دخل حزب الأصالة والمعاصرة في الآونة الأخيرة، مرحلة إعادة هيكلة داخلية لتجاوز المشاكل التنظيمية في عهد أمينه العام السابق عبد اللطيف وهبي، وتداعيات ملف “إسكوبار الصحراء” الذي يتابع فيه قياديون بارزون بتهم الاتجار في المخدرات، هكذا وفي سابقة من نوعها، اختار هذا الحزب لجنة مشتركة لقيادته في المؤتمر الوطني الخامس المنعقد ببوزنيقة، تتقدمها فاطمة الزهراء المنصوري، وتشمل أيضا صلاح الدين أبو الغالي ومحمد المهدي بنسعيد ولقد ابتكر الحزب هذا المشروع الجديد في الساحة السياسية وهو مشروع “القيادة الجماعية” أو “القيادة المشتركة” البعيدة عن الفردانية في اتخاذ القرارات وفكر “الزعيم”.
وقبل دراسة أي ظاهرة من الظواهر أو أي مشروع جديد، لا بد من الوقوف على مفهومه ومدلولاته وعناصره، فمن الناحية اللغوية وحسب ابن منظور، في “لسان العرب”: قادَ يَقُود، قُدْ، قَوْدًا وقيادًا وقِيادَةً قيْدًا، فهو قائِد، والمفعول مَقُود والقود: نقيض السوق، يقود الدابة من أمامها، ويسوقها من خلفها، فالقود من أمام والسوق من خلف، والاسم من ذلك كله القيادة، وقائد جمعها قادة، وقواد وقادات وقائد الموقع هو الذي يقود الجيش في مدينة معينة أو موقع معين. واصطلاحا، ومع تطور مفهوم القيادة، ظهرت مجموعة من المفاهيم الأساسية، ومن أبرزها مفهوم الحكم الراشد، الذي يشير إلى البيئة الصالحة، التي تساعد على إيجاد القائد المناسب، لتحقيق أغراض المجتمع وتقدمه، من خلال سياسات وإجراءات واضحة، علاوة على ذلك، فإن محيط الحكم الراشد وبيئته تحقق العدالة المجتمعية بين أفراد المجتمع والتي لا تتحقق إلا بوجود قيادة فاعلة، سواء كانت قيادة فردية متمثلة في شخصية القائد، أو قيادة مجتمعية تتمثل في النخبة السياسية أو الحاكمة.
وللتوصل إلى تعريف القيادة بشكل واضح، لا بد من الفهم بأن هناك عدة مصطلحات رئيسية مرتبطة مباشرة بالقيادة من أهمها: القوة (Power)؛ التأثير (Influence)؛ والسلطة (Authority) ويمكن تعريف المصطلحات الثلاثة بشكل أكثر تفصيلا؛ فالقوة هي: القدرة الكامنة على التأثير في سلوك الآخرين، والقوة التي ترتبط بشكل عام بالسيطرة على الموارد القيمة أو النادرة؛ في حين أن التأثير: يظهر عندما يمارس شخص ما قوته بوعي أو غير وعي في التأثير على سلوك واتجاهات شخص آخر؛ أما السلطة، فهي القوة الناتجة أو الممنوحة من قبل المؤسسة أو الحكومة. وعرف الدكتور طارق السويدان “القيادة” بأنها عملية تحريك الناس نحو الهدف وهي مكونة من ثلاثة عناصر:
– وجود هدف يحرك الناس إليه.
– وجود مجموعة من الأفراد.
– وجود قائد يجعل ذلك في قوالب عملية تؤثر في الناس.
