في ذكرى جيوردانو برونو

في ذكرى جيوردانو برونو
الإثنين 29 فبراير 2016 - 14:20

مع كتابة هذه الأسطر في فبراير من عام 2016 يحتفل الناس في إيطاليا بمناسبة مرور 416 عاما على حرق (جيوردانو برونو) الذي كان مشعلا للتنوير في ظلمات أوربا الكنسية والتعصب الديني.

في سورة طه ظن موسى أنه رأى نارا يقتبس منه؛ فلما جاءها كانت نورا؛ فقال الرب لموسى اخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى. كان لهيب حرق برونو نورا في ظلمات أوربا الدامسة.

عام 1600 ميلادي كان مفصلا في تاريخ أوربا الحديثة. ولكن يحق لنا أن نتساءل عن هول الجريمة التي قام بها هذا الكائن حتى شوي حيا مثل فروج في النار ذات الوقود؟ في هذا ننصح القارئ بالرجوع إلى كتاب قصة الحضارة لويل ديورانت.

هناك سورة كاملة في القرآن اسمها (البروج) تروي قصة حرق مجموعة من الناس بسبب أفكارهم، يقسم فيها الله بالسماء ذات البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود، ثم يلعن أولئك المجرمين إذ هم عليها قعود يتفرجون الناس في أشد الألم يحترقون على قيد الحياة. الحرق هو من أشد ألوان الألم التي رأيناها في أقسام الإسعاف وأي حرق تجاوز مساحة من الجلد هدد صاحبه بالتسمم وتعطل الكلية والموت.

كنت في مشفى المواساة، حين استقبلت ثلاث حالات؛ شابة وأمها ورجل مرافق، احترقوا في سيارة، وكنت طبيبا مقيما يومها ليس عندي من الخبرة بالعثور على مكان لضخ السوائل إلى بدن المصابة بعد أن احترق الجلد بالكامل 80 ثمانين بالمائة؟ ذلك أن أهم علاج للمصاب تعويض السوائل؛ فمات الثلاثة على الرغم من العلاج المكثف في أيام قليلة، في ظل آلام مبرحة مرعبة، يصرخ فيها صاحبها هولا وألما.

أنا شخصيا استهواني هذا الرجل (برونو) كثيرا ولاحقت ما كتبته مجلة در شبيجل الألمانية في حق هذا الرجل، ولماذا كان عنيدا إلى هذا الحد؛ فلم يرضخ لكرادلة روما حين طلبوا منه سحب أقواله والتبرؤ منها، والتوبة إلى الله توبة نصوحا.

يقول الفقهاء عن التوبة النصوح أنها ليست فقط الاعتذار والندم عما فعل؛ بل هي أداء القسم أن لا يعود لها مطلقا في المستقبل، بعد التبرؤ مما فعل. هذا ما كان أمام برونو لمواجهته فأبى بعد تعذيب وإهانات استمرت ثماني سنين، حتى نطق مجمع الكرادلة الحكم: الحرق على قيد الحياة من أجل أفكاره التي يحملها؟

حاليا وبعد مرور أكثر من أربعة قرون لم يتم رد الاعتبار للرجل من البابا والكنيسة. اللهم إلا أن يحدث شيء مع البابا الجديد من أمريكا الجنوبية.

معلوماتي أنا في عقدة هذا الرجل أنه كتب في (العلة والغاية) كتابا يقول فيه أن الكون الذي نعيش فيه أكبر مما تقوله لنا الكنيسة بكثير، وأن زمن الكون أرحب بكثير من روايات وخرافات الكنيسة، فإذا كان الكون بهذا الاتساع إلى ما لانهاية، وكمية الكواكب في عالمنا هو أكثر بكثير من الكرة الأرضية التي نعيش على ظهرها؛ فما معنى عقيدة الخلاص التي تقول بها الكنيسة، وهل يعقل أن يأتي يسوع المسيح ليفدي نفسه عن أهل هذا الكوكب السخيف الصغير في كون مترامي لانهاية له. دخل الرجل على عقيدة الفداء تفنيدا من البوابة الكوسمولوجية.

أضاف الرجل هذا الكون الذي يغمرني يدفعني إلى الخشوع في جدلية الوحدة والتعدد، هو متعدد ولكنه واحد، كما أنه واحد ولكن بنفس الوقت يحمل التعدد.

أفكار هذا الرجل العنيد الفلسفية أرعبت الكنيسة فدفعته إلى النار ذات الوقود ليشوى حيا على قيد الحياة بعمر 58 عاما، ومازال أمام الكنيسة الاعتذار لهذا الرجل ورد الاعتبار له.

