فشل "القوة الضاربة"

فشل "القوة الضاربة"
الأحد 27 غشت 2023 - 16:20

هل ما زال هناك حيز أمام الرئيس عبد المجيد تبون لكي يواصل حديثه عن الجزائر بأنها القوة الضاربة في العالم، بعد هذه الانتكاسة التي جاءته من الدول التي يقول بأنه حليف لها؟ هل يحق له كذلك أن يردد بأن دول العالم تستجدي الجزائر بالتعاون معها وأنها مهد البشرية ولولاها لما كانت هناك ديمقراطية في أوروبا. ثم هل ما زالت بيده أوراق يريد أن يلعبها خارج السياق الزمني؟ سياق مهما كانت طبيعته فهو لا علاقة له بأي شكل من الأشكال بالزمن المتخلف عن الركب كما هو الحال في الجزائر.

لقد تبجح الرئيس الجزائري وأعلن العيد قبل الأوان بأن الجزائر باتت تشكل حجر الزاوية وباتت مطلبا لكي تكون حاضرة في ذلك التكتل الاقتصادي الآخذ في التبلور والمعروف “بالبريكس”. عديدة هي الأوهام التي يرفعها هذا الرئيس بينما الواقع يفندها بالتمام والكمال.

عبد المجيد تبون حرث الأرض والبحر في كل اتجاه من روسيا إلى الصين، من دون أن يلتفت إلى الأرض الجزائرية ولو مرة واحدة، لعل ذلك قد يؤمن له طريق الحرير إلى “البريكس”. فتبين بالملموس أن مثل هذه الرهانات لا يمكن كسبها إلا بالاعتماد على الذات قبل الاعتماد على الخارج. فأعضاء “البريكس” المؤسسون والجدد لهم اقتصاديات قوية قائمة على التنوع، كما هي اقتصاديات منفتحة على الخارج معززة باتفاقيات ثنائية في إطار التبادل الحر وأخرى مع منظمات دولية ذات طابع اقتصادي تشترط إدخال التكنولوجيا الحديثة في إدارة شرايين الاقتصاد لكل بلد، وخاصة اعتماد منظومة بنكية تواكب متطلبات العصر والتقنيات الحديثة والميكانيزمات المتعارف عليها في عالم البنوك الحديثة.

فأين الجزائر من هذا كله؟ ففشلها مع “البريكس” ليس هو الأول من نوعه بل عانت الأمرين في السابق مع منظمة التجارة العالمية ورفض طلب انضمامها عدة مرات، بل أكثر من ذلك جاءت دول من بعدها كاليمن مثلا وتم قبولها في تلك المنظمة العالمية. في حين أن الجزائر طلب منها إدخال إجراء إصلاحات اقتصادية جوهرية حتى تنصهر في المنظومة الاقتصادية العالمية. وباتت الرسالة أكثر وضوحا بأنه لم يعد هناك مكان لبلد يعتمد على اقتصاد الريع ويعتمد على الاحتكار إن على مستوى الاستثمار أو على مستوى التسويق. الاقتصاد الجزائري اقتصاد منغلق يحتكره الجنرالات كما يتحكمون في السوق المحلية في الأسعار والجودة ولا مجال لإدخال منتوج أجنبي، ويمنع منعا باتا تحرير المبادلات التجارية وأبواب الاستيراد مغلقة ولا تعطى الرخص في هذا المجال إلا لأهل وأبناء الأوليغارشية المتحكمة في دواليب السلطة. خيارات الاستهلاك أمام الشعب الجزائري محدودة بسبب الندرة وارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل. فالدخل الإجمالي للدولة المحصل عليه من عائدات البترول والغاز يعتبر واحدا من أعلى المداخيل، لكن الدخل الفردي كما هو على أرض الواقع يعتبر من أدنى المداخيل المسجلة عالميا. هذه المواصفات لا ترقى إلى المعايير الدولية التي ينبغي تبنيها كي تؤهل الجزائر إلى الانضمام إلى تكتل اقتصادي عالمي.

في غياب كل ذلك، بدا النظام الجزائري في تعاطيه مع “البريكس” يعتمد على نظام الزبونية وعلى منظومة فكرية بائدة. وقد راهن في ذلك على علاقاته التقليدية مع روسيا ومع الصين في زمن الحرب الباردة. لكن ذلك لم يكن مجديا بالنسبة للنظام الجزائري نظرا لتغير المفاهيم والمبادئ في العلاقات الدولية التي تؤمن بها اليوم كل من موسكو وبكين، وهما البلدان اللذان يعتمدان سياسة اقتصادية ليبرالية. ولا أدل على ذلك أن وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بعد انتهاء أشغال “البريكس” في جوهانسبورغ أرسل رسائل واضحة لمن يهمه الأمر بأن المعايير المعتمدة في العضوية تعتمد بالأساس أولا على هيبة الدولة ووزنها في علاقاتها مع الداخل ومع دول الجوار ومع المحيطين القاري والدولي، وثانيا على اقتصاد وطني متنوع، وثالثا على مدى قدرة البلد على التواصل والانفتاح بما يخدم الأهداف الرئيسية لـ “البريكس”. المؤسف أن النظام الجزائري من كل ذلك ما زال يضبط توقيته على ساعة ستينيات القرن الماضي من عهد تكتلات حلت محلها اليوم العولمة فيما الجزائر ما زالت تهيم في فضاءات عفا عنها الزمن.

