الفعل الثقافي ليس فعلا ثانويا، ولا ترفا زائدا؛ إنما هو منحى هيكلي من مناحي الحياة لا يمكن تحييده، وحاجة ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها بأي حال من الأحوال، ولتعزيز هذا الرأي لا بأس أن نسوق هذه الوقائع التي ليست عنا ببعيدة على سبيل الاستدلال:
عندما مدت الجائحة أجنحتها، ونشرت ظلال تداعياتها على مختلف المجالات، ولم يسلم من تبعاتها حتى الحقل الثقافي حرص بعض الفاعلين على أن يظل النشاط الثقافي موصولا، ولو عن بعد، وذلك من خلال استثمار ما تتيحه التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال من إمكانات رقمية هائلة.
لما اطمأنت اللجنة العلمية إلى تحسن الوضع الوبائي في بلادنا، وأعطت الضوء الأخضر للمسؤولين الذي أذنوا بالرفع التدريجي للتدابير الاحترازية إلى أن يجد الجديد، عادت مياه الثقافة لتجري في قنواتها السالفة؛ أي الأنشطة الحضورية؛ حيث سارع المشتغلون بالثقافة مسارعة المشتاق المستهام إلى تنظيم عروض وندوات وورشات ومعارض وما إلى ذلك من مظاهر التنشيط المألوفة في مشهدنا الثقافي.
أصدرت الوزارة الوصية على قطاع الثقافة قرارا يقضي بسحب جائزة المغرب للكتاب لدورة 2021 من تسعة كتاب وأدباء ومترجمين فازوا بها مناصفة في خمسة أصناف، وقد أثار هذا القرار فور صدوره سجالات قانونية محتدمة، وردود أفعال متضاربة لم يخمد بعد أوارها، وما زالت أصداؤها تتردد في المنابر الإعلامية، ومواقع التواصل الاجتماعي.
انبثقت في الآونة الأخيرة مبادرة تدعو المثقفين المغاربة إلى الاحتجاج، من خلال بيان صاغه أحد المثقفين، حدد فيه دوافع هذه الدعوة وغاياتها، ولأن المقام لا يسمح بالخوض في تفاصيل هذا البيان، معنى ومبنى، وحرصا على الأمانة، نكتفي بإيراد الفقرة الأخيرة الجامعة المكتوبة بخط مضغوط:
“دعوة كل المثقفين والفاعلين الثقافيين وصناع المعنويات في كل المجال المغربي، إلى جعل يوم السبت 26 مارس 2022، يوما للاحتجاج تعبيرا عاليا عن نقطة نظام، وذلك في لقاءات حوارية ضمن مجموعات، تقف على الأعطاب والاختلالات الوطنية والمحلية”.
إن هذه الوقائع القريبة المتلاحقة التي أتينا على إيرادها يمكن أن تساعدنا على إلقاء الضوء على راهننا الثقافي، من خلال رسم بعض من ملامح الفاعلين في هذا الحقل الذين تتوزع مشاربهم، وتتباين خلفياتهم، وتتفاوت درجات وعيهم، وتتعارض مصالحهم.
يواصل كثير من مثقفينا حضورهم عبر إذاعة ما تجود به قرائحهم الفكرية والإبداعية في المنشورات الورقية أو الإلكترونية، ولسان حالهم يقول بنبرة متعالية: حسبنا من الفعل الثقافي أن نضع بين يدي المتلقي عصارة جهودنا وثمار أعمالنا.
يملأ بعض المثقفين دنيا الثقافة ضجيجا وعجيجا، فأينما وليت وجهك تجدهم يتقافزون بين أفنان الأنشطة الثقافية، يستوي عندهم في ذلك الغث والسمين، والقيم والتافه، المهم بالنسبة لهم أن يظفروا في الأخير بمشاركة عظمت أو حقرت، مشاركة سلكوا لها كل المسالك، وطرقوا لها كل الأبواب، ليغنموا شهادة تقدير، وحرارة تصفيق تشعلها أكف صادقة أو كاذبة، وومضات تصوير، وكلمات مجارية مجاملة.