أما الكنيسة فلا نعلم إلى أين وصلت، ولكن أتباعه الرائعين في أوربا بنوا له تمثالا خالدا في المكان المسمى مكان الحريق (بلاسا دي فويرا) في روما قريبا من الفاتيكان.

قصص اضطهاد المفكرين أكثر من رمال الصحراء الجزائرية وصحراء النفود. فالرازي الذي نفتخر به ونسمي المشافي باسمه (عملت أنا في حلب طبيبا مقيما في مشفى الرازي وكان كارثة) فقد ألف كتاب (المخاريق) الذي اتهم بسببه بالزندقة الذي يدعو فيه إلى اعتماد العقل للوصول إلى الله. ويقال أن الرجل فقد بصره في آخر أيامه ففرح خصومه بذلك واعتبروها علامة من الله على ضلاله المبين.

أما (ابن الهيثم) الذي يعتبر مؤسس علم البصريات فقد اتهم بالكفر والجنون لأنه كتب أكثر من 200 مخطوطة في علوم شتى، ولأنه كان يرى عمر الكون ممتدا في الأزلية؛ فقالوا عنه أنه أخرق مأفون زنديق حلال الدم؛ فاختبأ وتوارى، ووضع تحت الإقامة الجبرية حتى مات.

أما الفيلسوف (الكندي) فقد حماه المأمون لآرائه فنجا؛ حتى جاء المتوكل وكأن أقرب للسلفيين؛ فشنعوا عليه وساقوه إلى الجلد في ساحة عامة وانتهبت مكتبته وسموه زنديقا. فأصيب الرجل باكتئاب شديد، واعتزل الناس حتى مات، فلم يصل عليه إلا نفر قليل.

ونقل عن (ابن الأثير) صاحب المؤلفات شيء من هذا القبيل حتى مات ودفن سرا خوفا من الرعاع. أما رئيس الملاحدة (كذا؟) بحق فهو (ابن سينا) ولولا شهرته الطبية التي اشتهر بها في كتابه القانون الذي صمد خمسة قرون لتعليم الأطباء لاختفى من التاريخ، ولكن الغرب حفظه لنا، كما حفظ الزنديق الأخر ابن رشد؛ فيا حسرة على تاريخنا الذي انجب ولكن في بيئة غير حاضنة؛ فكانوا كالماء المحتبس ينبجس ينابيع في تربة مناسبة، وهو ما حصل في تفجر الفكر الإسلامي التنويري في (بادوا) في إيطاليا، ليعم كل أوربا ويشرب منه برونو شرابا سائغا، قبل أن يكتوي بالنار ذات اللهب.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

9
  • متقي عبد الخالق
    الإثنين 29 فبراير 2016 - 15:25

    تحضرني صور حرق و قتل و دبح الادباء و المفكرون في تاريخنا و اعيشها بمرارة مثلا محاولة دبح نجيب محفوظ و فرج فودة و غيرهم كثير و اما الاخرون فمصيرهم الصمت و الانزواء و الانعزال – لا تزال صور تعذيب الفقهاء و دبحهم في السعودية و ايران (مؤخرا بسبب اراءهم) و مع ذلك لا تثثير الانتباه لدى البعض و لا نعرف لماذا؟– هل هو الجنون الاعرابي حقا كما صار يسمى اليوم في الطب النفسي – و اما قديما فصور الفقهاء و الادباء و هم يقطعون و يحرقون و يذبحون لا تعد و لا تحصى لكن من يتذكرها؟ هل لانها مسلمة؟ مثل الفارابي و بن رشد و الجاحظ و التوحيدي و الحلاج و المعري و ابن عربي و الخيام و ابن سينا و الرازي و الرواندي و صالح بن عبد القدوس و بشار بن برد و الكندي الخ الخ الخ —

  • alpha
    الإثنين 29 فبراير 2016 - 15:51

    entre temps il y a eu beaucoup d'eau qui a coulé sous le pont et le Vatican a fait pas mal de révisions chose que l'islam n'a pas fait et pourquoi vous n'avez pas cité la version de Giordano concernant marie mère de jésus et sur la réincarnation

  • ساحة الأزهار
    الإثنين 29 فبراير 2016 - 21:35

    لقد رفض برونو جوردانو التراجع عن مبادئه وأفكاره متحديا الكنيسة ,هذه الأخيرة رغم أقدامها على إعدامه حرقا فقد احتفظت بملف ووثائق المحاكمة ولم تخفي أدلة جريمتها بالكامل وبعد مضي كل هذا الزمن الطويل قام الفاتيكان مند سنوات قليلة بالتكفير عن ذنبه بإعلان برونو جوردانو قديساً ,وهو شيء لم يتأتى للمفكرين والعلماء المسلمين الذين مازالوا يجلدون وينفون حتى يومنا هذا ,في انتظار ان يرد الاعتبآر لكل هؤلاء الرواد ,وهذا لن يتأتى الا في ظل الدولة المدنية الحديثة.