أما إذا رجعنا إلى الفكرين اليوناني واللاتيني كنقطة انطلاق لتحديد معنى القيادة، فإننا نجد أن كلمة قيادة Leadership مشتقة من الفعل يفعل أو يقوم بمهمة ما، ويتفق مع الفعل اليوناني “Archein” بمعنى يبدأ أو يقود أو يحكم ويتفق مع الفعل اللاتيني “Agere” ومعناه يُحرك أو يقود، وكان الاعتقاد السائد في الفكرين يقوم على أن كل فعل من الأفعال السابقة ينقسم إلى جزأين: بداية يقوم بها شخص واحد، ومهمة أو عمل ينجزه آخرون ومن هذا يتضح أن مفهوم القيادة ينطوي على علاقة اعتمادية متبادلة بين من يبدأ بالفعل وبين من ينجزه، فالقائد هو الذي يتولى القيام بالعمل وإعطاء الأوامر وهو حق مقصور عليه وحده، والأتباع (المرؤوسين) هم الذين ينجزون العمل ويقومون بتنفيذ الأوامر وهـذا واجـب عليهم، وقوة القائد إنما تتجسد في روح المبادرة بالفعل والمخاطرة في سبيله أكثر من تجسدهـا في إنجازه لهذه المهمة، و لقد تعددت المفاهيم التي قدمها الكتاب والباحثون حول مفهوم القيادة، حيث نجد أن القيادة تُعَرْف على أنها “عملية التأثير التي يقوم بها القائد على مرؤوسيه لإقناعهم وحثهم على المساهمة الفعالة بجهودهم للقيام بنشاط متعاون”، فمثلا عرفها رنسيس ليكرت على أنها قدرة الفرد على التأثير على شخص أو جماعة وتوجيههم وإرشادهم لنيل تعاونهم وحفزهم للعمل بأعلى درجة من الكفاية من أجل تحقيق الأهداف المرسومة وعرفها توماس جوردون بأنها وظيفة من وظائف السمات والخصائص المكتسبة بالخبرة والتعليم، في حين يعرفها مكجريجر بأنها تأثير شخص متبادل يظهر بوضوح في حالات معينة ويوجه من خلال وسائل الاتصال بين الرئيس والمرؤوس نحو تحقيق الأهداف المنشودة. ويعرفها أرودي تيد بأنها المقدرة على التأثير في الناس ليتعاونوا لتحقيق هدف يرغبون فيه، أما هيمان فيرى أن القيادة هي “العملية التي يتمكن بها الفرد من أن يوجه ويرشد ويضبط أفكار وشعور أشخاص آخرين” كما يعرفها ليترر بأنها ممارسة التأثير من قبل فرد على فرد آخر لتحقيق أهداف معينة كما يرى هذا الأخير بأن القيادة عملية تفاعل فرد مع أفراد وبالشكل الذي يمكنه أن يُمارس تأثيرا على سلوك ومشاعر هؤلاء الآخرين وتوجيه هذا السلوك بالاتجاه المرغوب فيه. وهكذا نجد أن بعض هذه التعريفات تركز على السمات والخصائص التي يكتسبها القائد بالخبرة والتعليم بمعنى أن القيادة مكتسبة وليست موروثة، على عكس الاعتقاد السائد قديماً، بأن القادة يولدون ولا يصنعون، بينما يركز بعضها الآخر على عملية التأثير التبادلية بين القائد ومرؤوسيه، فمعنى القيادة إذن التحكم في المواقف، أي التحكم في الناس في النهاية، بقرار له سلطة الالزام على الآخرين، فمثلا قبطان السفينة هو قائدها الذي يتحكم في مسيرتها في البحر بقرارات ملزمة التنفيذ لموجهي الدفة والسرعة وخط السير، ويتحكم في ركاب السفينة في طول البحر وعرضه بقرارات ملزمة التنفيذ لكل واحد منهم ومن هنا فالقيادة بشكل عام تعني أمرين اساسيين لا بد من توفرهما هما: القائد والقرار الملزم.
