لا تختزل نسبة المشاركة الوطنية في الانتخابات التشريعية المغربية ليوم 23 شتنبر 2026 واقع السلوك الانتخابي بالمملكة في رقم واحد. فبلوغ معدل المشاركة 38.02% عند إغلاق مكاتب التصويت يعكس مؤشراً عاماً مهماً، لكنه لا يكشف وحده عن التباينات الكبيرة التي طبعت المشاركة بين المجالات الترابية، ولا عن الاختلالات الديموغرافية الكامنة في بنية الهيئة الناخبة. وبذلك، يبدو أن الحديث عن «العزوف الانتخابي» بصيغة موحدة يحتاج إلى كثير من التحفظ، لأن أنماط التسجيل والمشاركة تختلف بوضوح بين الأقاليم والجهات، وبين الفئات العمرية والوسطين الحضري والقروي.
بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة، بعد مراجعتها الاستثنائية وتحيينها إلى غاية 10 يوليوز 2026، ما مجموعه 15,801,162 ناخباً وناخبة. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن 55% من المسجلين يقيمون في الوسط الحضري، مقابل 45% في الوسط القروي. وتعكس هذه البنية، من جهة، الوزن المتزايد للمدن داخل الهيئة الناخبة، لكنها تظهر، من جهة ثانية، استمرار أهمية المجال القروي في تشكيل الخريطة الانتخابية الوطنية.
غير أن أبرز ما يلفت الانتباه هو البعد العمري للهيئة الناخبة. فالفئة المتراوحة أعمارها بين 18 و24 سنة لا تمثل سوى 4% من مجموع المسجلين، في حين تمثل الفئة البالغة 60 سنة فما فوق حوالي 29%. ولا يسمح هذا المعطى، بمفرده، بالجزم بأن الشباب يعزفون عن المشاركة السياسية أو الانتخابية لاعتبارات محددة، لكنه يكشف عن ضعف حضورهم في مرحلة سابقة على الاقتراع نفسه، أي مرحلة القيد في اللوائح الانتخابية. ومن ثم، فإن تفسير محدودية المشاركة الشبابية ينبغي أن يبدأ بدراسة شروط التسجيل ودوافعه وعلاقته بالثقة في الفعل السياسي، بدل الاكتفاء بقياس عدد الأصوات المدلى بها يوم الاقتراع.
خريطة مشاركة غير متجانسة
يكشف توزيع نسب المشاركة على الصعيد الترابي أن المعدل الوطني يخفي تفاوتات واسعة بين الأقاليم. فقد سجلت بعض الأقاليم الجنوبية مستويات مرتفعة جداً من الإقبال، إذ بلغت نسبة المشاركة بإقليم طرفاية 88.88%، وبإقليم العيون 79.52%، وبإقليم بوجدور 75.36%. وتجاوزت المشاركة في طرفاية والعيون ضعف المعدل الوطني تقريباً، في حين اقتربت بوجدور من هذا المستوى.
وتكتسب هذه الأرقام دلالة خاصة إذا ما قورنت بالمعدل الوطني البالغ 38.02%. فطرفاية تجاوزته بأكثر من خمسين نقطة مئوية، بينما تجاوزته العيون بأكثر من إحدى وأربعين نقطة، وسجلت بوجدور فارقاً يقارب سبعاً وثلاثين نقطة. ولا تعني هذه الفوارق مجرد اختلاف محدود في الإقبال، بل تعكس وجود أنماط انتخابية متباينة ترابياً، ينبغي تحليلها في ضوء خصوصية البنية الاجتماعية والديموغرافية لكل إقليم، وطبيعة المنافسة الانتخابية فيه، ودرجة القرب بين الناخبين والفاعلين المحليين، فضلاً عن الكثافة التنظيمية للأحزاب والمرشحين.
في المقابل، سجلت جهة الدار البيضاء- سطات، بوصفها أكبر المجالات الحضرية والديموغرافية بالمغرب، نسبة مشاركة بلغت 34.60% فقط. وشارك في الاقتراع نحو 1,013,491 ناخباً وناخبة، من أصل ما يقارب 2.929 مليون مسجل. وبذلك، جاءت الجهة دون المعدل الوطني بـ3.42 نقطة مئوية.
ولا ينبغي اختزال هذا الفارق في وجود «عزوف حضري» ثابت أو متجانس؛ إذ إن الجهة نفسها تضم أوساطاً اجتماعية ومجالية متنوعة، من المدن المركزية الكبرى إلى المجالات شبه الحضرية والقروية. إلا أن ضعف المشاركة في أكبر تجمع حضري بالمملكة يثير أسئلة مشروعة حول علاقة الناخبين بالعرض الحزبي، وطبيعة المنافسة الانتخابية، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل الكتلة المسجلة إلى مشاركة فعلية.
بين الوصف الإحصائي والتفسير السياسي
تؤكد الأرقام أن المشاركة الانتخابية ليست موزعة بالتساوي بين مختلف المجالات الترابية. لكنها، في المقابل، لا تكفي لوحدها لتحديد أسباب هذا التفاوت. فارتفاع المشاركة في الأقاليم الجنوبية أو في بعض المجالات القروية قد يرتبط بعوامل متداخلة، مثل كثافة المنافسة الانتخابية، وقوة التنظيمات الحزبية، وطبيعة العلاقات بين المرشحين والناخبين، والرهانات المحلية، وحجم التعبئة الميدانية خلال الحملة الانتخابية.