  • خديجة وسام
    الثلاثاء 1 مارس 2016 - 08:27

    يقدم الكاتب معلومات غريبة جدا. لا أحد يشك في فائدة ما قدمه إبن الهيثم من نظريات في علم المناظر. لكننا نعلم أنه لم يأخذ بنظرية أرسطرخس الساموسي الذي كانت حساباته معروفة ومترجمة إلى العربية والتي بينت لكل العلماء والفلاسفة أن الشمس أعظم بكثير من الأرض. لكن إبن الهيثم لم يأخذ بمقولة أرسطرخس الذي استنتج من حسابته أنه من المعقول أن تدور الأجرام الصغيرة حول التي هي أعظم منها. أما فيما يخص جنون ابن الهيثم فالمؤرخون العرب يدلوننا على أنه تظاهر بذلك لما كلفه حاكم مصر بالوقوف على بناء سد لري مصر. لم يتحمل مهندسنا مسؤولية عملية بناءة. لقد فضل النشر والنظريات عوض الإحتكاك بالتجارب المادية. لذا نرى أن علمه للمناظر لم ينتج لنا نظاريات للعين إلا عندما أخذ بها بيكون الإنجليزي : العلم من دون عمل لا طائلة وراءه.

  • citoyenne
    الثلاثاء 1 مارس 2016 - 08:41

    شكرا جزيلا لك دكتور، نتمنى المزيد من المقالات التنويرية، بارك الله فيك. العقل يعاني في عالمنا العربي باسم الدين للاسف، والدين الاسلامي يحث على استعمال العقل وحرية التفكير وكسر الطابوهات والاحكام المسبقة وما وجدنا عليه اباءنا واجدادنا..العقل الانساني يتطور ويرتقي والقرآن صالح لكل زمان ومكان وهذه هي المعادلة التي لا يفهمها المتزمتون!

  • خديجة وسام
    الثلاثاء 1 مارس 2016 - 11:58

    محاولة نقاش جدي مع الأخت 5 – citoyenne.
    لا الدين الإسلامي ولا الدين المسيحي ولا الدين اليهودي ولا معتقدات الإغريق العتيقة منعت الفكر العلمي الحر من اكتشاف خبايا الفيزياء و القوانين التي تحكم الإبصار و وجوب دوران الأرض الضئيلة حول الشمس العظيمة كما فهم ذلك قدماء الإغريق إنطلاقا من مراقبة أجرام السماوات. فلنكونا محترمات للتاريخ : لنقرأ مقدمة كوبرنيكوس الذي أعاد إحياء نظريات فيزياء ارسطرخس عوض مقولة أرسطو الذي قال بتوسط الأرض لكوننا. فكبرنيكوس من الإكليروس ، أي من أهل الكنيسة ومقدمته تدلنا على أنه أهدى كتابه للكاردينال نيكولا شومبيرگ Nicolas Shomberg الذي كان من شجعه على نشر نظريته. فلماذا يا ترى لا نروم الحق ولا نقرأ قبل إصدار أحكام عامة : فأهل الكنيسة كانوا متفتحين في عهد كبرنيك وانغلقوا في القرن الذي تلاه. وهل حقا يعرقل الفقهاء تقدمنا العلمي أم كسلنا الذهني هو الذي جعلنا ويجعلنا نكرر المضغ عوض القراءة والبحث عن الحقيقة التاريخية والعلمية ؟لنقرأ أولا ولندع تهجمنا على الناس من أمثالنا. إقرأ !

