قراءة في خطاب رئيس الحكومة

قراءة في خطاب رئيس الحكومة
السبت 11 فبراير 2012 - 16:36

البحث عن الاعتراف داخل الاستثناء

شكل خطاب رئيس الحكومة حدثا سياسيا وإعلاميا، أثار اهتمام أطراف عديدة، وخلف ردود فعل تتباين أو تتداخل حسب المواقع وزوايا النظر، وتعكس، على العموم، تعبيرا عن طموحات وانتظارات وهواجس وأحكام قبلية، مما جعلها جزئية، سطحية، بل إنها بدت عاجزة عن فعل شيء آخر، غير إعادة إنتاجه والانجراف مع تياره، والسباحة في تفاصيله.

كيف نفسر هذا؟ هل نعتبر هذا الخطاب قويا حصينا، يملك من المقومات الذاتية والبنيوية ما يجعله عصيا على الاختراق، قادرا على الإفحام والإقناع؟ هل نقلل من أهميته ونرجع الأمر إلى قصور الآخرين وعجزهم عن استيعاب المرحلة، وعن إنتاج خطاب مضاد؟. مهما يكن، ينبغي أن نتفق، في البداية، على أننا أمام تمظهر خاص للفعل الخطابي، يستدعي قراءة متأنية، من زاوية خطابية محضة، تأخذ منه مسافة كافية، وتموضعه داخل سياقاته الخطابية. سنسلط الضوء إذن على الخطاب، ولا شيء غير الخطاب.

تقتضي هذه المقاربة، أولا، أن نجرد الخطاب المعطى من وظيفته المباشرة، ومناسبته الخاصة، اللتين تجعلان منه مجرد إجراء بروتوكولي، دون أن يقلل هذا من قيمة المقاربات الأخرى التي تتناوله من تلك الزاوية. سنفترض، منهجيا، أن التصريح الحكومي لم يكن هدفا لذاته، لأنه مجرد ورقة تقنية أولية، أو مسودة سيناريو لعمل الحكومي، ومؤثث من أكسسوارات مراسيم التنصيب، وقد يتسرب “سهوا” إلى القنوات الإعلامية للإثارة والتشويق وإنتاج خطابات جانبية. فضلا عن أن تنصيب الحكومة والحصول على ثقة البرلمان، أمر محسوم سلفا، بفضل الأغلبية المريحة المساندة للحكومة، وإذن لن نسير في هذا الأفق المسدود.

سننظر إليه كخطاب “سياسي”، دون التركيز على صفة “السياسي” الملازمة، لأنها تحوله إلى مجرد أداة، لتمرير محتوى ظرفي وعابر، يلهينا عن إدراك البنيات المُنْتِجة للثباب والاستمرار. أي أننا سننظر إلى الخطاب، باعتبار أن أقصى ما تهدف إليه السياسة والكائنات السياسية هو بناء الخطاب. بناء الخطاب هو بناء للذات وأسطرتها، بناء للهيمنة والشرعية والوجود والاستمرار، وكل كائن سياسي لا ينتج خطابه هو كائن افتراضي مآله الانقراض.

من هذا التصور، سنعتبره خطابا سياسيا، يتوج مرحلة ممتدة من الفعل الخطابي، ويمثل محطة مهمة من النقاش السياسي العمومي بعد مخاض عسير، واستجابة ممكنة لإكراهات عالم متحول، متوتر، عصي على الفهم والتحليل والإدراك والاحتواء، مليء بالمفارقات والاستثناءات، والأزمات المالية والاقتصادية، والمواجهات السياسية والاجتماعية؛ ونؤطره، بداية، في سياق خطابي عام (عربي على الخصوص)، حيث يعيش الخطاب أزمة وجودية، ومعاناة حقيقة:

1. لم تعد الأدوات والحصون البلاغية التقليدية قادرة على حماية النرجسيات والأنظمة، خاصة في مواجهة بلاغة الخطاب الجسدي المكتسح للساحات والميادين، في تمظهراته المختلفة ( أجساد تحترق، مسيرات احتجاجية، اعتصامات، جمل قصيرة، لافتات،..جملة قصيرة “ارحل” تهزم عمارة لغوية). ولنا في تجارب بعض البلدان العربية نماذج دالة على أزمة الخطاب. وما خطابات مبارك، بن علي، القدافي، علي صالح، في مواجهة خطاب الساحات، إلا عنوان لسقوط الخطاب، كسلطة ومؤسسة قائمة الذات، وبسقوطه تهاوت تلك الأنظمة.

