامة مؤقتة داخل العالم، إذ لا يسكن الإنسان المكان بقدر ما يسكنه السؤال، ولا يملك الأرض بقدر ما يعبرها بوصفها أفقًا للانكشاف.
وفي أحد أكثر فصول الكتاب كثافة، يتتبع البزاز تشكلات الذات وهي تنحدر أمام فعل الزمن، لا باعتباره تعاقبا كرونولوجيا، وإنما بوصفه قوة أنطولوجية تنحت الذاكرة وتعيد تشكيل الهوية.
فالذات عنده ليست جوهرا ثابتا، وإنما كينونة متصدعة، تتآكل بفعل الزمن، وتعيد بناء نفسها من شظايا الغياب.
وهو ما يجعل النص يلتقي مع تصور بول ريكور للهوية السردية، حيث لا تتحدد الذات بما هي عليه، بل بما ترويه عن نفسها وهي تعبر الزمن وتعيد تأويل تجربتها باستمرار. ولا تبدو ثنائيات المكان والمعرفة والذاكرة عند البزاز قابلة للمصالحة، بل تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”اللاتقابل الوجودي”، حيث لا يتجاور الشيء ونقيضه إلا ليكشفا استحالة اكتمالهما. فالمكان لا يمنح الطمأنينة، بل يستدعي الرحيل.
والمعرفة لا تقود إلى اليقين، بل إلى مزيد من الحيرة. أما الذاكرة فلا تستعيد الماضي، وإنما تعيد إنتاج فقدانه. ووفق ذلك، أعتقد أن النص يستحضر من حيث لا يصرح، أطروحة جاك دريدا حول “الأثر”، إذ لا يحضر المكان إلا عبر غيابه، ولا يستقيم الحضور إلا بما يتركه من آثار مؤجلة.
تتحول “الهجرة الدائرية”، سواء كانت مكانية أو عاطفية أو إبداعية، إلى قدر وجودي أكثر منها حدثا جغرافيا. إنها ليست انتقالا بين أمكنة، بل عبور دائم بين هويات مؤقتة، حيث يصبح الغريب هو الكائن الوحيد القادر على تمثل الغرابة، لأنها لم تعد صفة خارجية، بل صارت بنية داخلية للوعي. وهو ما يجعل تجربة البزاز تلتقي مع فلسفة زيغمونت باومان حول “الحداثة السائلة”، حيث يفقد الإنسان إمكانية الإقامة النهائية، ويصبح العبور هو الشكل الوحيد الممكن للوجود. إن المكان، في كتاب “كالزحف كالنذير”، لا يعود مجرد إطار جغرافي للأحداث، بل يتحول إلى حجة أنطولوجية لاستعادة معنى الغربة. فهو ليس موطنا للإقامة، بل فضاء لإعادة بناء العلاقات وتأويل الذاكرة وتجريد النزوح من معناه المادي ليغدو تجربة وجودية خالصة. لذلك، لا عودة عند البزاز؛ لأن العودة تفترض نقطة ثابتة، بينما الدائرة التي يقترحها لا تعرف المركز، بل تعرف فقط الحركة.
ومن هنا يغدو الحب، والإبداع، والكتابة، جميعها أشكالا مختلفة للهجرة نفسها. غير أن هذه الدائرية، على الرغم من ثقلها الوجودي، لا تنغلق على نفسها كما قد يوحي شكلها الهندسي، بل تنطوي على توق دائم إلى الانفتاح.
إنها دائرة تبحث عن الأفق أكثر مما تبحث عن المركز، وعن الواحات أكثر مما تبحث عن الجدران، لتصبح الحرية هي المعنى الوحيد الممكن للوجود. وفي هذا الأفق، تكتسب عبارة البزاز:
«الشمس بيتنا في الماضي، فيها رمال، فيها اكتشافنا الماضي، وقلوبنا الماضية»، بعدا تأويليا يتجاوز الحنين إلى المكان، ليغدو استدعاءً لذاكرة أولى يسكنها الإنسان دون أن يستطيع استعادتها.
إنها ليست ذاكرة المكان، بقدر ما هي ذاكرة الكينونة وهي تبحث، كما يقول غاستون باشلار، عن “البيت الأول” الذي لا يوجد إلا في المخيلة، والذي يظل مهما ابتعدنا عنه، الموطن الوحيد الذي لا يتوقف عن مناداتنا.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.