وإذا أضفنا إلى مصطلح القيادة صفة الجماعية أو المشتركة، فإن معنى مفهوم القيادة الجماعية يصبح توزيع المسؤوليات القيادية بين الأفراد حسب قدرات كل منهم، وليس هناك شيء في طبيعة القيادة نفسها يتطلب تركيزها أو توزيعها أي أن الجماعة قد توزع الوظائف القيادية في يد قائد واحد أو قد توزعها على عدد من الأعضاء، وهي ضد تركيز القيادة في يد فرد فيتم تحديد الأهداف معا للوصول إليها معا، فهي تنبع من المبادئ الديمقراطية ويستخدم هذا الشكل من أشكال القيادة المشاركة كأسلوب قيادي وهذا يعني تخويل الأعضاء سلطة اتخاذ القرارات ووضع السياسات وإصدار الأوامر، وكلما زادت المشاركة الإيجابية كلما كان ذلك محققا لمفهوم القيادة الجماعية ومن أهدافها خدمة الفرد والحزب و المجتمع من خلال إشباع رغبات الفرد وتنمية القدرة على القيادة. إلا أنها قد تؤدي إلى نتائج سلبية مثل الفوضى، حيث يصبح كل فرد له الحق في قول الكلمة النهائية في ما يتصل بعمل الجماعة، إلى جانب أنها قد تثير الصراع بين القائد والأتباع وهي أيضا القدرة على التأثير على الآخرين وتوجيه سلوكهم لتحقيق أهداف مشتركة، فهي إذن مسؤولية تجاه المجموعة المقودة للوصول إلى الأهداف المرسومة. هنا قد يكون القائد فردا وقد يكون جماعة من الأفراد المتساوين في الحقوق والواجبات ولذلك فالقرار القيادي قد يكون قرارا فرديا وقد يكون قرارا جماعيا. وقد دلت تجربة التاريخ وعبرته على أن القرارات المتعلقة بمصائر أمم وشعوب ينبغي أن تكون قرارات جماعية عن قيادة جماعية، حيث لا يوجد فرد لوحده منزه عن الخطأ أو معصوم منه ولا يصيبه الزلل. ومع أنه من الممكن أن نقول أيضا إنه لا توجد جماعة منزهة عن الخطأ أو معصومة منه وإنها لا تقرر إلا الصواب وما هو خير للأمم والشعوب، فإن من المسلم به وعن التجربة الإنسانية الغنية، أن احتمالات الخطأ تقل قلة مطردة مع جماعية القيادة وتزداد مطردة مع فردية القيادة وإذا استعرضنا تجارب الشعوب والأمم في العالم نجد مدى صواب هذه النظرية. إن جماعية القيادة لا تلغي دور الفرد بشكل نهائي بل تشجع المبادرة الفردية في طرح الأفكار وتنافسها من خلال حوار ونقاش داخل القيادة الجماعية وتغليب رجاحة الرأي والفكر الصائب لاعتماده جماعيا بعد إقراره عن قناعة من قبل الاغلبية في القيادة، وهذه الرجاحة لا تعطي الحق او التخويل لصاحب الرأي الراجح بالتسلط أو الانفراد بالقيادة مستقبلا والانحراف عن خط السير للقيادة الجماعية.. إن جماعية القيادة ليست مسألة عددية، وإن عدد المشتركين في القيادة الجماعية لا يكفل في حد ذاته جماعيتها الحقيقية وجماعيتها الفعلية ولقد شاهدنا في التجارب التاريخية المعاصرة للأمم والشعوب عبر العالم قيادات كانت كثيرة العدد ولكنها فعليا وعمليا لم تكن جماعية، وإنما كانت فردية خالصة، بل وفردية متسلطة ومستبدة معبودة، وبالتالي تحولت تلك القيادة إلى أشبه ما تكون بالقيادات الملكية المستبدة إن لم تتفوق عليها في استبدادها وقمعها وإرهابها لشعوبها، وخير مثال على ذلك ستالين ومن تلاه في القيادة السوفيتية وغيرها من بلدان المعسكر الشيوعي والنظام الكمبودي في ظل بول بوت وغيرهم الكثير من الأنظمة في الوقت الحاضر.