ولأن الانتكاسة كانت جارفة بالنسبة للنظام الجزائري، حاول وزير المالية الجزائري عبثا أن يتستر على الهزيمة بالإحالة على ما أسماه “بالتاريخ المجيد للجزائر” مشيدا بالدور الذي لعبته الجزائر في الماضي، وبعهد حركات التحرير والبلقنة التي تخلى عنها العالم بأسره ولا يستعملها الغرب إلا كسيف مسلط على الرقاب. ومن المؤكد أن إحضار بن بطوش بلباس الزفاف كعريس غير مرغوب فيه، بدلة وربطة، لم ترض عنه الدول الوازنة في “البريكس” وهو ما يكشف مدى تورط الجزائر وجنوب إفريقيا في هذا المشهد الذي لا يليق بهذا التكتل بل لا معنى له في تجمع خلق أصلا لاستراتيجيات كبرى وذات بعد عالمي. كما أن هذا التجمع ليس له صلاحية البت في ملف الصحراء الذي هو أصلا من الاختصاص الحصري لمجلس الأمن الدولي. وقد كان ذلك واحدا من الأسباب التي حدت ببعض دول “البريكس” إلى معارضة هذا الطرح وتصريفه في موقف معارض للطلب الذي تقدمت به الجزائر بخصوص الانضمام لينقلب السحر على الساحر.

وقد يتساءل العديد عن هذا الإصرار الجزائري إلى حد الإهانة والتمسك بمسألة الانضمام إلى “البريكس” وعن دفع الرشوة في حدود مليار ونصف دولار لتوضع في بنك هذا التجمع الاقتصادي. أعتقد أن ذلك لا يخلو من تهور ومن اندفاع أعمى لا يمكن فهمه أو تفسيره إلا في إطار بحث النظام الجزائري عن إيجاد موطئ قدم يريد به خلق توازن، ليشتد عوده في معاداة ومحاصرة المغرب أكثر من أن ينصرف اهتمام القيادة الجزائرية نحو خدمة الأهداف الكبيرة والوازنة التي رسمها هذا التجمع. ولذلك، فمقاربة من هذا النوع لن تكون سالكة أمام النظام الجزائري. وعوض الإصرار على هذا الانضمام، بات من الضروري تغيير بوصلة النظام الجزائري نحو تكتلات إقليمية من قبيل إعادة الروح والحياة للاتحاد المغاربي. فهو الخيار الواقعي وهو خيار الممكن والمتاح لخدمة شعوب المنطقة مباشرة. فالجزائر لا تستطيع أن تحلق من دون المغرب وتونس وموريتانيا بل ستبقى صوتا معزولا يغرد خارج السرب. فقوتها من قوة المجموعة ومن يرى عكس ذلك سيبقى تائها وعرضة للسخرية والإهانة والقدف به من انتكاسة إلى أخرى.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • خالد
    الأحد 27 غشت 2023 - 18:48

    مشكلة الجزائر الوحيدة هي أن الأمور أسندت لغير أهلها
    السياسة لرجال السياسة والثكنات للعسكر والدبلوملسية للدبلوماسيين

  • Amaghrabi
    الأحد 27 غشت 2023 - 21:13

    اضيف الى ماقاله المعلق الاول ,الجزائر تحكمها العسكر منذ بوخروبة الى اليوم اما تبون فهو تحت ارجل العسكر لا ينطق الا بما يوحى اليه من طرف عجوز يحمل امراضا نفسية وجسدية الا وهو شنقريحة ومع الاسف هذا الاخير يبين ان الشعب الجزائري مكتوف الايدي ومشكوك في جهاده مع فرنسا لان المغاربة هم من حرروا الجزائر من فرنسا بكل تاكيد والدليل نراه اليوم بحيث دول حجم القارة تملك منابع النفط والغاز والذهب وووو تعيش طابورات على الماء والغاز والدقيق والحليب والخبز وووووووو اضافة الى الهجرة عبر قوارب الموت ومصيرهم وعيشهم وحياتهم في يد رجل عسكري مريض نفسيا وجسديا يقوم ويقعد وينمام بواسطة الادوية

  • توضيح
    الإثنين 28 غشت 2023 - 00:15

    نابليون كان عسكريا و مع ذلك حقق ما حققه لفرنسا ، السيسي عسكري و مع ذلك حقق مع مصر ما لم يحققه سابقيه ، كم من الدول حققت ما حققته تحت حكم الجيش . النخبة الجزائرية بليدة ، منحطة و محدودة الثقافة ! خطاباتها و أفكارها من زمن غابر ، قمة الغباء أنك تريد أن تكون قطبا صناعيا و تغلق الأسواق القريبة في وجهك !!

