في الحاجة إلى "ثقافة الاعتراف"

في الحاجة إلى "ثقافة الاعتراف"
الجمعة 22 أبريل 2016 - 14:40

أسابيع قليلة بعد إطلاق مبادرة متواضعة تحمل اسم “ثقافة الاعتراف” في صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، مساء كل يوم خميس، توصلنا ببعض الملاحظات النقدية، سواء في جلسات مع أصدقاء أفاضل في الواقع المادي، أو عبر ما سطرته أقلام زملاء أعزاء هنا في الواقع الافتراضي، ونجمل هذه المؤاخذات في اتجاهات ثلاثة:

1 ــ اتجاه يرى أن المبادرة عبثية وغير مفيدة في وسط لا يؤمن أساساً بـ”ثقافة الاعتراف”، وبالتالي لا جدوى منها؛

2 ــ اتجاه يرى أن المبادرة قد تنقلب إلى مقام التبجيل و”التطبيل” لهذا الاسم أو ذلك، عوض الارتحال النقدي مع الأسماء المعنية بالاحتفاء؛

3 ــ وأخيراً، اتجاه يعتقد أن المبادرة لا علاقة لها بـ”فلسفة الاعتراف”، كما سَطّرَ معالمها الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث وريث “المدرسة النقدية” [“مدرسة فرانكفورت”].

واضح أن حديثنا هنا في معرض التفاعل النقدي النافع مع هذه الاعتراضات، لن يطال الاتجاه (الرابع) الذي يُعادي المبادرة أصلاً، مع أن المبادرة تستغرق منا الكثير من الوقت، الذي نرى أنه يمكن “صرفه” في اهتمامات أولى، ومع ذلك، لم نسلم من “إشارات” ورسائل هذا الاتجاه الرابع، وهو غير معني أساساً هنا بالتفاعل ولا التعقيب أو التوضيح.

في ما يلي، بعض الردود الأولى على الاعتراضات سالفة الذكر:

1 ــ الاعتراض الأول:

ومقتضى هذا الاعتراض كالتالي: المبادرة عبثية وغير مفيدة في وسط لا يؤمن أساساً بـ”ثقافة الاعتراف”، وبالتالي لا جدوى منها.

إذا ذهبنا بعيداً في تنزيل مقتضى هذا المنطق التشاؤمي، فمن الأفضل التخلي نهائياً عن المبادرة، وبالتالي تكريس واقع الجحود الثقافي/ الفكري السائد في مجالنا التداولي، أي الواقع الذي لا يليق بتراثنا وتاريخنا وأخلاقنا؛

وبَدَهي أن التصدي لهذا الواقع، يتطلب الانخراط النظري والعملي في مواجهته، وليس فتح هذا الباب المتواضع، عوض إغلاقه، ولو في الحد الأدنى.

2 ــ الاعتراض الثاني:

ومقتضى هذا الاعتراض كالتالي: المبادرة قد تنقلب إلى مقام التبجيل و”التطبيل” لهذا الاسم أو ذلك، عوض الارتحال النقدي مع الأسماء المعنية بالاحتفاء.

معلوم أن غياب “ثقافة الاعتراف” يُترجم عملياً تكريس ثقافة نقدية، قد تكون على صواب، وقد تكون على خطإ، لولا أن الأصل هنا، أنها مؤسسة على نزعة تعادي الأخلاق أساساً، سواء كان النقد الافتراضي (إن صدر أم لا)، على صواب أم لا، بمعنى أن غياب هذه الثقافة، لا يُخول لأهل الحقل الفكري والثقافي وغيره، الترويج لذلك الكلام الكبير حول/ عن الإصلاح والنهضة والتحضر..إلخ، وكيف يطلبون من المتلقي، في مجالنا التداولي مثلاً، التصديق على أنهم مخلصون في التنظير لخطاب الإصلاح، وهم يعادون الاعتراف باجتهادات الزملاء المقربين بله باقي الزملاء من مجالات تداولية، بل قد تجد بعضهم يُبجل زملاء من مجالات تداولية أخرى، ويُعادي زملاء من مجاله التداولي.

مقام النقد (المتهافت أو النافع)، ليس هو مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سيادة أخلاق الذات وحظوظ النفس، ومن هنا انخراط مضامين هذه المبادرة في التركيز على الشق الإيجابي في أعمال واجتهادات الأسماء المحتفى بها، أما الشق الذي يتطلب النقد والتقييم والتقويم، فهذا مجاله المنابر الفكرية والمنتديات العلمية.

3 ــ الاعتراض الثالث:

ومقتضى هذا الاعتراض كالتالي: المبادرة، لا علاقة لها بفلسفة الاعتراف، كما سَطّر معالمها الفيلسوف الألماني أكسيل هونيث، [الصورة] وريث “المدرسة النقدية” [“مدرسة فرانكفورت”].

معلوم أن “فلسفة الاعتراف” لدى أكسيل هونيث، تنتصر على الخصوص للأقليات والمهشمين و”للمعذبين في الأرض”، بتعبير فرانز فانون، بما في ذلك المثليين (الشواذ) أو قل، التأسيس لثقافة الاعتراف بالذات وبالآخر (ولو أن الأصل الفلسفي، هناك في المجال التداولي الغربي، لمفهوم الاعتراف، جاء في أعمال هيغل).