ولهذا فإن تحقيق جماعية القيادة يقتضي توفر شروط أولها، أن يكون المشتركون في القيادة متساوين مساواة فعلية لا اسمية في الحقوق والواجبات، وألا يفرض عليهم واحد منهم أي نوع من الإرهاب المعنوي أو الفكري أو المادي لامتلاكه سلطة لا يمتلكها الآخرون كالأمناء العامين للأحزاب السياسية أو رؤسائها، وأن يتخذ القرار بعد المناقشة الحرة الصريحة والحوار الديمقراطي المستنير المدعوم والمزود بكل الحجج والحقائق، وأن يكون قرار الأغلبية ملزما للأقلية، تدافع عنه وتنفذه بدقة وجدية عالية على جميع المستويات.
وبناء على هذه التعريفات، نتساءل: ما ذا يعني إذن مفهوم القيادة الجماعية لدى حزب الأصالة والمعاصرة؟ لماذا اتجه مؤتمر “البام” لاعتماد مقترح “أمانة عامة جماعية” لقيادة الجرار؟
لقد أسال مفهوم القيادة الجماعية الذي أعلن عنه حزب الأصالة والمعاصرة في مؤتمره الأخير في الساحة السياسية الكثير من المداد بين مؤيد ومعارض، لكون هذه الخطوة غير مألوفة في التجربة السياسية المغربية وهي تمثل بذلك تحولًا بارزا في هيكلية الحزب كما أثار هذا المشروع الجديد العديد من التساؤلات حول صيغته النهائية، ومدى قانونيته وفعاليته وملاءمته للورقة المذهبية للحزب التي لم يتم تقديمها في المؤتمر، وهكذا اعتبر البعض أن المفهوم الجديد للقيادة الجماعية التي تبناها الحزب، يأتي ضمن المفاهيم المعاصرة التي ارتأى “البام” إدخالها إلى حقل الممارسة السياسية المغربية، بينما اعتبر البعض الآخر أن اعتماد هذا المفهوم الجديد هو بمثابة مراجعة ونقذ ذاتي لتسيير الحزب ولعرضه وأطروحته السياسية منذ نشأته، و كذلك هو أيضا بمثابة مراجعة العرض السياسي للحزب برمته عبر تجديد خطابه ورهاناته العامة، في إطار التفاعل مع مطالب المواطنين وتحيين العرض مع المتغيرات، التي طرأت على الساحة السياسية خلال السنوات الأخيرة على الصعيد الوطني والدولي، وذلك من منطلق الحاجة الماسة إلى مفهوم جديد للتدبير الحزبي والتوجه نحو إعادة النظر في أسلوب الإدارة والقيادة الحزبية، بدل الاستمرار في المنطق الكلاسيكي الذي يقتضي إمكانية انتخاب أمين عام أو أمينة عامة على غرار الإجراء التقليدي الذي دأبت عليه مختلف الهيئات والأحزاب السياسية المغربية.