2. وجدت الأنظمة – القائمة على أنقاض سابقاتها، أو الآخذة في التشكل – نفسها عاجزة على بناء ذاتها، وجدت حاجتها إلى الخطاب، كآلية للتأثير والإقناع والتأطير والطمأنة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. هكذا، وبعد أن انسحب الخطاب الجسدي، وهدأت الجماهير، تزايدت حدة الانتظارات، وتناسلت أسئلة جديدة، وتباينت المواقف والمواقع، والسيناريوهات، وأصبح ضروريا أن يتكيف الخطاب مع السياق الجديد، وهنا تزداد الأزمة تعقيدا، خاصة في غياب مقدمات صلبة، وجهات داعمة، وآفاق ممتدة.

إن الانطلاق في مقاربة خطاب رئيس الحكومة من هذه المؤشرات السياقية العامة الواردة في مقدمته يمكن أن تكون مفيدة في تلمس بعض من منطلقاته الجنينية، ولكنها قد لا تنفع في وصف وتفسير عملية بنائه وكفايته الإنجازية، بل يمكن أن تشكل عائقا أمام بلوغ هذا الهدف. لذا، يتعين علينا، واجتنابا للتعميم، أن نركز على السياق الخاص، على التجربة المغربية، في تحققاتها وتمظهراتها الخطابية:

1. كانت المواجهة بين الخطاب الرسمي والخطاب الجسدي أقرب إلى الخلاف منها إلى الصراع. بل إن نقط الالتقاء كانت الأقوى. كانت المقدمات تلتقي في أفق واحد، وتتجه نحو تحقيق نفس الهدف الممكن اختزاله في بؤرة واحدة: ترسيخ وحماية الثوابت ( الإسلام الوحدة الوطنية الملكية الدستورية الاختيار الديموقراطي). الهدف مشترك، وتحقيقه يقتضي عملا مشتركا. وإذن، فالخلاف ليس جوهريا، والصراع لاغيا. من هنا ينحصر الخلاف في المقاربات والكيفيات وقراءة النتائج، مما جعل الحوار ممكنا.

2. يمكن النظر، أيضا، إلى هذه المواجهة الخطابية، باعتبارها امتدادا طبيعيا لممارسة الخطاب خلال عقد من الزمان، على الأقل، مع اختلاف الإيقاع. لقد اعتاد المغرب على التعددية في الخطاب، على التظاهر السلمي، وتواتر الاحتجاجات، كما تميزت الخطابات الملكية بالواقعية والوضوح والجرأة واستهداف الفساد. وإذن ليس غريبا أن يستمر الخطابان في التعايش، وتظهر المواجهة حتى أثناء تقديم التصريح الحكومي (اللافتات الاحتجاجية لنساء المعارضة/ خطاب رئيس الحكومة).

3. كل شيء يجري داخل بنية الخطاب، أو داخل الفضاءات المؤسسية المنتجة للخطاب. كيف أمكن هذا؟ وكيف استطاعت مؤسسة الخطاب أن تعيد إنتاج ذاتها، وأن تختزل الصراع، وتوجه الأحداث، وتوزع الأدوار، وتفرض الاختيارات والمسارات؟. لقد وجد الخطاب قوته الدافعة في مقولة “الاستثناء” المغربي. مقولة بسيطة، نواة صلبة أفرزها حقل سيكولوجي ومعرفي، موسوم بالترقب والتوجس والبحث عن الخلاص، فتناسلت حولها الاستجابات والتأويلات، ممن يصدقها حبا أو كرها أو على مضض؛ من يقبلها لبداهتها، أو لاقتضاءات ذاتية فردية أو جمعية.

4. لما كان منطق الخطاب يحتم التنامي والتكاثر، فقد تحركت آلته لجعل الاستثناء حقيقة وواقعا فعليا، وبوثقة تلتقي حولها كل الخطابات وكل الذوات. من هنا وجدت كل الأطراف نفسها في نفس الخندق، وأنها ملزمة بالمساهمة في البناء، بناء الذات، بناء الخطاب الوحيد، بناء الاستثناء، وكل ما يتراءى على السطح من تلوينات خطابية، ليس نشازا، بل يمكن تشبيهه بمقطوعة لموسيقى الجاز.