ــ أولاً، نحن لسنا معنيين بالتقليد الحرفي والعملي لأعمال هذا الهرم الفلسفي الألماني (وألمانيا بلد الفلسفة باقتدار للتذكير)، وإن “قلّدْنا” عنوان المبادرة، فمن باب “الحكمة ضالة المؤمن”، كما جاء في الأثر، وأخذاً بعين الاعتبار مقتضى السياق اللصيق بمجالنا التداولي؛

ــ ثانياً، على فرض أننا نريد “تقليد” ما صدر عن أكسيل هونيث، لم نصل بعدُ إلى مقام الاعتراف بالهوامش والأقليات و”المعذبين في الأرض” الإسلامية، لأننا بالكاد نحلم بالحد الأدنى من “ثقافة الاعتراف” بين أهل الفكر والثقافة وغيره، بله الحُلم بثقافة الاعتراف” التي اشتغل عليها هيغل أو هونيث؛

ــ ثالثاً، التراث الإسلامي، حافل بأخلاق وثقافة الاعتراف، بل حتى واقع الفكر العربي المعاصر، يعج بثقافة الاعتراف، لولا أن السائد ينتصر للأسف، لثقافة الجحود والنكران، وبالنتيجة، لسنا بالضرورة في حاجة للنهل فقط من السائد في باقي المجالات التداولية من أجل إطلاق مبادرة كانت مُميزة لمجالنا التداولي الذي جاء نبيه الكريم، “رحمة للعالمين” [وهل ثمة أخلاق اعتراف أسمى من مقتضى هذه الآية الكريمة؟]، وإن استشهدنا بالتالي بما يصدر عن باقي المجالات التداولية، فمن باب الاستئناس ومن باب الاستشهاد بما “تعبُده” الأقلام المحلية، التي ترى في الغرب “رجل الوقت” و”صانع الحضارة” و”الإنسان النهائي” أو “الإنسان الأخير”.

والله أعلم.

www.facebook.com/mountassir.hamada

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • عبد الغني بلوط
    الجمعة 22 أبريل 2016 - 18:33

    الاعتراف أساس السلم و التطور.

  • معلق
    السبت 23 أبريل 2016 - 21:13

    مفهوم الاعتراف يعبر عن علاقة احترام ومعاملة الغير كماهية حرة وككائن مجرد كما نجد ذلك عند هيجل.هذه العلاقة تفترض وجود اطراف مختلفة في اساليب وجودها وتصرفها وتفكيرها واحساسها.اطراف متجهة في مسارات متعاكسة لكل منها وجهتها وشاكلتها كما يعتقد الشخصانيون والوجوديون.هذا الاختلاف مؤشر على ان الحياة البشرية فردانية وجماعية ليس لها نمط واحد وانه لا وجود لنموذج بشري واحد ووحيد لتاطير االبشر.الاعتراف معناه ان نقبل بالتعدد وان نمارس نمط الحياة الذي نفضله ونبتغيه من دون ان نتدخل في سلوك الاخرين.الا ان هذا الاعتراف عندما يتعلق بالمجتمع الواحد وضمن نفس مجال التفاعل يفترض وجود حدود يحصل ضمنها قبول الاخر.بمعنى انه اعتراف مشروط بقيم وقواعد يجمع الاغلب على قداستها.فالعلمانية في فرنسا الاعتراف لا يتم الاضمنها وكل سلوك خارج عنها يعتبر شاذا ويحارب.كذلك في مجتمع مسلم الاعتراف بين المنتمين اليه يحصل ضمن ثوابت محددة ومرنة.ومثلما لا يقبل بعض الغربيين المساس بمجالات تداولاتهم فذلك ينطبق على غيرهم والا لم يعد للاعتراف من معنى.

  • ahmed arawendi
    الأحد 24 أبريل 2016 - 11:55

    العقل الطفولي هو عقل منكفئ على ذاته. هذه الذات تعتبر منتهى الكمال و التنزيه وكل ما عداها لا يوجد إلا ليكون نقيضا لهذه "الذات/ الخير المطلق"; أي شرا.
    طبعا الثقافات الطفولية لا تتوفر, كما لا تريد استعمال, أدوات الادراك الموضوعي و ذلك لسببين:
    1سبب نفسي حيث يستحيل على الذات الطفولية الابتعاد عن نفسها حتى تصير هاته موضوع معرفة محايد و لا الاقتراب من ماهو خارج الذات, باعتباره دنسا.
    2سبب استراتيجي يأخذ بالحسبان فرضية تكسير التقييم المسبق للعالم التي تسيج الثقافة الطفولية به ذاتها و ما قد يترتب عنه من تغيير قواعد لعبة إنتاج خطاب الهيمنة الاجتماعية
    مثل هذه الثقافات يستحيل أن تنظر إلى نفسها على أنها ربما قد تكون مصدر شر; وأن الآخر قد يمكنه أن يكون مصدر خير; لان الامر هنا يتعلق بفرض رؤية كوسمولوجية دوغماتية أكثر منما يتعلق بطرح سؤال معرفي خالص حول الذات و العالم

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام