“رأينا مجتمعنا يصير متعدد الثقافات والديانات، وتغيرت مؤسسات الدولة نتيجة لذلك، لكن خلال كل هذه التغيرات والتحديات… تظل علاقة العاهل الخاصة ومسؤوليته نحو كنيسة إنجلترا، وهي الكنيسة التي تترسخ فيها عقيدتي، ومن خلال هذه العقيدة تربيت على أن أعتز بالإحساس بالواجب نحو الآخرين، وأن أُكِن كل الاحترام للحريات والمسؤوليات النابعة من تاريخنا الفريد ونظام حكومتنا البرلمانية”.
هذا مقتطف من خطاب حفل تنصيب ملك بريطانيا الجديد. ما يلفت النظر، في هذا المقطع، هو الإشارة إلى نقطتين أساسيتين:
الأولى أنه ربط بين واجباته تجاه أفراد المجتمع وبين المسؤولية الدينية للملك نحو كنيسة إنجلترا، حيث ترسخت عقيدته التي جعلته، حسب قوله، يعتز “بالإحساس بالواجب تجاه الآخرين”، وهذا يعني أننا أمام “عقيدة ملكية” في خدمة “المخلوق”، كما سنرى ذلك في ما بعد، على العكس تماما من الملكية الوسيطية، التي كانت مسؤوليتها الدينية تقوم بالأساس على خدمة “الخالق”، كما كان يُؤوّل آنذاك “الكتاب المقدس”، وهنا يمكن أن نلاحظ بسهولة النتائج أو الآثار بعيدة المدى لعملية فصل الديني عن السياسي كما تبلورت في التجربة البريطانية.
النقطة الثانية هي الإشارة أيضا إلى المسؤولية السياسية للملك تجاه احترام الحريات النابعة من نظام الحكم البرلماني، وهذا يعني أيضا أننا أمام “ملكية برلمانية”، وفي خلفية ذلك نجد الآثار التي تركها التطور الديمقراطي على التجربة السياسية للملكية البريطانية.
هاتين الملاحظتين تحيلان إلى مفهومين أساسيين: العلمانية والديمقراطية، كما تجليا في التجربة التاريخية لبريطانيا. هذا الأمر يدعونا إلى استحضار جوانب من تطور التاريخ السياسي في بريطانيا، والذي انتهي تدريجيا إلى هذا المسار، ثم امتد، بعد ذلك، إلى أوروبا عامة.
يمكننا، في هذا السياق، أن نلخص ونختزل مراحل ذلك التطور التاريخي بالقول: إنه انطلق بدايةً مع التحولات التي عرفتها “الملكية القديمة” في التجربة الأوروبية، والتي انتهت تاريخيا إلى “ملكية مطلقة”، كنظام سياسي شامل. هذه الأخيرة أخضعت الكنسية ونزعت عنها هالة التقديس، خاصة بعد تدهور نفوذها: (هذا التدهور قد يجد سببه البعيد في تراجع أو اختفاء الخوف من “الإسلام التاريخي”، الذي كان يقوي الحاجة إلى دور ونفوذ الكنيسة، خوفا من الهيمنة الإسلامية في العهد الوسيط). إن عملية تقويض الكنيسة هاته هي التي ستفتح الأفق، بشكل غير مباشر، أمام الفكر الفلسفي للأنوار، الذي بدأ يتسلل إلى العقول تدريجيا مما أدى، في نهاية المطاف، إلى الثورة الفرنسية، وبعد هذه الثورة لم تعد الكنيسة تبرر وجودها بالأمر الإلهي، فاتجهت إلى النشاط الخيري والدعوة إلى العدالة الاجتماعية.
بعد إخضاع الكنيسة، استقلت الملكية المطلقة كذلك عن النبلاء لتبحث عن دور سياسي جديد يناسب التحولات الاجتماعية والاقتصادية الجديدة، ويتوافق مع المستجدات التاريخية آنذاك، وقد تمثل هذا الدور في محاولة الاحتفاظ بسلطة ضبط التوازن بين الحكومة والبرلمان والجيش والقضاء والإدارة، كما تجلى ذلك، تاريخيا، في تجربة الأمير “ألبرت” زوج “فكتوريا”. هذا الدور الجديد أصبح مخولا للملكية من طرف الدستور الذي يمنحها السلطة. إن هذا التطور، في حد ذاته، هو الذي جعل من مفهوم الدستور أساس النظام السياسي للدولة، والملكية نفسها تدخل في إطاره، مما يعني أنها باتت ملكية دستورية في خدمة المواطن الذي فوّض لها السلطة، أي المخلوق، وليس الخالق، كما كانت تدّعي الملكية القديمة ونظرياتها المعروفة حول “الحق الإلهي”. وقد تطورت الأحداث، بعد ذلك، في اتجاه منح صلاحيات جديدة إلى البرلمان بهدف توزيع مرن للسلط منعا لتمركزها في شخص أو هيئة واحدة، كما عبرت عن ذلك كتابات “مونتسكيو” في قراءته للتقاليد السياسية الإنجليزية. هكذا إذن ومع مرور الزمن انتقلت الملكية من خدمة الخالق، كما كان “يُحدّد” ذلك “الكتاب المقدس”، إلى خدمة المخلوق، كما أصبح يحدد ذلك الدستور، والنتيجة أننا أصبحنا أمام وضع وتطور تاريخي “علماني”، اتجه ضرورة، وبالتدريج، إلى وضع سياسي ومؤسساتي أكثر انفتاحا وديمقراطية.
نستخلص، من كل هذا التسلسل السابق، أن العلمانية ومعها الديمقراطية هما نتيجة لحراك ميداني تاريخي تراكمي، وتدافع سياسي متواصل، أي أنهما نتيجة لحالة كانت تتطلب حلولا للتجاوب مع الظروف القائمة لتحقيق أهداف محددة، وليس التجاوب مع نظرية مسبقة، وبعبارة أخرى: إنهما نتيجة لـ”حالة تاريخية” أكثر مما هما نتيجة لـ”دعوة إيديولوجية”، قائمة على أهداف فكرية محددة مسبقا. لقد تم فيما بعد تأطير ذلك مفاهيميا وإيديولوجيا من طرف الفلاسفة والمفكرين. هكذا إذن تطوَّر التاريخ تدريجيا وببطء وطول نفس مع الملكية البريطانية، وفي ما بعد في التجارب الأوروبية الأخرى، كل بطريقتها وإيقاعها التاريخي، فأفكار الثورة الفرنسية آنذاك قد بدأت تغزو العقول في كل دول أوروبا، حتى تلك التي حاربتها. لكن السؤال الذي يطرح نفسه في منطقتنا هو: هل كان أصحاب “الحل والعقد” عندنا واعين بالفعل بهذا التطور التاريخي، السياسي والدستوري، أم كانوا يشعرون به تلقائيا ومنعوا حصوله؟ وهل كان الأمر مجرد رغبة وإرادة منهم في تأخير تحقيق ذلك التطور أم أن المسألة أعمق من ذلك بكثير؟ أي أن هذا التأخر يجد أصوله في وضع ثقافي/تاريخي، لم يسمح لنا بتحقق ذلك التطور عندنا وسمح به عند غيرنا، ومن هنا ضرورة البحث عن المعنى الذي يقف وراء ذلك، أي الحفر في الأسباب الثقافية لوضعنا الحالي، وإذا كان الأمر كذلك فلا يمكننا بحال أن نفصل الإصلاح السياسي عن الإصلاح الثقافي، الذي بات أولوية ملحة في عالمنا العربي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا من جديد هو “سؤال الكيف”: كيف يتم ذلك الإصلاح المذكور؟ وبأي معنى؟ وضمن أي أفق؟… حتى لا نخلف موعدنا، مرة أخرى، مع التاريخ.
انا من رايي انه مبدئيا سواءا في الاسلام او المسيحية, ليس هناك فرق بين خدمة “المخلوق” و خدمة “الخالق”
و لكن العيب في العقلية التي كانت سائدة و هي ان خدمة “الخالق” تتناقض مع خدمة “المخلوق” , لان الكنيسة او غيرها كانت تفرض قوانين الاهية من فوق على الشعب, حسب تفكيرها هي, حتى و لو كانت هذه القوانين لا تراعي مصالحه و لا تتماشى مع العصر, فانها كانت تفرض بدعوى انها من الرب..
و لما تم فصل الدين عن الدولة وجدت الكنيسة نفسها, مضطرة للاقتصار على نشر العقيدة فقط و الاهتمام بالاعمال الخيرية و الاجتماعية, و بالتالي تغير خطابها و اصبح يدعو الى الحب و السلام و الانسانية… و غيرها من المفردات في هذا الاتجاه, لهذا الغرض, اي نشر عقيدتها في العالم
و مرة سمعت احد القساوسة يقول في هذا الصدد, ان المسيحية تقتصر فقط على العقيدة و فعل الخيرات و ليس هناك “شرع” و قوانين, و انما هي من اختراع الكنيسة, لان المسيح عليه السلام لم يحكم اصلا او لم يتمم رسالته قبل رحيله عن هذا العالم