وجه مثقفون إلى رفاقهم في درب الثقافة دعوة إلى الانخراط في الاحتجاج على الأوضاع، وهم بذلك يحاولون إسماع صوت آخر للمثقفين، صوت لم تخرسه مقولات الخيانة والموت والأوهام، صوت ما زال يؤمن بأن المثقفين يشكلون نخبة، موقعها الطبيعي هو الطليعة، ومن أدوارها الفعل الميداني المؤسس للتغيير.
يواصل مثقفون انعزالهم، اضطرارا لأنهم استهلكوا رصيدهم الفكري، واستنفدوا طاقتهم الإبداعية، وإما اختيارا لأنهم آثروا الانقطاع إلى عوالمهم الشخصية، والانكفاء إلى ذواتهم، بعد أن فقدوا الثقة في واقع يبعث على النفور، ويدفع إلى اليأس من المستقبل المنظور.
أقدم الفاعل الثقافي الرسمي على حرمان مثقفين من جائزة المغرب للكتاب للدورة المنصرمة التي فازوا بها مناصفة، وبصرف النظر عن الذريعة، فإن الأسلوب المعتمد في التعاطي مع المسألة التي تعتبر سابقة تاريخية، يعكس الوجه الحقيقي للمسؤول الثقافي الذي يدبر الشأن الثقافي بمنطق غير ثقافي، وهذا ما يؤكد مقولة أن السياسة تبقى هي ثقافة الدولة.
هذه إضاءات خاطفة سلطناها سريعا على راهننا الثقافي من خلال رسم وجوه الفاعلين في مضمار الثقافة، وقد مكنتنا من الوقوف على مجموعة من الملامح التي لا يمكن أن تساهم في النهوض بوضعنا الثقافي، من قبيل التعالي المريض، والحماسة الساذجة، والهرولة المكشوفة، والتدبير الأهوج، والاستسلام المريح، وقد توخينا هذه الطريقة في التوصيف قصدا؛ لنتحفظ من استعمال بعض النعوت التي لا يتورع البعض عن توزيعها جزافا بلا حساب ولا تمحيص، من قبيل المثقف العضوي، والثوري، والملتزم، والرجعي، والخائن…الخ
إن الفعل الثقافي، في ظل التحولات المتسارعة الجارية على مختلف الأصعدة، وفي مختلف المجالات، حتى يكون مؤثرا يحتاج إلى تجديد، تجديد في الوعي، وتجديد في الممارسة، وهذا التجديد مدخله الأولي هو مساءلة راهننا الثقافي مساءلة عميقة، حيوية، موضوعية، شاملة لا تستثني طرفا، ولا تعفي أحدا من المسؤولية.
في اعتقادي الثقافة مثل الدين بحيث تقوية عقيدة المسلم على ركائز صلبة تخدم شخصية المواطن التي تصب في حضارة الامة وتقوية شخصيتها وافراز خصوصيتها وادماجها ايجابيا في الثقافة العالمية السائدة التي تسير نحو رفاهية البشرية .الثقافة مثل الدين يجب ان تتقوى وان تسير في بناء الشخصية المغربية ومحاربة الشوائب السلبية والتصدي للطفوليين الانتهازيين الذي يعملون من اجل المصالح الذاتية ومعاكسة المصالح المصيرية لامة.المثقف يجب ان يكون ملتزما وان يخدم الامة وان لا يجري وراء المصالح الخاصة وبالتالي فاستعغلا الدين والثقافة والسياسة لاغراض شخصية واستعمال ثقافة النفاق للوصول الى الاغراض الشخصية هو المعرقل لتطور المجتمعات وخاصة المجتمعات المتخلفة او شبه متخلفة