  • Lamya
    الإثنين 28 غشت 2023 - 08:40

    اتفق معك استاذ في كل ما جاء في مقالك و بارك الله فيك
    حكام الجزائر عندهم قصور في فهم ما يدور حوله و التغيرات العالمية الاقتصادية و السياسية التي حصلت في العالم و تفكيرهم ضيق جدا, حيث انهم فقط يبعثرون اموال الغاز و البترول لشراء الذمم و الريع سواءا داخليا او خارجيا و يظنون ان الرشاوى التي يقدمونها وحدها ستؤتي اكلها في كل حين و كما ادخلت بها البوليساريو للاتحاد الافريقي ستدخل بها هي ايضا للبريكس
    و من البلادة أنهم يطمحون لاضعاف دول الجوار بدل تقوية بلدهم اقتصاديا و حتى بلدان المنطقة كلها بالتكثل معهم في الاتحاد المغاربي, يعني بهذه العداوة لدول الجوار تؤذي نفسها اولا و تقوم باشياء بليدة و مخجلة فقط لاضعاف المغرب فارسلت زعيم البوليساريو الى اجتماع البريكس ليلقي عليهم خطابا على اساس انه رئيس دولة, انا شخصيا و الله خجلت مكانهم, و كأن الجزائر تقول لهم “هذا هو همي و هدفي الوحيد” فرفضوا طلبها للانضمام اليه و انقلب السحر على الساحر

  • أصلا غير موجودة
    الإثنين 28 غشت 2023 - 10:33

    الجزاءر أصلا ولدت مريضة ومشلولة

  • علي
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 04:52

    اهداف الجزاءر الان هي طرد فرنسا من افريقيا الغربية وبعدها ضم كل دول الاكواس الى تكتل اقتصادي غرب افريقي اهم من دخولها الى البريكس هذا ماخططته الجزاءر مع دول البريكس
    اطرح سوءال لماذا لا ينضم المغرب الى البريكس انتم تدعون ان المغرب قوة ضاربة، بعد سماحكم للطاءرات الحربية الفرنسية بالعبور فوق مجالكم الجوي هل تغفر لكم الدول الافريقية اضن انه مستحيل

  • علي
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 05:17

    ياسيد فيما يخص عدم دخول الجزائر الى التجارة العالمية هو ان الجزائر لها سيادة تفرضها على كل مستثمر بمعنى اخر ان الجزاءر تطبق قانون 49/51 ولا نريد ان الشركات الاجنبية التحكم في السياسة الجزاءرية ولا الحق في الملكية من يقبل بشروطنا فمن لا يقبل فالى الجحيم
    هدف دول التجارة العالمية هي عدم دفع ضراءب وهذا لا يخدم المصلحة الجزاءرية
    هناك شركات اجنبية في كل الدول العربية تستثمر فيها دون دفع ضراءب وشعوبها تعيش الفقر ، الجزاءر لاتريد ان تستغل من اي طرف كان وهذا هو السبب

  • Lamya
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 08:48

    انظر كيف يلعبون بعقل شعبهم بالبروباغندا الزائفة, يعني الجزائر لها اقتصاد منغلق على العالم و يزينون لهم ذلك و ما قرأته أنا هو ان تبون دفع طلب للدخول الى مجموعة بريكس و كان متأكدا من قبول الطلب و لكن الطلب رفض انتهى الكلام

  • مراقب
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 09:35

    لمن تشرح ياسيدي فهم جهلاء عسكريين لايعرفرن لا الكتابة و للتكنولوجيا ولا هم يحزنون هم يضنون بإن الجزائر هي من صنعت الكوكب ولاداعي للتقدم والتطور والخطير في الامر ان الشعب الجزائري يؤمن بكل مايحكيه تبون من كذب ويفرح ويصفق وهذا غريب بكل المقاييس

  • إلى علي
    الثلاثاء 29 غشت 2023 - 10:54

    المغاربة يعرفون تلك الحديقة التي تتحدث عنها أكثر منك.
    ونحن نعلم أن المخابرات الإرهابية العسكرية التي تحكم تلك الحديقة جندت جيشا من الدباب لتزييف الحقاءق،وتلميع صورته المشوهة وتاريخه الأسود.تلك مهمتك،
    كل ما جاء في تعليقك مجرد كلام فارغ مؤدى عنه من أموال الشعب ،وأنت تعلم دالك.
    ضيعت عمرك كله في أشياء تافهة .
    ،
    .

    .

صوت وصورة
الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:50

الدار البيضاء - الصويرة في رحلة مباشرة

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:30

أكاديمية المملكة تناقش الترجمة القانونية

صوت وصورة
"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 23:11

"الحوارات الاستراتيجية" ترصد تحديات السيادة

صوت وصورة
افتتاح معرض التمور بأرفود
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 21:43

افتتاح معرض التمور بأرفود

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 15

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00 1

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