ويركز بعض قيادي حزب الأصالة والمعاصرة في السياق ذاته، على أن هذا القرار الحزبي الجماعي، سيمكنهم من اختيار مصيرهم السياسي بشكل مشترك، وتدبير المحطات المقبلة بالشكل نفسه، معتبرين أن حزب الأصالة والمعاصرة ليس حزب الأشخاص، بل حزب المؤسسات، لذلك فالقرار السياسي يجب أن يكون قرار الجميع وبالتالي يرون بأن الحزب قد عاش عددا من الأزمات طيلة 15 سنة من التواجد في الساحة السياسية، ولقد حان الوقت للتعامل مع هذه الأزمات بشكل مختلف، وبشكل جماعي، وتقديم نموذج سياسي للمغاربة، والقطع مع ممارسات الماضي، والتي مع الأسف تعمق المسافة بين المغاربة والسياسة، ويرى أنصار هذا المشروع أن انتظارات المغاربة، تحتاج لأفكار ولبرامج، مثل القيادة الجماعية التي تقوم على مبدأ الاشتغال بشكل جماعي أساسه النقاش، والنقاش يكون مصدرا للأفكار، ومدمجا لكل الأصوات، كما يعتبر هؤلاء أن هذا المشروع هو بمثابة اجتهاد في الفكر والتوجه السياسيين وبداية لمرحلة جديدة في التاريخ السياسي المغربي، الذي عاش منذ تأسيس أول حزب سياسي مغربي إلى يومنا هذا تجارب متعددة، وبأن ما تم تقريره اليوم بخصوص مستقبل الحزب سيكتب في التاريخ السياسي المغربي، لأن هذا التوجه السياسي الجديد، حسب زعمهم، أساسه تخليق الحياة السياسية والحزبية ولا يمكن إلا أن يساهم إيجابيا في هذا المسار، و بأن هذا التوجه جاء بعد تفكير عميق ونقد ذاتي وسيكون صيغة مؤقتة، ربما في أفق إنضاج تسويات مع السلطة، كما يرى تيار المدافعين عن هذه الصيغة التنظيمية بأنها ستساهم فعلا في تجاوز سلبيات المرحلة، والحفاظ على فكرة الأصالة والمعاصرة كمشروع فكري سياسي وطني، وحاجة مجتمعية لا محيد عنها.
وفي السياق ذاته، يرى بعض الخبراء بأن التوجه نحو هذه القيادة الجماعية أو المشتركة هو دليل على أن الحزب يعيش أزمة جراء تبعات تورط قياديين في الاتجار الدولي بالمخدرات، معتبرين أنه تكتيك سياسي مؤقت التجأ إليه الحزب من أجل تجديد هياكله العليا وفق خارطة طريق واضحة المعالم، تشكل قاعدة انطلاق متينة لتدشين مزيد من الفعاليات الكفيلة بالحفاظ على وحدة التنظيم وتماسكه، وسرعان ما ستتم العودة للمنطق التقليدي في قيادة الحزب في محطات تنظيمية مقبلة، مع وضوح توجهه السياسي وطبيعة اختياراته. كما أن هذا المخرج لم يكن خيارا بل هو تكتيك ذكي لتدبير هذه المرحلة الحساسة داخل الحزب ويعتبر هذا الخيار محفوفا بمخاطر تزكية الصراع واستدامة الأزمة داخل الحزب وبأن الأمر يفترض إحداث رجة تنظيمية لاستيعاب واقع الصدمة وتجاوزها، لهذا انشغلت قيادة الحزب بضرورة التوافق خوفا من انشطاره، ولاستيعاب هذا الحدث يقتضي الأمر حسب رأي هؤلاء تطهير التنظيم وإعداد الأجواء لقائد جديد من خارج الجماعة المسيرة حاليا ليكون أمينا عاما، حيث يجب أن يكون هذا الشخص ذا ثقل سياسي كي يستطيع خوض الاستحقاقات القادمة والمنافسة على ترؤس الحكومة في انتخابات 2026، التي ستكون انتخابات غير عادية، كونها ستشرف على مشاريع كبرى، وفي أولها مشاريع كأس العالم والتوجهات نحو إفريقيا وتحقيق الإقلاع الاقتصادي بغاية بلوغ المغرب مصاف الدول الصاعدة. زد على ذلك، يرى هؤلاء الخبراء أن اختيار ترويكا حزبية عبارة عن قيادة جماعية للأمانة العامة لتدبير المرحلة يعكس وعي الأنتليجنسيا داخل الحزب بطبيعة التحديات الوجودية، التي تواجه التنظيم في المرحلة المقبلة، واختيار قيادات لديها حضور قوي في المشهد السياسي والحزبي وعليها إجماع تنظيمي داخل هياكل الحزب وقواعده هو المخرج الأمثل للتنظيم من أجل استيعاب كل التساؤلات المطروحة، وتقديم إجابات تنظيمية تتماشى مع مطالب قواعد الحزب في تطهيره من الوجوه التي أساءت إلى تجربته ومساره السياسي بشكل عام.