هكذا حصل التوافق، وانطلقت عملية البناء، خطابيا، وشكل الخطاب الملكي (9 مارس) اللبنة الأولى، أول لنقل حجر الزاوية، لأنه صاغ التوافق ووجهه، بل دفعه إلى أبعد مدى، إذ تولدت عنه خطابات كائنات سياسية، وجدت نفسها في طريق اللاعودة، طريق الخيار الوحيد. هكذا سارعت إلى التنقيب في أدبياتها لتأسيس وتأكيد أحقيتها في حجز مكانها داخل بنية التوافق، وتبني اختيار الإصلاح. من هنا ساد منطق التوافق، وتولد المشروع الإصلاحي الجماعي الدستور الجديد، كخطاب سياسي أسمى، يضع القواعد، ويبني الاختيارات، ويوزع الأدوار، ويضبط المواقع، ويرسم الآفاق، ويؤسس الصلاحيات.

في هذا السياق يمكن النظر إلى خطاب رئيس الحكومة، كتحقق من التحققات الخطابية الممكنة للخطاب الأسمى المتعالي، وضبط آلياته وكيفية تبَنْيُنِه، وعلاقته بالذوات القولية (قائل الخطاب ومتلقيه)، وقدرته على محاصرة وتوجيه الخطابات المتناثرة حوله.

1. حاول الخطاب تحصين ذاته بتموقعه داخل خطاب التوافق، إذ جعل منطلقات الخطاب الأسمى نواته الصلبة، ووضع الثوابت والاختيارات التوافقية خارج دائرة النقاش، بل هي مسلمات وبديهيات تسند بناءه وتمنحه التماسك، والقدرة على الفعل والتفاعل، وتضمن التجاوب الإيجابي من الكائنات السياسية والفاعلين الآخرين في التوافق. إن الخطاب إذن، لا يسعى إلى بناء خطاب حديد، بل إلى تعزيز موقعه داخل الخطاب المشترك، فهو حين يدافع عن الثوابت، ويحرص على حمايتها والتشبث بها، فإنما يهدف يالأساس إلى المساهمة في بناء الحصن الجماعي المشترك.

2. يبدو أن الخطاب بدون ذات، أي أن الذات القائلة لا تتمظهر لغويا فيه، مما جعله محكوما بصيغة ضمير الغائب المضمر خلف بنية تركيبية وحيدة:

[ ستعمل الحكومة على ….و ….و…]

هذه الصياغة جعلت “قائل الخطاب” في موقع السارد المنفصل عن الفعل، بدون موقع واضح، بعيدا عن الانفعال والتفاعل بما يقال. لا يقوم هذا السارد بأي فعل من الأفعال اللغوية ( استفهام استغراب إنكار تأكيد أمر ، …)، التي تمظهره كذات مسؤولة عن الخطاب، ذات قادرة على المجادلة والإقناع والتأثير. هذا الغياب يولد لدى المتلقي الانطباع بأن ما يُتلى أمامها ليس مجرد تقرير بارد، بعيد عن أن يكون صادرا من ذات حاملة لمشروع، مؤمنة بما تفعل، ذات تثق في إمكانياتها وقادرة على بناء الثقة.

3. نسجل نفس الأمر بالنسبة للذوات المتلقية للخطاب، حتى المُخَاطَب المباشر (النواب والمستشارين) لم يتجسد نصيا. وبالرغم من أنه يكتفي بالإشارة إلى متلقيه بصورة إجمالية: [ الأغلبية المعارضة الشعب المغربي بفئاته وشرائحه في الداخل والخارج عموم الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين – مكونات المجتمع المدني ] فإنه يمكن أن نعيد بناء هذا المتلقي في ذاتين متقابلتين:

أ‌. ذات إيجابية تؤمن بالمشروع المقترح (الإصلاح)، وتتفاوات اتنظاراتها بين مؤمن منخرط في البناء (الأغلبية)، ومتردد متشكك في قدرة الأغلبية على القيادة (المعارضة)، واستجابة لهؤلاء، حرص الخطاب على أن يكون تفصيليا، شاملا، مرقما، بل إنه حرص على أن يشركها في رهان التدبير المشترك باعتبار مقاربته تشاركية.