  • Mohamed
    الثلاثاء 1 مارس 2016 - 23:34

    نعم اغلب الرموز الحضارية المسلمة اتهمت بالزندقة و الكفر و الالحاد مثل ابن سينا الذي قال عنه احد فقهاء تلك العصور ( إمام الملحدين ) و حتى الفارابي و ابن الهيثم و غيلان الدمشقي الذي قامو بقطع اوصاله امامه و في الاخير يقولون لك يجب ان نعود الى الوراء 1000 سنة و نطبق الاسلام لكي نتطور. و ان تلك العصور كانت في غاية الروعة و الجمال!!
    نصيحتي لكل من قرا مقالة الكاتب و (حس ب الخلعة) ان يقوم بقراءة المزيد و مشاهدة برامج غير برامج قنوات الاصوليين. youtube فيه (الخير و الخمير)

  • عزوز التواتي
    الأربعاء 2 مارس 2016 - 08:36

    التحية و التقدير للدكتور خالص جلبي،طبعا من سياق تاريخ إضطهاد الفكر الإسلامي المتنور و محاربة العلوم و المفكرين و الفلاسفة المسلمين ،نستشف مضاعفات هذا النهج الذي أنتج كوارث تاريخية من التخلف و الضعف و الجهل و تفريخ الزوايا و التكايا و طرق دراويش الصوفية المهرطقة و عبادة أضرحة "الأولياء الصالحين" و تسيُد المعتقدات و الروايات الغيبية و الفلكلورية و الذي آلت إليه الأمة الإسلامية ما قبل سقوط غرناطة بالأندلس بثلاثة قرون و إنتهاء باكتساح مد موجة الكولونيالية الغربية التي طالت معظم البلدان الإسلامية في القرن 19،و20 بما فيها سقوط آخر معاقل الخلافة الإسلامية بالديار التركية عام 1923 . من المفارقات المضحكة و البائسة في نفس الوقت أن هذا "الفكرالفقهي"المناهض للعلوم و الفلسفة و تطور النظريات في علم الإجتماع و السياسة و الإقتصاد و تنظيم و إدراة الدولة الحديثة ما زال موجودا إلى اليوم في بعض العقليات المتكلسة "الإسلامية" !.و ذلك بحجة واهية : عدم جواز التشبه بالكفار ؟؟؟ !!!، و بمعنى آخر ما زالت حليمة تعود لعادتها "القديمة"… و هي من ضمن أسباب جوهرية لتخلف الأمة الإسلامية عن ركب الحضارة و التقدم.

  • عزوز التواتي
    الأربعاء 2 مارس 2016 - 10:59

    على الجهة الأخرى المسيحية ،بدأ التحريف و معاداة العلوم و الفكر المُتنور في العقيدة النصرانية الأصلية بعقد مجمع نيقية، و ساد بعدئذ عصر الظلمات و هى الحقبة الممتدة فيما بين الإعتراف الرسمى بالمسيحية كديانة وحيدة للإمبراطورية الرومانية ، فى أواخر القرن الرابع ، حتى بدايات عصر التنوير فى القرن السابع عشر ، والتى تمت فيها محاربة العلم ومنع التعليم إلا على الرهبان في الأديرة ، بل لقد تم منع "المؤمنين" من قراءة و التفقه في الأناجيل ! وتندرج فيها أحداث خاصة فى القرون الوسطى ، كمحاكم التفتيش والحروب الدينية بين المذاهب المسيحية ذاتها و شن الحروب الصليبية "المقندسة"، ضد "المحمديين" المسلمين خاصة ، وحرق و تعذيب مخالفي كنيسة روما "الكفار" أحياء و حرق المكتبات والكتب و هدم المساجد و تحويل الجوامع إلى كنائس، وخاصة ما يطلقون عليه "عام الخلاص" سنة 1492، الذى تخلص فيه غلاة حكام الكاثوليك المتعصبين من بقية المسلمين و اليهود فى الأندلس بتهجيرهم قسرا، و إبادة من بقي منهم ممن لم "يتمسحوا" باسم الأب و الإبن و الروح القدس..و تلتها محارق رهيبة ضد مذهب البروتستانت المنشقين عن بابا روما فى وأوروبا.

صوت وصورة
طرق مدمرة وخدمات غائبة
الأحد 4 أكتوبر 2026 - 11:18 3

طرق مدمرة وخدمات غائبة

صوت وصورة
ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟
السبت 3 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ما علاقة الخريف بالأمراض التنفسية؟

صوت وصورة
أوزين والضائقة المالية
السبت 3 أكتوبر 2026 - 19:34 2

أوزين والضائقة المالية

صوت وصورة
حزب الاستقلال والحكومة المقبلة
السبت 3 أكتوبر 2026 - 16:30 2

حزب الاستقلال والحكومة المقبلة

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 3

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 11

شوكي: مصلحة الوطن أولا