في حين يرى فريق آخر من الخبراء، على النقيض من ذلك، أن قيادة جماعية للحزب تعني وجود خلافات قوية حول الأمين العام للحزب، إذ أنه بدل الاحتكام إلى صندوق الاقتراع في حل تلك الخلافات، جرى اللجوء إلى التسويات والتوافقات، التي قد تكون فكرة القيادة الجماعية أحد مخرجاتها، كما اعتبر هذا الفريق بأن هذا التوجه مؤشر على أحد أمرين في علاقة الحزب بالسلطة، إما أن الحزب صار ساحة لأكثر من جهة في السلطة، أو أن السلطة تركت الحزب لشأنه، مما جعله هذه المرة عاجزا عن تنظيم مؤتمر يكون فيه الحكم لصندوق الانتخاب باعتباره آلية ديمقراطية لحل الخلافات، كما أن الملفات الشائكة التي كانت موضوع نقاشات أخيرا، ومتابعة أعضاء قياديين أمام القضاء، مسألة لا يمكن إغفالها في المؤتمر الخامس للحزب وذلك تحت شعار “تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية”. وحسب رأي هؤلاء الخبراء أيضا، فإن أكبر مشكل يواجهه نمط القيادة الجماعية، يكمن في صعوبة تحديد من يتحمل مسؤولية قرارات معينة أو نتائجها، مما قد يؤدي إلى نقص في المساءلة والمسؤولية ويبدو أيضا أن مفهوم “القيادة الجماعية” أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الخارجية والاتجاهات المتغيرة، وقد تصبح هذه القيادة الجماعية عبئا على الحزب بدلا من أن تكون مصدر قوة وهي بذلك تصبح خيارا بل تكتيكا سياسيا فقط فرضته ظروف معينة لتدبير المرحلة.
وتجدر الإشارة في السياق ذاته إلى أن الأحزاب المعدودة على أصابع اليد عالميا التي لجأت إلى القيادة الجماعية كانت بمثابة رد فعل على التدبير الفرداني أو تجنبا له، لذلك فحزب الأصالة والمعاصرة له هياكل أولها المجلس الوطني والمكتب السياسي والجمع العام، كلها آليات لاتخاذ القرار جماعيا كما أن مقترح القيادة الجماعية دليل على أن تيار مراكش، لم يجد مرشحا لمواجهة عبد اللطيف وهبي، علما أن من قدموا هذا المقترح كانوا إلى جانبه طيلة السنوات الماضية، إذن كانوا يشاهدون التدبير الفرداني ولم يواجهوه ونلفت النظر هنا إلى أن “القيادة الجماعية” ستجد صعوبة في اتخاذ القرارات بسرعة وكفاءة، إ يتطلب الأمر مناقشة شاملة بين جميع الأعضاء، مما قد يتسبب في تأخر اتخاذ القرارات الحاسمة، وقد يؤدي الجدل والنقاشات الطويلة إلى تفويت فرص مهمة أو إلى مواقف صعبة يصعب حلها. وباختصار، أعتقد أن القيادة الثلاثية أو الجماعية أمر تم تضخيمه إعلاميا ليس إلا، لأن القيادة الجماعية، كما سبق ذكره، لم تكن خيارا بل تكتيكا سياسيا فرضته ظروف معينة لتدبير المرحلة وتحقيق المصالحة مع بعض من أطره وإنجاح المؤتمر لتجنيب الحزب شبح الانفجار وقد نجح في ذلك على أية حال.
يشار هنا إلى أن الباحثين “Niko Switek” Marco Valbruzzi”، قد أبرزا في كتابهما “القيادة الجماعية والسلطة المنقسمة في أحزاب أوروبا الغربية”، أن قيادة رئيس واحد ليست النموذج الوحيد الموجود لتنظيم الأحزاب السياسية، إلا أن بعض التطورات الأخيرة قد سلطت الضوء على وجود أشكال للقيادة الجماعية ومن جانب مماثل، تؤكد المبادئ التوجيهية لتنظيم الأحزاب السياسية، المنبثقة عن لجنة البندقية التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، أن تفرُّق مسارات التطور التاريخي والسياقات الثقافية الفريدة، حال دون التوصل إلى مجموعة شاملة موحدة من لوائح تنظيم الأحزاب السياسية. وتشير المبادئ التوجيهية المعتمدة من قبل الدول الأعضاء في مجلس أوروبا، والمعدة لصياغة معايير دولية لتسهيل تأسيس الأحزاب السياسية وتطويرها وتسيير أعمالها على نحو سليم، أن المهم هو أن تكون الأحزاب قادرة على اختيار مسؤولي الحزب ومرشحيه بمعزل عن أي تدخل حكومي كما تتضمن المبادئ وجوب وضع معايير واضحة ذات شفافية لاختيار المرشحين، حتى يتاح للأعضاء الجدد، بمن فيهم النساء والأقليات، الوصول إلى مناصب اتخاذ القرار، وأنه ينبغي كذلك اتباع نهج جنساني متوازن في تأليف الهيئات القائمة على الاختيار. وبالرجوع إلى بعض النماذج الغربية في سياق استقراء النماذج المقارنة، يتضح أن الأحزاب التي تتخذ نمط القيادة الجماعية غالبًا ما تكون من الأحزاب الخضراء واليسارية والاشتراكية، إما من خلال وجود قادة مشاركين من الذكور والإناث أو من خلال عدة رؤساء رسميين ومن النماذج الشهيرة لنمط القيادة الجماعية، نذكر حزب الخضر الأسكتلندي حيث بدأ ممارسة هذا النهج من عام 2004، آخذا المساواة بين الذكور والإناث معيارا لذلك. ومنذ أكتوبر 2021، يعمل كل من “كارلا دينير” وأدريان رامزي” كقائدين مشاركين للحزب الممثل بنائب واحد في مجلس العموم واثنين في مجلس اللوردات. نموذج آخر هو حزب الخضر في الولايات المتحدة الذي تم تأسيسه منذ عام 1984 لجعل الأمل في عالم أكثر ديمقراطية وأمانًا ونظافة حقيقة كما يقدم نفسه، إذ يعتمد على قيادة جماعية لسبعة رؤساء مشاركين، بالإضافة إلى سكرتير وأمين مال.
نذكر أيضا حزب اليسار الألماني، وهو حزب يساري اشتراكي ديمقراطي، يتكون هو الآخر، من الجهاز التنفيذي للحزب ومن لجنة منتخبة مكونة من 44 عضوًا، يرأسها مجلس تنفيذي مكون من 12 عضوًا يضم اثنين من رؤساء الحزب وأربعة نواب للرئيس وأمينًا وطنيًا وأمينًا للصندوق وأربعة أعضاء آخرين.