كما أن الاستناد إلى مفاهيم مثل «الأعيان» أو «الشبكات المحلية» أو «العصبية القبلية» ينبغي أن يتم بحذر منهجي. فهذه المفاهيم قد تساعد في تفسير بعض أنماط التعبئة داخل مجالات ترابية معينة، لكنها لا تصلح كتفسير جاهز أو شامل لكل مشاركة مرتفعة في الوسط القروي أو بالأقاليم الجنوبية. ولا يمكن الجزم بدورها الفعلي إلا بالاستناد إلى دراسات ميدانية، أو مقابلات مع الناخبين والفاعلين المحليين، أو تحليل تفصيلي للنتائج حسب الدوائر والجماعات.
والأمر نفسه ينطبق على تفسير ضعف الإقبال في المدن. فلا يمكن اعتبار الامتناع عن التصويت رسالة احتجاجية موحدة، أو دليلاً مباشراً على فقدان الثقة في السياسة والمؤسسات، إلا إذا دعمت ذلك معطيات نوعية أو مسوح رأي تقيس دوافع الناخبين غير المشاركين. فقد يرتبط عدم التصويت بعوامل متعددة، منها ضعف الاهتمام بالانتخابات، أو محدودية المعرفة بالمرشحين، أو غياب القيد الانتخابي، أو صعوبات مرتبطة بالتنقل والعمل، أو عدم الاقتناع بجدوى العروض الحزبية، أو أسباب اجتماعية وشخصية لا تتطابق بالضرورة بين جميع الفئات.
الشباب والتسجيل: إشكال سابق على الاقتراع
تبرز محدودية تمثيلية الفئة العمرية بين 18 و24 سنة، والتي لا تتجاوز 4% من مجموع المسجلين، باعتبارها إحدى أهم الإشارات التي تستحق الدراسة. فالمشكلة لا تتعلق فقط بمن امتنع عن التصويت بعد تسجيله، بل تشمل أيضاً محدودية حضور شريحة من الشباب في الهيئة الناخبة منذ البداية.
وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة:
-التسجيل في اللوائح الانتخابية، باعتباره المدخل القانوني الأول للمشاركة.
-المشاركة الفعلية يوم الاقتراع، باعتبارها مؤشراً على التعبئة والاهتمام والثقة.
-الانخراط السياسي والمدني الأوسع، بما يشمله من نشاط جمعوي، ومشاركة رقمية، واحتجاج، ومتابعة للشأن العام.
فلا يعني ضعف القيد الانتخابي بالضرورة انسحاباً كاملاً من المجال العام، كما لا تعني المشاركة في التصويت دائماً انخراطاً سياسياً مستقراً. ولذلك، فإن أي سياسة تروم رفع المشاركة الشبابية ينبغي أن تتجاوز الحملات الظرفية السابقة للانتخابات، وأن تعالج شروط الثقة، وفعالية الوساطة الحزبية، وآليات التمثيل، وإتاحة معلومات انتخابية مبسطة وقريبة من اهتمامات الفئات الشابة.
معدل وطني يخفي واقعين انتخابيين
تسمح المعطيات المتوفرة بالقول إن نسبة المشاركة الوطنية ليست سوى متوسط حسابي يختزل أوضاعاً انتخابية متباينة. فمن جهة، توجد أقاليم سجلت نسباً مرتفعة جداً، مثل طرفاية والعيون وبوجدور، ومن جهة أخرى توجد جهات حضرية كبرى، مثل الدار البيضاء–سطات، سجلت مشاركة أدنى من المعدل الوطني.
لكن الأهم هو ألا يتحول هذا التفاوت إلى تقسيم تبسيطي بين «قرية مشاركة» و«مدينة ممتنعة»، أو بين ناخب تحكمه شبكات محلية وناخب حضري يحتج بالصمت. فالواقع الانتخابي المغربي أكثر تعقيداً من هذه الثنائية؛ إذ تختلف أنماط التعبئة والامتناع داخل الجهة الواحدة، بل داخل المدينة أو الإقليم نفسه، تبعاً للبنية الاجتماعية، ونوعية العرض السياسي، وسمعة المرشحين، والرهانات المحلية، ودرجة الثقة في المؤسسات.
ومع ذلك، فإن الرسالة الأساسية للأرقام تظل واضحة: معالجة ضعف المشاركة لا يمكن أن تقتصر على تحسين المؤشرات الوطنية العامة أو إعادة توزيع المقاعد البرلمانية. إنها تقتضي فهماً أدق للفجوات الترابية والعمرية داخل الهيئة الناخبة، وإنتاج معطيات تفصيلية ومفتوحة حول التسجيل والمشاركة بحسب السن والنوع ومكان الإقامة، مع تشجيع بحوث ميدانية مستقلة حول دوافع التصويت والامتناع.
فالإصلاح الديمقراطي لا يقاس فقط بعدد المقاعد أو بنسبة المشاركة الإجمالية، وانما بمدى قدرة المؤسسات الحزبية والانتخابية على تحويل الحق في التصويت إلى مشاركة فعلية وذات معنى، وعلى تقليص الهوة بين الفئات والمجالات التي تشعر بأن حضورها السياسي محدود أو غير مؤثر.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.