ب‌. ذات سلبية، توجد خارج التوافق، أو تشكك في شرعية المشروع الإصلاحي، أو تهدد الوحدة الوطنية أو الوحدة الهوياتية والثقافية. هذه الذات الضمنية هي التي جعلت الخطاب يبدي نوعا من التحدي، مؤكدا على التشبت بالثوابت والاختيارات الكبرى، مشددا على الحكامة الجيدة، والصرامة في المحاسبة، وعلى سيادة القانون والاستقرار.

4. يرسم الخطاب حدوده الفاصلة داخل الخطاب الأسمى، ويحدد دوره في الإصلاح والصيانة وحماية البناء الموجود سلفا، ويعكس معجم الأفعال والأعمال السائد في ثناياه هذا الطموح [ تنزيل تعزيز توفير تخليق تأهيل توطيد مواصلة..], وهي كلها مصادر أفعال ممتدة في الزمن المستقبلي، ومحكومة بالفعل ” ستعمل الحكومة على ..)، اي أن مجال تدخل الحكومة يدخل في الاستمرار والانخراط في مشروع موجود سلفا، ممتد في الماضي، عابر لتحديات الحاضر، مشروع قابل للتجدد والتطور، غير انه يعاني من بعض الأعطاب ومن بعض السلوكات الشاذة، والاختلالات المعيقة، وهذا بالضبط جوهر عمل الحكومة، ودورها، وغاية طموحها. هنا تأخذ مقولة “الإصلاح داخل الاستمرار دلالتها الخطابية، السياقية والعملية.

هكذا نخلص إلى النواة الأساس للفعل الخطابي الحكومي وهاجسه الوجودي الأساس. إذا كان قائل الخطاب، يتسجل داخل الخطاب الأعلى ويحصن نفسه داخله، ويتماهى مع ذواته، وإذا كان يعترف ضمنيا بالأعمال الإصلاحية السابقة، ويعتبر نفسه امتدادها الطبيعي والمنطقي التاريخي، فإنه يحاول تبرير وجوده بفضل هذا الانتماء؛ أي أنه يؤسس للذات القائلة شرعية تاريخية وضرورة وجودية، أي أنها ليست حالة شاذة، أو خطرا محدقا. كان الهاجس الأكبر للخطاب إذن هو تبديد مثل هذه التمثلات، وبناء نموذج لفاعل سياسي مسؤول، جدير بالثقة، أهل لأن يركب مع الآخرين سفينة الإصلاح، وأن يتناوب على قيادتها. إنه خطاب يبحث عن الاعتراف، ويسعى إلى الطمأنة، ويقتنع أن لا مجال للتفرد والتميز داخل الاستثناء.

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • علي عدناسي
    الثلاثاء 14 فبراير 2012 - 02:38

    أستاذي٠٠أفتخر بالإنتماء الى مدرستك الفكرية والفنية٠حاولت إقتحام قراءتك من الوهلة الأولى فتطلب ذلك أكثر من محاولت، تذكرت مقولة الأستاذ يوسف وهبي عندما شبه الحياة بالمسرح وأنت لم تتوقف عند الكلمة أو الجملة أو الخطاب بل تخطيت هذا كله و أعطيتنا صورة عن المسرح السياسي الذي لعب فيه هاملت التصريح الحكومي٠

صوت وصورة
المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه
السبت 17 أكتوبر 2026 - 21:45

المنصوري تسلم "السكنى" لبلفقيه

صوت وصورة
الجائزة الكبرى للتبوريدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 20:45

الجائزة الكبرى للتبوريدة

صوت وصورة
تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:36 14

تسليم السلط بين أخنوش والمنصوري

صوت وصورة
فتاح العلوي تودع وزارة المالية
السبت 17 أكتوبر 2026 - 13:18 6

فتاح العلوي تودع وزارة المالية

صوت وصورة
وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 12:32 9

وزير النقل: مغرب يسير بسرعة واحدة

صوت وصورة
حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة
السبت 17 أكتوبر 2026 - 11:21 7

حاتيمي يكشف أولويات وزارة الفلاحة