وحسب تقديرنا الشخصي، يبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة في مؤتمره الوطني الخامس، الذي كان عنوانه “نتبرأ من بعيوي والناصري”، أبى إلا أن يبتدع مصطلحا جديدا أسماه “القيادة العامة الجماعية” ولكن هل احترم مشروع “القيادة الجماعية” للأصالة والمعاصرة القانون التنظيمي للأحزاب السياسية بالمغرب؟
من الناحية التنظيمية، نؤكد أن الأمر ليس بالمستجد كما يحاول القيادي بحزب “البام” سمير كودار الترويج له، على أساس أن “القيادة الجماعية” هي فكرة فريدة، بل إنما هناك وجود لنظائرها في عدد من الأحزاب السياسية كالـ “السكريتارية”، كما يمكن اعتبار فاطمة الزهراء المنصوري هي الأمينة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، ومحمد مهدي بنسعيد وصلاح الدين أبو الغالي نائبين لها وبالنسبة للقانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.166 بتاريخ 24 من ذي القعدة 1432 (22 أكتوبر2011(. المتعلق بالأحزاب السياسية، فلا يتحدث عن النواب ولا السكريتارية، ولكن يتحدث بالأساس عن المسؤول الوطني للحزب، كما هو الشأن بالنسبة للمادة 15 من القانون المذكور، التي تعتبر “كل تغيير يطرأ على رمز الحزب أو أجهزته المسيرة أو نظامه الداخلي، أو يهم مقر الحزب، يتعين التصريح به لدى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، من قبل المسؤول الوطني، للحزب أو من ينتدبه لهذا الغرض، داخل أجل ثلاثين يوما يبتدئ من تاريخ المصادقة على هذا التغيير من قبل أجهزة الحزب المختصة، مقابل وصل مؤرخ ومختوم يسلم فورا”، كما أن المادة 14 من القانون التنظيمي السالف الذكر جاء فيها، “ويصرح بهذا التغيير لدى السلطة الحكومية المكلفة بالداخلية، من قبل المسؤول الوطني للحزب أو من ينتدبه لهذا الغرض، في أجل أقصاه ثلاثون يوما يبتدئ من تاريخ المصادقة عليه، مقابل وصل مؤرخ ومختوم يسلم فورا، وينبغي أن يكون هذا التصريح موقعا من قبل المسؤول الوطني للحزب، ومرفقا بالوثائق المثبتة لهذا التغيير”. كذلك المادة 44 بخصوص علاقة الحزب مع المجلس الأعلى للحسابات، بحيث يمثله المسؤول الوطني للحزب. وعليه، يتضح لنا بجلاء بأن الحديث عن “القيادة الجماعية”، لا محل له في القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، أما إذا كان الحديث عن كون فاطمة الزهراء المنصوري هي المنسقة الوطنية للأصالة والمعاصرة، فلا فرق بينها وبين صفة “أمينة عامة”، كما أن ابتداع هذه المصطلحات السياسية، من قبل قيادات “البام”، لا يختلف عن ابتداع مصطلح “لمساندة النقدية” بالنسبة لحزب الاتحاد الدستوري، الذي يبدو من خلال الممارسة السياسية بأنه ما هو طرف في أعضاء حكومة أخنوش ولا هو معارض لهذه الأخيرة.
وتأسيسا على ما ورد ذكره، يمكن القول إن حزب الأصالة والمعاصرة يعول اليوم على هذا المفهوم الجديد، إلا أن هذا التوجه الجديد للحزب سيف ذو حدين، بحيث يمكن أن ينجح هذا الحزب في تدبيره وأن يشكل درسا ديمقراطيا جديدا تستعين به باقي الأحزاب السياسية الأخرى، ويمكن أن يفشل في تطبيقه وعلى حزب “البام” إذن أن يضع جميع الضمانات من أجل النجاح لأن هذه القيادة الجماعية قد أتت بالنسبة له في ظرفية خاصة واستجابة لحيثيات خاصة، لكن ما يصلح لـ “البام” قد لا يصلح لغيره من الأحزاب، ليبقى الأهم في نظري هو التحلي بروح الديمقراطية والقبول بالنقد الذاتي وبنقد الآخرين والاستعداد الدائم للتغيير، لأن بلدنا في حاجة ماسة لأحزاب حية ونشيطة ومتفاعلة، هذا ما نرجوه اما كيفية تصريفه على الواقع، فلكل حزب معطياته وظروفه ووجهة نظره الخاصة، التي لا يمكن على أية حال التدخل فيها. والسؤال الذي يطرح نفسه علينا في الأخير: هل يمكن أن تنتقل عدوى القيادة الجماعية للأمانة العامة لباقي الأحزاب المغربية الأخرى؟
القيادة المشتركة يمكن فهمها على أن هناك تيارات و انقسامات داخل الحزب تجعله لا يحسم أمره في قيادة واحدة و بالتالي جبرا للخواطر اختار قيادة جماعية و يطرح السؤال ما اذا نجح الحزب في الانتخابات المقبلة من سيتم اختياره ليكون رئيسا للحكومة